ليس جديدا أن رجال السياسة والأمن يتدخلون على مدى الحقب التاريخية المختلفة لتوجيه الفنون والآداب في عالمنا العربي، وكثيرة أيضا هي الأفلام التي أثارت جدلا لأسباب متعددة.

ويتعلق الجدل الأحدث بفيلم "صراع"، وهو فيلم تونسي يدور حول محنة السجناء السياسيين في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

لجنة الانتقاء في مهرجان قرطاج السينمائي لم تقر مشاركة الفيلم على هامش المهرجان الذي افتتحت فعالياته الأحد. وقبل ذلك منع وثائقي إيراني بعنوان "الأكثرية الصامتة تتكلم" من العرض في مهرجان "الثقافة تقاوم" بلبنان، وهو فيلم يتناول احتجات شهدتها إيران عام 2009 عقب إعادة انتخاب أحمدي نجاد.

حلقة الاثنين (1/12/2014) من برنامج "الواقع العربي" ناقشت مسألة تدخل السياسة في الفن، وتساءلت حول طبيعة العلاقة بين السلطة والفنان في الوطن العربي.

حرية الفن
من تونس تحدث الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع الثقافي منير السعيداني وبيّن أن المبدأ هو حرية الفن، وأن ما تشهده تونس من تحول يشجع على الحرية باعتبارها مبدأ أساسيا في بناء الدول الحديثة.

ورأى أن هناك اليوم في تونس بوادر واضحة للتراجع في القدر الهام من الحرية الذي تتمتع به البلاد.

وحول طبيعة الفنان ذكر السعيداني أن دوره لا يتغير، وهو معبر عن وجهة نظر، لذلك يعد مشاركا في الجدل الاجتماعي العام.

ومن العاصمة الأردنية عمان تدخل المخرج السينمائي نورس أبو صالح ووصف علافة الفن بالسياسة بأنها معقدة، خاصة إذا كان الفن يعبر عن همّ سياسي، مشددا على ضرورة أن لا يكون الفن محدودا في أطر معينة.

واعتبر أبو صالح أن الفن الجاد والمستقل دائما ما يتعرض لانتقاد السلطة ورقابتها، ولكنه يلقى رواجا واسعا لدى الجمهور العريض، داعيا الفنانين عموما إلى عدم محاباة السلطة وعدم المشي في ركاب الساسة.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: تدخل الاعتبارات السياسية في الفن بالوطن العربي

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيفا الحلقة:

- منير السعيداني/ أكاديمي وباحث في علم الاجتماع الثقافي

- نورس أبو صالح/ مخرج سينمائي

تاريخ الحلقة: 1/12/2014

المحاور:

-    الفن والفنانون في عين العاصفة

-    مثقفو السلطة والصيد السهل

-    صراع دائم لضمان الحرية

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط فيها الضوء على التدخل للاعتبارات السياسية في الفن وعملية الإبداع في العالم العربي.

ليس جديداً أن رجال السياسة والأمن يتدخلون عبر الحقب التاريخية المختلفة لتوجيه الفنون والآداب في عالمنا العربي، كثيرة أيضاً هي الأفلام التي أثارت جدلاً لعرضهاً أو منعها، الجدل الأحدث يتعلق بفيلم صراع وهو فيلم تونسي يدور حول محنة السجناء السياسيين الإسلاميين في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، لجنة الانتقاء في مهرجان قرطاج السينمائي لم تقر مشاركة الفيلم على هامش المهرجان، قبل ذلك منع وثائقي إيراني بعنوان الأكثرية الصامتة تتكلم، من العرض في مهرجان الثقافة تقاوم في لبنان، الفيلم يتناول احتجاجات شهدتها إيران عام 2009 عقب إعادة انتخاب أحمدي نجاد.  للنقاش حول تدخل السياسة في الفن ينضم إلينا من تونس منير السعيداني الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع الثقافي، ومن عمّان نورس أبو صالح المخرج السينمائي، مرحباً بكما. سيد السعيداني أن يمنع فيلم من العرض أو أن يرفض للعرض لأسباب أو لأخرى لأي ذريعة كانت هل هذا الأمر يبدو طبيعياً في بلد شهد ثورة حريات ودستوره الوليد أقر ذلك؟

