حالة ترقب سبقت قرار المحكمة الدستورية العليا التي حكمت ببطلان الانتخابات البرلمانية الليبية، لكن بعد إعلان القرار بدأت حالة ترقب جديدة ومعها جدل قانوني ودستوري في أعقاب رفض البرلمان المنحل في طبرق الاعتراف بحكم المحكمة التي أبطلت انتخابه وكل القرارات الصادرة عنه.

وتزايد الجدل بعد موقف غامض من بعثة الأمم المتحدة في ليبيا التي قالت إنها تدرس عن كثب حكم المحكمة العليا رغم أنه قرار نهائي نافذ على الفور ولا يقبل الطعن.

حلقة الجمعة (7/11/2014) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على حيثيات حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان الانتخابات التشريعية، وقارنت بين القضاء الدستوري في عالمنا العربي والعالم الغربي.

الخبير في القانون الدستوري فوزي أوصديق أوضح أن المحاكم الدستورية تمثل أعلى سلطة دستورية، وأحكامها ذات قرينة وحجة مطلقة، وتكون نافذة وغير قابلة للطعن أو الاستئناف. وعلق على الحكم الصادر في ليبيا بقوله "جرى العرف أن السياسي ينقذ القانوني، لكن في الحالة الليبية فإن القانوني أنقذ السياسي"، واصفا الحجج القانونية التي استند إليها الحكم بأنها "لا غبار عليها".

وبشأن التعاطي الدولي مع الحكم الصادر عن المحكمة العليا في ليبيا، قال أوصديق إن "لغة المصالح تحكم أكثر من منطق القانون، والقوى الدولية تحرّم أشياء على غيرها رغم أنهم يحللونها لأنفسهم".

وردا على التشكيك في الحكم استنادا إلى كونه صادرا عن محكمة منعقدة في طرابلس التي لا تعترف بمجلس النواب في طبرق، قال الخبير في القانون الدستوري إن "الدستور ينص على أن المحكمة العليا لا تنعقد إلا في عاصمة الدولة"، مشيرا إلى أن الحكم صادر عن محكمة منصوص عليها في الدستور الذي يعترف به نواب طبرق وأعضاء المؤتمر الوطني العام في طرابلس.

المقارنة بالغرب
وعلى صعيد الفروقات بين الهيئات الدستورية عربيا وغربيا، أشار أوصديق إلى أن "النظام الدستوري في الغرب أرسى ثقافة دستورية حقيقية تقبل الآخر، وليست ثقافة تفصيل كما في العالم العربي".

كما أشار إلى أن القضاء العربي مستقل نظريا لكنه في الواقع غير مستقل، ودلل على ذلك بالواقع القضائي في مصر حيث أثبتت الممارسة أنه قضاء مسيّس والأحكام الصادرة عنه خالفت مواد الدستور، حسب قوله.

وأوضح أوصديق أن الدساتير العربية لا تبني دولة قانون ومؤسسات، وإنما تؤسس دكتاتوريات وعمليات إقصاء وتهميش للآخر، وهذا يؤدي إلى اندلاع ثورات.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: حيثيات حكم بطلان برلمان طبرق وواقع القضاء الدستوري

مقدم الحلقة: الحبيب الغريبي

ضيف الحلقة: فوزي أوصديق/خبير في القانون الدستوري

تاريخ الحلقة: 7/11/2014

المحاور:

-   نظرة سياسية وأخري قانونية

-   التعاطي الدولي محكوم بالمصالح

-   جدل سياسي وقانوني ودستوري في الحالة الليبية

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم في هذه الحلقة من "الواقع العربي" التي نُسلّط فيها الضوء على التداعيات القانونية والدستورية لرفض البرلمان الليبي المنحل في طبرق قرار المحكمة العُليا ببطلان الانتخابات التشريعية والمقارنة بين فكرة القضاء الدستوري في عالمنا العربي والغربي.