منير السعيداني: لا، يعني بكل المقاييس هذا ليس أمرا طبيعياً، المبدأ أن يكون الفن حراً في إبداعه وفي إنتاجه وفي توزيعه وفي تلقي المولعين به له، ومن المفروض أن ما نشهده من تحول سياسي وحتى اجتماعي واقتصادي في البلد يشجع على الحرية لأنها من المطالب الأساسية للثورة، ليس ذلك فقط بل لأنها أيضاً مبدءا أساسي في بناء المجتمعات الحديثة والدول الحديثة والحياة السياسة الحديثة في كل مجتمع جدير بأن يكون معاصراً لزمنه، طبعاً المسألة لها أبعاد كثيرة ولكن السياق العام هو السياق المضطرب وفيه الكثير من التقلبات، هناك بوادر واضحة للتراجع في هذا القدر المهم من الحرية الذي فرض لا فقط على أجهزة الدولة بل أيضا على جملة من الأجهزة الأخرى التي تعمل في مجالات مختلفة مثل مجال الإعلام ومجال الممارسة السياسية ومجال الإبداع ومجال البحث العلمي إلى آخره، إذن كأننا إزاء نوع من التقابل بين إرادة في التحرر وفي توسيع هذا التحرر والاستفادة منه في اتجاه تطوير قدرات المبدعين والباحثين والساسة والإعلاميين إلى آخره وبين توجه مضاد يريد أن يحاصر ذلك.

الحبيب الغريبي: يعني نحن نبني على حادثة هي نفسها تحتاج إلى بعض التنسيب لغياب التعليلات إلى حد الآن ولكن هل يعني ذلك صراحة أن هناك ظلال ثقيلة من وراء هذا المنع والرفض لعودة الرقيب لعودة صاحب القرار السياسي للتدخل في الشأن الفني؟

منير السعيداني: يعني شكلياً لجنة الاختيار في أيام قرطاج السينمائية لجنة مستقلة وهي تختار على أساس جملة من المبادئ من المفروض أن يكون المبدأ الأساسي فيها هو القيمة الفنية لأن هذا المهرجان مقام على فكرة هي فكرة تشجيع السينما العربية والأفريقية الجادة وتراث المهرجان كله يقوم على هذه الفكرة بل أكثر من هذا هناك جملة من الظواهر الفنية والظواهر الثقافية التي ترتبط بالمهرجان أيضا تقوم على هذه الفكرة، المهرجان مبدئياً ليس تجارياً والمهرجان مبدئياً متحرر والمهرجان مبدئياً يشجع هذا النوع من السينما المناضلة التي لا يجب أن ننسى أنها ولدت في سياق تحرري عربي وإفريقي عام كان يناضل من أجل فرض سينما تعبر عن طموحات هذه الشعوب وعن ثقافتها في سياق من التحرر من الاستعمار في الخمسينيات والستينيات إلى آخره، هذا أمر مهم يجب التذكير به إذن شكلياً الإدارة قائمة على هذه الفكرة وقائمة أيضا على أنها تشجع ما يساعد على تنفيذ هذه الفكرة، الآن لم يوجد نقاش واسع حول المسألة باستثناء تشكيات المخرج بحد ذاته.

الحبيب الغريبي: صحيح.

منير السعيداني: وبعض التشكيات الأخرى من المتعاملين مع المهرجان الذين اشتكوا أن مديرة الدورة أو المسؤولة الأولى عن الدورة تنفرد بالقرار إذن هناك نوع من السياق الخاص الذي جعل هذا القرار يبدو أنه ملون بإجراءات إدارية لكن ذلك لا يمنع أن له أبعادا سياسية وثقافية.

الفن والفنانون في عين العاصفة

الحبيب الغريبي: هذا السياق خاص، أريد أن أخرج من السياق الخاص إلى الأعم سيد نورس، هل تعتقد أن الفن والفنان والمبدع ما زال إلى اليوم رغم بعض المتغيرات اللافتة ما زال في عين العاصفة بالنسبة للسياسي وأن الفن يعني ما زال ربما قابلاً للتوظيف السياسي في هذه المرحلة؟

نورس أبو صالح: يعني حتى هو بالنظر لتاريخ الفن سابقاً اللي هو الفن السياسي حتى في أوروبا كانت عندما يثور الفنان على الكنيسة أو على الحكم بشكل معين يقابل بهذا النوع من الرقابة أو حتى منعه من العرض أو الظهور أو عدم الدعم، الآن دائماً علاقة الفن مع السياسة هي علاقة معقدة ومشتبكة وخاصة إذا ما كان الفن يعبر عن طموحات سياسية معينة أو حتى عن هم سياسي، خاصة في ظل عدم وجود تداول السلطة مثلاً أو عدم وجود ديمقراطية حقيقية أو وجود الكثير من الكبت ووجود الظلم السياسي، الفن عندما يقوم بمعالجة هذه الأفكار أو يقوم بطرحها هو لا يوارب ولا ينافق ويكون طرحه طرح حاد أو مصطدم، لأن المطلوب من الفن أن لا يكون محدودا أو محددا عفواً في هكذا أطر أصلاً، هو موجود ليعبر عما يجول في خاطر الفن السياسي، ما يجول في الوعي العام أو في خاطر الشعوب أو في خاطر الفنان الذي يريد أن يحمل هم هذه الشعوب.

الحبيب الغريبي: ولكن بالنهاية الفنان هو مواطن يعني وضروري أن تكون له يعني رؤيا وتقديرات كما يقول البعض حتى أمنية لمحيطه ومجتمعه، في حالة مثلاً منع الوثائقي الأغلبية الصامتة تتكلم سيقت أسباب أمنية بحتة للمنع لأن التوقيت غير مناسب وهذا قد يغذي الاحتقان الموجود، إلى أي حد أنت تلتقي مع هذه الفكرة؟

نورس أبو صالح: الفكرة العامة يجب أن لا يتم حد الفن، الآن التوقيت أو عدمه كل هذه الحجج يتم سوقها أصلاً لأن الفن الصادق أصلاً يجب بالنهاية إذا ما تابعنا هذه الحجج فإنه يجب أن لا يخرج أصلاً بتاتاً وبالتالي كل هذه الحجج تساق في وجه هذا الفن أو هذا من النوع من التعبير عن الرأي خاصة مثلما قلت لك أن هذا النوع من الفن بالعادة يكون ناقداً جارحاً ينبش الجرح يسلط الضوء بشكل فج على القضايا التي تختمر في وعي الشعب مثلاً أو في وعي الأمة.

الحبيب الغريبي: سيد السعيداني هل هناك أوراق ضغط الآن في يد المبدع في يد الفنان للتصدي لمثل هذه المحاولات ويعني حتى لا تتكرر في المستقبل؟

منير السعيداني: إن صورنا العلاقة بين الفن والسياسة على أساس أنها علاقة مواجهة فإن لكل طرف أوراق ضغط، طبعاً الجهة الرسمية السياسية إن كانت رسمية خاصةً لها أوراق ضغط هي الدعم أولاً في مثل مهرجان دولي أقصد بذلك أنه تحت إشراف الدولة مثل أيام قرطاج السينمائية، وهناك أشكال أخرى للدعم في تونس وهناك سياسة دعم للمخرجين ولكتبة السيناريو وحتى لبعض الأعمال التقنية لإنهاء الشريط إلى آخره، هذه ورقة ضغط كبيرة جدا يمكن أن تستخدم في أي لحظة، وهناك ورقة الضغط الأخرى وهي مختلف أشكال المنع والحد من الانتشار أو من التوزيع إلى آخره، طبعاً في الجهة المقابلة هناك أوراق ضغط كبيرة وهي على الأغلب أوراق رمزية على عكس الأوراق الأولى ذات الطبيعة المادية والرقابية والمالية، في يد الفنان هناك أوراق ضغط من بينها شهرته سمعته قدرته على أن يصل إلى كما يقال إلى أذهان المتفرجين أو المتلقين ومسامعهم وقلوبهم إلى آخره وأيضاً له هذه الأحقية في الإدعاء بأنه ينطق من مجال الحرية ومن مجال الإبداع ومن مجال المساهمة في المناقشات العامة وفي الجدل الاجتماعي العام إلى آخره، هذه أوراق يعني على رمزيتها وعلى قوتها عفواً ضعفها ظاهرياً تجاه الأوراق المقابلة فإن لها أثرا مهماً جداً وكبيراً جداً وكثيراً ما لاحظنا في تواريخ الفنون أن هذه الأوراق تحولت إلى ضغط فعلي لأن العلاقة بين الفن ومتلقيه علاقة معقدة لا ترتبط فقط بلحظة التلقي فقط بل لها أثر نفسي وأثر فكري وأثر فيما يسمى عادة هندسة الأرواح وبناء العقول وبناء النفسيات إلى آخره، خاصة إن كانت هذه الفنون تتعامل مع مسائل كبرى مثل قضايا الحرية.