حالة ترقّب سبقت قرار المحكمة الدستورية الليبية الذي حكم ببُطلان الانتخابات البرلمانية الليبية لكن بعد إعلان القرار بدأت حالة ترقبٍ جديدة ومعه جدلٌ قانوني ودستوري في أعقاب رفض البرلمان الليبي المُنحل في طبرق الاعتراف بحكم المحكمة التي أبطلت انتخابه وكل القرارات الصادرة عنه، الجدل تزايد بعد موقفٍ غامض من بعثة الأمم المتحدة في ليبيا التي قالت إنها تدرس عن كثب حُكم المحكمة العُليا وهو قرارٌ نهائي نافذ على الفور ولا يقبل الطعن، الحالة الليبية تفتح الجدل حول فكرة القضاء الدستوري في عالمنا العربي والغربي نفتح النقاش بعد هذا التقرير.

[تقرير مسجل]

ناصر آيت الطاهر: حيثما وجدت فهي أعلى سُلطة قضائية، ويُقال إنه لا إرساء لدولة حُكم القانون إلا بها، إنها المحكمة الدستورية وقد تسمّى أحياناً المحكمة العُليا، تُحَدد طريقة اختيار قُضاة المحكمة وصلاحياتها ضمن دستور كل دولة، لكن المحكمة بشكلٍ عام هي صاحبة القول الفصل في توافق أي قرارٍ أو مرسومٍ أو قانونٍ أو حُكم قضائي أو معاهدة مع الدستور، أمّا أحكامها فقطعية وغير قابلةٍ للطعن، يُمكن أن تُحرّك المحكمة الدستورية نفسها دعوى إذا شكت في دستورية قانونٍ أو تشريعٍ أو حُكمٍ قضائي وقد يُقدم الطعن من جهةٍ رسميةٍ أو أشخاصٍ متضررين تبعاً لدساتير الدول وقوانينها أمّا مهام المحاكم الدستورية فقد تُمارس إمّا برقابةٍ سابقةٍ كما في فرنسا وجزئياً الجزائر ولبنان والبحرين، وإما برقابةٍ لاحقةٍ على نوعين، رقابة إلغاءٍ كاملٍ للنص التشريعي المُخالف للدستور أو رقابة امتناعٍ عن تطبيق نصٍ تشريعي مخالف للدستور، وثمة دولٌ فيها محكمة دستورية منفصلة وأخرى فيها محاكم عُليا من اختصاصها فحص دستورية التشريعات، المحكمة العُليا في الولايات المتحدة هي أقدم محكمةٍ دستوريةٍ في العالم، نتحدث هنا عن محكمة استئناف في المقام الأول لكنها لا تملك الاختصاص الأصلي إلا في حالاتٍ معدودة، أمّا الدول العربية فبعضها يسند مهمة الرقابة إلى هيئاتٍ قضائيةٍ أي المحاكم في حين أن بعضها يُطلق على هذه الهيئات اسم مجالس دستورية كما هو الحال في لبنان وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا ويبدو أن في ذلك مجاراةً للمجلس الدستوري الفرنسي لكن على عكس المحاكم العُليا الأخرى كالأميركية مثلاً فإن المجلس الدستوري الفرنسي ليس في أعلى التسلسل الهرمي للمحاكم القضائية أو الإدارية، أمّا القاسم المشترك في نطاق الاختصاص لدى قوانين تلك الدول جميعاً هو الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة وحق تفسير نصوص الدستور وما عدا ذلك من اختصاص فكل دولةٍ أضافت ما يُناسبها في تشريعاتها، الكويت أضافت إلى اختصاص محكمتها الدستورية الطعون الانتخابية لأعضاء مجلس الأمة، وأضاف لبنان إلى اختصاص مجلسه الدستوري الطعون الخاصة بالطوائف المعترف بها فيما يتعلق بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد والتعليم الديني، أمّا في الجزائر فمن مهام المجلس الدستوري السهر على صحة عمليات الاستفتاء وانتخاب رئيس الجمهورية والانتخابات التشريعية كما يفصل في دستورية المعاهدات، ثم هناك مصر التي وسّعت محكمتها الدستورية العليا الحقوق والحريات في الدستور إلى مبادئ لم ينص عليها.

[نهاية التقرير]

الحبيب الغريبي: ينضم إلينا في الأستوديو فوزي أوصديق الخبير في القانون الدستوري، مرحبا بك أستاذ فوزي.

فوزي أوصديق: مرحباً بك.