الحبيب الغريبي: نعم، صحيح.

منير السعيداني: وقضايا العدالة، القضايا الثقافية الخاصة بتراث الشعوب إلى آخره، إذن في حقيقة الأمر نحن إزاء وضع على طريقته الخاصة يلخص هاتين القوتين المتصارعتين دائماً في تواريخ الفنون والأفكار والثقافات القوى المادية وهي عادة رقابية عقابية والقوى الرمزية وهي عادة ثقافية وروحية ومن طبيعة تنزع في الغالب إلى الخير والعدل والجمال إلى آخره.

مثقفو السلطة والصيد السهل

الحبيب الغريبي: طيب، طيب سيد نورس يعني الأصل أن يكون الفنان حرا أن يطرح الأسئلة الحارقة وأن يكون يعنى مزعجا في المطلق، ولكن ما مدى مسؤولية أهل الفن أنفسهم في تمكين السلطة منهم عندما جزء من هؤلاء يسيرون في ركاب السلطة يصبحون مثقفي السلطة وبالتالي يكونون صيداً سهلاً؟

نورس أبو صالح: يعني هنا الفن مقسوم قسمين أصلاً في هذا الاتجاه، هناك من يستخدم الفن أيضاً للاسترزاق ولطلب الرضا في كثير من المواقف حتى لو كانت لا تعبر عن المشاعر العامة أو عن التوجه السائد وهذا النوع أصلاً من الفن موجود سابقاً وهو أصلاً سبب التراكم الحاصل بالفن في عالمنا العربي لحد الآن، كان الفن طوال هذه الفترة غير معبر ولا يحمل الهم الذي تحدثنا عنه بس في الواقع الفن الجديد اللي هو الفن المستقل أو الفن الجاد أو ممكن يسمى الفن أيضاً اللي هو الحقيقي برأيي هو يعني دائماً سيتعرض للملاحقة أو لعدم الرضا ولكن هنا يعول عليه ما يستقبله الجمهور منه، الجمهور يحب هذا النوع من الفن وحتى كما تحدث زميلنا عن موضوع اللي هو الرسالات الرمزية التي يحملها الفنان ومدى قدرتها على مواجهة اللي هي الضغط المادي، كذلك إحنا في عنا اللي هي مشكلة المهرجانات أحيانا التي قد تخدم هذا التوجه، المهرجانات التي تدعي أنها ليست تجارية وأنها ثقافية ولكن هناك تابوهات وهناك بعض المواضيع التي يحرم الاقتراب منها أو ترسخ لدي الفنان أنه يحرم الاقتراب منها، وبالتالي كل هذا يؤثر في مسيرة الفنان ويصبح له خياره فإما أن يكون فناناً يعبر عن نبض الشعب وإما أن يبدأ بعمل الفن اللي هو الذي لا يعبر عن نفسه أحياناً قد لا يعبر عن ذاته ولكن هو فن يكون مجتراً أو مبتذلاً.

الحبيب الغريبي: نعم، سيد السعيداني إذا تحدثنا عن الظرفية الحالية هناك نغمة عادت لتقول بأن دور الفنان في كل هذه الأوضاع الملتبسة السياسية والأمنية وتوجيه رسالة طمأنة ومساعدة السياسي على التخفيف من هذا الاحتقان، وبالنهاية لعب دور أو التماهي مع الدور السياسي في نفس الوقت، هل ترى أن هذا دور الفنان مهما كانت الظروف ومهما كانت المراحل؟

منير السعيداني: لا يعني الفنان دوره لا يتغير يعني هو نفسه هو معبر عن وجهة نظر وبذلك فهو مشارك بما أسميته الجدل الاجتماعي العام، طبعاً له موقع متميز لأنه له قدرة على مس العديد من المتلقين في نفس الوقت فضلاً عن أن طبيعة الأعمال الفنية لها طرقها إلى العقول وإلى النفوس أسرع مما يمكن أن يكون للخطاب السياسي رغم مباشرته إلى آخره ولكن بصفة عامة الفن موقعه، نعم، نعم.