الحبيب الغريبي: نود أن نبني في البداية على أرضية قانونية خالصة ومن هنا السؤال الذي قد يبدو إنكارياً، ما مدى صوابية القول بعلوية الأحكام القانونية خاصةً تلك الصادرة عن المحاكم الدستورية العُليا أم أن المسألة خاضعة للتنسيب وربما للاستفهام.

فوزي أوصديق: نظرياً ووفق ما هو معمول به عادةً المحاكم الدستورية أو المجالس الدستورية حسب تبني أي نظام سياسي هو قاضٍ للانتخابات وهو أعلى سُلطة دستورية وأحكامه بلغة القانون ذات قرينة وحجية مطلقة وبالتالي تكون نافذة وغير قابلة للطعن أو الاستئناف فالمجالس الدستورية هي التي تحكم أو الحَكم بين مختلف مؤسسات الدولة سواء القضائية أو التنفيذية أو الجنائية في حالة الاختلال أو الاختلاف في مسألة من المسائل الدستورية أو القانونية، هذا باختصار مفيد والأنظمة السياسية كما تفضلتم في تقريركم إما تأخذ، تتبنى نظاما قضائيا خالصا كمحكمة عُليا دستورية وهو ما هو معمول به في الولايات المتحدة الأميركية أو ذات طابع سياسي كما هو معمول فيه في فرنسا عبارة عن مجالس دستورية والطابع السياسي هنا يتم إسقاطه لطبيعة الأفراد المكونين لهذه المجالس من سُلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وسلطة قضائية.

الحبيب الغريبي: تطبيقاً لهذا المبدأ القانوني كيف تقيّم ردود الفعل أو أسلوب التعاطي مع حكم المحكمة العُليا الليبية الصادر مؤخراً والقاضي ببطلان مجلس النواب المنعقد في طبرق يعني هل يُمكن في الحالة الليبية التي هي استثنائية بكل المقاييس أن يؤخذ في الحسبان أو تؤخذ في الحسبان بعض الاعتبارات السياسية.

فوزي أوصديق: جرى العرف أو العادة أن السياسي يُنقذ القانوني في العديد من الحالات أما في الحالة الليبية حسب قناعتي الشخصية فإن القانوني أنقذ السياسي أي أن حُكم المحكمة الدستورية لا غُبار فيه لو رجعنا للحيثيات التي استند إليها ولعل أهم الحيثيات التي استند عليها بحكم الصلاحيات المخولة إليه كقاضي للانتخابات يفصل بشرعية أو عدم شرعية أي استفتاء انتخابي أن الانتخابات السابقة التي تمخض عنها البرلمان الحالي استند إلى قانون، قانون فبراير وهذا القانون كان ملغيا وكل شيء كقاعدة بسيطة مبني على باطل فهو باطل وبالتالي الحجج القانونية والحيثيات التي استند إليها لا غُبار عليها وكذلك الحكم الصادر يعني المفروض قرينة قانونية لا تُثبت لا تخضع للنقض أو الاستئناف.

نظرة سياسية وأخري قانونية

الحبيب الغريبي: لكن ما خطورة استدعاء طرف ما لتبريرات أو حُجج سياسية وأمنية لتبرير رفض الحُكم.

فوزي أوصديق: هذه يعني لعل القراءة القانونية قد تختلف عن القراءة السياسية أو النظرة القانونية قد تختلف عن النظرة السياسية ولهذا إن أردنا أن نبني دولة المؤسسات، دولة قانون فإن الكل يجب أن يحتكم للقضاء سواء كان ضد أو مع ذلك الحُكم فهذه التبريرات لا تؤسس إلى دولة المؤسسات بقدر ما تؤدي إلى تأخر لهذه الدولة وحسب نظري هذه التبريرات قد تُعمّق الأزمة أكثر مما تُجفف منابع الأزمة.