الحبيب الغريبي: ولكن في تاريخنا الحديث سيد السعيداني، يعني معلش في تاريخنا العربي الحديث كان هناك كلام من نوع ضرورة الوحدة الوطنية والاصطفاف الوطني ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة وبالتالي الفنان لا بد أيضاً أن يكون طرفاً في هذه العملية، ما تعليقك؟

منير السعيداني: لا هو يعني هذا لا يتناقض مع ما كنت أقوله لكن يعني علينا أن ننتبه أيضاً إلى أن هذا الشعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة له تأويلاته أيضاً، صدر هذا الشعار معبراً عن حقبة ما كانت فيها معركة حقيقية للأقطار العربية تجاه الاستعمار الخارجي وتجاه الأخطار الخارجية وخاصة تجاه الكيان الصهيوني وتجاه القضية التي طالما اعتبرت ولا تزال كذلك في أذهان الناس وفي أذهان المثقفين والفنانين على أساس أنها قضية العرب المركزية علينا أن لا نستخف بهذه المسائل لأنها ذات عمق تاريخي كبير ولها أيضا مساس بالمخيال الشعبي العام رغم ما يبدو من هدوء على هذه الجبهة الآن، ولكن انتقلنا بهذا الشعار إلى دواخل الأقطار والأحوال المتقلبة للسلطات السياسية في علاقاتها مع جماهيرها وخاصة بالنسبة إلى تونس الآن في هذا السياق المتقلب من التغير الاجتماعي الحاد والسريع والعنيف والمتشعب إلى آخره فإن المسألة تتحول إلى محاولة الإجابة على السؤال التالي، ما هي السياسة التي يجب إتباعها في توفير أكثر ما أمكن من الحرية في خوض الجدل الاجتماعي العام حول الأوضاع وحول مستقبل الأوضاع وحول رسم السياسات إلى آخره بهذا المعنى للفنان دورة بوصفه مشاركاً في هذا الجدل.

صراع دائم لضمان الحرية

الحبيب الغريبي: نعم سنواصل، سيد السعيدي معلش سنواصل النقاش ولكن بعد مشاهدة هذا التقرير الذي يسلط مزيداً من الضوء على الحادثة التي تحدثنا عنها في البداية والجدل المثار حول عدم اختيار فيلم صراع للمشاركة على هامش مهرجان أيام قرطاج السينمائية، نتابع.

]تقرير مسجل[

لطفي حاجي: لم يكن أي مخرج سينمائي في تونس يحلم بتصوير لقطات مماثلة عن التعذيب في عهد الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، الحلم أصبح واقعاً وتجرأ مخرج تونسي على إنجاز فيلم بعنوان صراع يجسد بطريقته الفنية فترة باتت توصف بأنها من أحلك الفترات السياسية في تاريخ تونس، الفيلم أراده صاحبه شهادةً للأجيال المقبلة التي ضد النسيان.

[شريط مسجل]

مخرج الفيلم: الفيلم هذا عملته لأني اعتبرت أنه مش ممكن يمر 23 سنة نظام استبدادي على تونس وما نسجل التاريخ هذا للتونسيين للمستقبل للأجيال القادمة حتى يعرفوا ماذا حصل في تونس من يوم 7 نوفمبر 1987 إلى 14 جانفي 2011".

لطفي حجي: الحلم الفني اصطدم بواقع جديد بعد نحو 4 سنوات من الثورة، واقع ظن الفنانون والمبدعون أنهم ودعوه إلى الأبد فقد منع الفيلم من العرض في دورة مهرجان قرطاج السينمائي دون تقديم أي تبرير لمخرجه. انتشر خوف من عودة الرقيب وساد توجس من سطوة الإقصاء الفكري على الفن، إقصاء بغلاف جديد لكنه قد يعوض دور الأمن السياسي يقول مبدعون.

[شريط مسجل]

فنان تونسي: إذا كانت في لجنة بتاع مهرجان وعندك توجهات معينة، التوجهات هديك الأيديولوجية تخليك إنك ترفض فيلم ومن الجمهور تجيك لجنة أخرى عندها توجهات مخالفة إجت ما تقبلش فيلم آخر معناته نقول يعاينوا في نفس الحكاية في حين كانت تتذكروه المشاكل الكبيرة والتعطيلات اللي صارت في الدستور هي على حكاية حرية التعبير وحرية الضمير والحكايات هذيك.

لطفي حجي: المختصون في عالم السينما يتساءلون عن معنى المنع في عهد اليوتيوب حيث المشاهدة الواسعة للصورة وعن دور الدولة القامعة التي تعتقد أنها قادرة على المنع بعد أن خرجت السينما من هيمنتها إنتاجاً وتوزيعاً.

[شريط مسجل]

فنان تونسي آخر: في السينما العربية أو في المجال العربي الدولة هي اللي تخدم السينما، والسينما هي من إنتاج من طرف القطاع العام، اليوم مع الثورات وأمور أخرى يعني مع الململمات اللي عندي كده موجودة الكاميرات ما كنتش موجودة من قبل فنيجي نصور فيلم وتبثه على اليوتيوب على المش عارف إيه ولآخره وتؤثر على الناس..

لطفي حجي: الثورات منحت حرية الإبداع لشعوب لم تكن تتذوق طعمها من قبل، غير أن بعض المؤشرات تحذر المبدعين من حين لآخر من مغبة ضياع حلمهم وتدفعهم نحو الاعتقاد بأن ليس هناك حرية دائمة وإنما هناك صراع دائم من أجل ضمان تلك الحرية في السياسة كما في الفن والإبداع عامة. لطفي حجي، الجزيرة تونس.

]نهاية التقرير[

الحبيب الغريبي: سيد السعيداني تحدثت عن بعض التنسيب في البداية فيما يخص هذه الحادثة لأن هناك ربما بعض الحلقات المفقودة، ولكن ماذا لو كانت الفكرة ثقيلة جميلة رائعة ولكن يعني المعالجة الفنية ضعيفة ربما وفجوة لا تستجيب للمعايير والشروط الصارمة لمثل هذه المهرجانات، هل هنا المنع أو دعني أقول رفض العرض له مبررات منطقية؟

منير السعيداني: في السياق الخاص بمهرجان يعني تساق مثل هذه الحجج ولكن علينا أن ننتبه أيضا إلى أن المجادلة حول هذه الحجج ومناقشة هذه الحجج تكاد لا تنتهي، سأعترض عليك دائماً بأنك سلطت عليّ رقابة سياسية أيديولوجية بدعاوى فنية وستحتج علي دائماً بأنني أريد أن أنشر فكراً ومتغاضياً عن الضرورات الفنية، لا ينتهي النقاش، طبعاً هناك حدود بطبيعة الحال ولكن ما يمكن أن نستنتجه في مثل هذه الوضعيات هو أن النقاش حول قيمة الفن له مستويات متعددة هناك قيمة الفن بوصفها قيمة فنية بذاتها وهناك قيمة الفن من حيث آثاره الاجتماعية والسياسية إلى آخره، ولكن هذه العملية، نعم، نعم.

الحبيب الغريبي: طيب، أنا آسف سيد السعيداني معلش بقيت لي فقط معلش أنا آسف الفكرة واضحة في عمومها بقيت لي 30 ثانية لضيفي السيد نورس، باختصار سيد نورس أنت كفنان كسينمائي هل تعتقد أن هذا الصراع سيبقى دائماً قائماً أو هذه المواجهة دعني أقول بين السياسي والفنان؟

نورس أبو صالح: طبعاً يجب أن تبقى قائمة لأنه يجب على الفنان أن لا يحابي سواء كان السياسي ينتمي له أو لا ينتمي يعني يعبر عنه أو لا يعبر، لأنه في النهاية الفن ليس فقط للمناكفة السياسية أيضاً وأيضاً للنقد أو للبناء ولطرح التساؤلات دائماً في الوعي العام.

الحبيب الغريبي: شكرا جزيلاً لك نورس أبو صلاح المخرج السينمائي من عمّان، أشكر السيد منير السعيداني الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع الثقافي من تونس. بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي ونرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقع فيسبوك وتويتر. نلتقي غداً بإذن الله في حلقة جديدة، إلى اللقاء.