التعاطي الدولي محكوم بالمصالح

الحبيب الغريبي: كيف تحكم على التعاطي الدولي والغربي عموماً مع نص هذا الحُكم الصادر عن المحكمة العُليا الذي هناك تردد، هناك عدم وضوح والحُكم تقول هيئات دولية إنه يُدرس وسننظر فيه؟

فوزي أوصديق: أرجع إلى الوراء لعل أهم المشككين بهذا الحكم يقولون أن الحُكم صدر في مدينة طرابلُس وطرابلُس تحت جماعة مناوئة لجماعة طُبرق ولكن لو رجعنا إلى القانون الأساسي لهذه المحكمة فإن هذه المحكمة لا يجوز إلا أن تجتمع إلا في عاصمة الدولة وبالتالي هذا المبرر إن أسقطناه على المعايير القانونية فلا وجود له، أمّا التعاطي الدولي للأسف الشديد أحياناً لغة المصالح اللغة الجيوستراتيجية هي التي تحكم أكثر من منطق القانون وحكم القانون ولهذا إن صنفنا مواقف الدول فنجد أن نقولها بمرارة أحياناً قد يحرَمون أشياء على الآخرين ويحللون على أنفسهم، المواقف كانت محتشمة مترددة ولا ترتقي لطموح الليبيين لبناء دولة قانون ومؤسسات.

الحبيب الغريبي: بالنظر إلى الوضع السائد الآن الأمني والسياسي في ليبيا وحالة الانقسامات العمودية الموجودة في البلد هُناك من يقول إن التوقيت غير مُناسب لصدور مثل هذا الحُكم، هل في القانون في روح القانون هناك توقيت مُناسب وغير مُناسب؟

فوزي أوصديق: لا يوجد توقيت مُناسب وغير مُناسب ولكن هذا التوقيت على ما أظن لم يأتِ اعتباطياً ولكن جاء بعد إتباع إجراءات معينة وعادةً هذه الإجراءات في أي قضية قانونية قد تطول أوقد تقتصر وبالتالي الاحتجاج بالوقت أو الاحتجاج بمكان صدور الحُكم أي احتجاجات لا يأخذ بها القانون ولا تؤخذ في عين الاعتبار لأن للأسف الشديد بهذه الحُجج بطريقة أو بأخرى نريد أن نُسيّس بعض الأحكام القضائية ونوظفها أو نستغلها لصالحنا أو لصالح مجموعة ما معيّنة وهذا يعني لا يبني دولة قانون دولة مؤسسات وكذلك لا يُرسي هذه المعالم لأي دولة مستقبلية.

الحبيب الغريبي: لا أدري إن كانت سابقة ولكن نُلاحظ أن الكثير من الأحكام الكُبرى الصادرة خاصةً عن المحاكم الدستورية العُليا، الأحكام القطعية البت نهائياً يقع احترامها مهما كانت التجاذبات السياسية الحاصلة، هنا سؤالي عن جوهر الفروقات بين المحاكم الدستورية أو الهيئات الدستورية الغربية والهيئات الدستورية والمحاكم الدستورية في البلدان العربية خاصةً من حيث المغزى والهدف والآلية أيضاً.

فوزي أوصديق: لعل السؤال له العديد من الإجابات وكذلك العديد من التحليلات في هذا السياق، أول شيء لا يُمكن أن نبني دولة بمادة دستورية أو بحُكم قضائي ولكن يجب أن نُرسي ثقافة دستورية، يجب أن نُرسي يعني تقبّل الآخر للابتعاد عن كل مؤشرات الإقصاء أو والتهميش ونجد أن الغرب أو النظام الدستوري في الغرب قد توصّل إلى هذه المحاضن حتى استطاع أن يبني أنظمة دستورية ودساتير ليس دساتير أزمة كما هي موجودة في العالم العربي ونقولها بمرارة جاءت لتُعالج أزمة معينة أو تم طرزتها وحسب المقاس ولكن جاءت لتستوعب جميع الأطياف داخل الدولة أضف إلى ذلك الثقافة القانونية والدستورية السائدة، أمّا في الحالة الليبية لا ننسى أن ليبيا لسنين كانت فاقدة لمجتمع مدني كانت فاقدة لمؤسسات، المؤسسة الوحيدة هو الزعيم أو رئيس الدولة وبالتالي فاقد الشيء لا يُعطيه.

جدل سياسي وقانوني ودستوري في الحالة الليبية

الحبيب الغريبي: الحالة الليبية، الحالة الليبية أفرزت جدلاً سياسياً وقانونياً ودستوريا بعد أن أصدرت المحكمة الليبية العُليا حُكما ببطلان الانتخابات التشريعية وعلى الرغم أن الحُكم نهائي ولا طعن فيه كما كان يقول ضيفنا فإن البرلمان الليبي المُنحل في طبرق رفض القرار وأصر على استمراره في عمله.

[تقرير مسجل]

أحمد الشلفي: هيئةٌ قضائيةٌ دستوريةٌ ليبية هي التي أصدرت الحُكم بعدم دستورية انعقاد جلسات البرلمان الليبي المنحل في طبرق بشرقي البلاد بعد ترقُّب الشارع الليبي لانتظار الفصل في هذه القضية التي أرجأ البت فيها أكثر من مرة، المحكمة العُليا حكمت ببطلان التعديلات الدستورية التي نتجت عنها الانتخابات التي أفرزت البرلمان والإجراءات التي أقرها وتبعها انقسام السُلطة بين حكومتين وبرلمانين أحدهما في طبرق والثاني في طرابلُس، الحُكم الذي رفضه برلمان طُبرق المنحل سيثير أسئلةً كثيرةً وجدلاً كبيراً مما يُعيد الخلاف حول مهام مؤسستي المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته المنعقد في طرابلُس والبرلمان الذي يجتمع نوابٌ منه في مدينة طُبرق، والحديث حول ما سيثيره هذا القرار يجر إلى حديثٍ آخر حول ارتباطه بتطورات المشهد السياسي والمواجهات العسكرية على الأرض إذ يتحدث نواب طُبرق الرافضين للقرار عن أجندةٍ سياسيةٍ تقف خلفه قائلين إنهم سيقفون ضده حتى لو أدى ذلك إلى تقسيم البلاد ودخولها في الفوضى، الآراء المتباينة بين مؤيدي القرار ورافضيه تقود إلى الحديث حول احترام المؤسسة الدستورية والقضائية في بُلدان ما بعد الربيع العربي وخاصةً ليبيا فقد تمثلت مطالب هذه الثورات في تأكيد دولة القانون والمؤسسات واحترام استقلال القضاء ونزاهته، وباستعراض الحالة الليبية القريبة بعد قرار المحكمة العُليا بعدم دستورية برلمان طُبرق وارتفاع أصوات الرافضين له بحججٍ كثيرة بينها أنه حُكمٌ سياسي، يُطل مشهدٌ عربي آخر، فالمحكمة الدستورية المصرية التي لم تنتجها ثورة يناير وعيّن قُضاتها الرئيس السابق حُسني مبارك ظلت تعمل بنفس الطريقة التي تُفكّر بها الدولة العميقة في مصر وقامت بتعطيل وإلغاء جميع المؤسسات الدستورية بدءا من إلغاء البرلمان والإعلان الدستوري في عهد الرئيس المعزول مُرسي ثم بتنصيب رئيسٍ جديد انقلب على الرئيس المنتخب، ورغم أن خلفيات قراراتها كانت سياسيةً بامتياز ورفض الكثيرين لها إلا أن كثيرين دأبوا للنظر لهذه القرارات باعتبارها قراراتٍ مقدسة فالقضاء المصري كما يعتقدون لا يُخطئ وقراراته نافذة حتى ولو كانت حيثياتها باطلة وتحمل مضامين سياسية، مصر ليست بعيدةً عن ليبيا فالدولتان بانتمائهما إلى ثورات الربيع وقربهما حدودياً من بعضهما وتداخل أحداثهما تجعلان من الطبيعي فتح مقارنةٍ بين النظر المتباين إلى القضاء ومؤسساته والقرارات الصادرة عنه في مرحلة ما بعد الثورات في البلدين إذ كيف يُمكن أن تكون القرارات الدستورية الليبية الناتجة عن مؤسسة الثورة مرفوضةً بحجة تسييسها بينما يُنظر إلى الدستورية المصرية الناتجة عن مؤسسات الدولة العميقة باعتبارها قراراتٍ لا تعرف الخطأ.

[نهاية التقرير]

الحبيب الغريبي: سيد فوزي يعني حتى نفهم أكثر طبيعة الفوارق في التعاطي مع الحُكم، حُكم المحكمة الدستورية العُليا في مصر وفي ليبيا هنا يُحترم وهنا لا يُحترم لماذا، ما تفسيرك لذلك؟

فوزي أوصديق: هنا يُحترم وهنا لا يُحترم لعل كذلك يعني لعل النصوص ممكن تكون نفسها ولكن قضية التكييف والتفسير لهذا النص هو الاختلال أو الاختلاف، هذا من جهة ومن جهة ثانية لا ننسى أن التجربة المصرية يعني تجربة عريقة في مجال القضاء الدستوري بينما التجربة الليبية هي تجربة ناشئة ولعل هذه التجربة الناشئة للقضاء الدستوري الليبي جعل أن يُصدر بعض الأحكام، أحكام أعتبرها جريئة وذات مصداقية وكذلك تقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت بوضوح القانون وما يقتضيه الدستور وليس مصلحة فُلان أو علان أمّا في مصر للأسف الشديد نقولها يعني القضاء مؤخراً رغم استقلاله نظرياً وفي النصوص إلا أن الممارسة أثبتت أنه مُسيّس وهذا نظراً للأحكام أحياناً التي لا تُخالف الأفراد بقدر ما تُخالف فحوى وروح الدستور المصري وهي عديدة وعديدة جداً في هذا الشأن.

الحبيب الغريبي: ولكن سيّد فوزي في المطلق هذه الأحكام ينطق بها قُضاة وهنا السؤال هل وصل القاضي العربي إلى درجة متقدمة جداً من الاستقلالية حتى لا تدخل الاعتبارات السياسية في تكييف أحكامه القضائية؟

فوزي أوصديق: القضاء لا يُبنى استقلاله بنص قانوني ولكن يُبنى استقلاله بمنظومة متكاملة بدءا من مساره الوظيفي وانتهاءً في البيئة التي يعمل فيها ونلاحظ أن القضاء العربي للأسف الشديد هو مستقل نظرياً في مواد الدستور ولكن واقعياً وفي مجمله غير مستقل، كيف تفسّر يعني في العديد من النصوص الدستورية قد تنص على ضمانات قانونية قد ينشرح لها الصدر ولكن بجرة قلم قد يُحيل إلى قانون سيصدر لاحقاً ولما يصدر ذلك القانون اللاحق قد يُضعف تلك الضمانات إن لم يقل يجعل تلك الضمانات لا وجود لها في أرض الواقع، فهذا الواقع المر للقضاء سواء من حيث بيئة تعامل القاضي سواء من حيث أحياناً التأثيرات السياسية على هذا القاضي، سواء توجيهات الرأي العام لهذا القاضي من تخويف أو تخوين وكل هذه البيئة تجعل هذا القضاء مكبل وأن أحكامه أحياناً أحكام نقول أنها تُجافي منطق القانون وتجافي روح الدستور وتجافي الذوق العام والنظام العام السائد داخل مجتمع أو دولة معينة.

الحبيب الغريبي: هناك من يقول إن الوضع صعب في ليبيا لا يُمكن الحُكم عليه من خلال الأُطر القانونية نحن أما أمر واقع، هل الأمر الواقع يُمكن أن تكون له علوية على القانون وعلى القضاء؟

فوزي أوصديق: قطعاً الأمر الواقع يبقى واقعي والأمر القانوني قانوني وما دام أن كل الأطراف يعني فرضت على نفسها الاحتكام إلى القضاء فيجب أن نتقبّل هذه الأحكام سواء كانت معنا أو ضدنا.

الحبيب الغريبي: ولكن الأحكام إذا لم يُلتزم بها أو لم تُطبّق تصبح لا معنى لها.

فوزي أوصديق: للأسف الشديد نجد أن ليس فقط الأحكام ولكن العديد من الدساتير هي مُجرّد واسمح لي العبارة التي سأقولها عبارة عن مُجرّد ورق أو مُجرّد منشفة لتبييض تصرفات ما معينة ثم تترك جانباً وهكذا وبالتالي لا تؤسس إلى دولة، لا تؤسس إلى منطق قانوني، لا تؤسس إلى مؤسسات بقدر ما تؤسس إلى زعامات وإلى دكتاتوريات وإلى يعني إقصاء الآخر أو وتهميش الآخر وكل هذه البوادر لاحقاً ستؤدي إلى أزمات وثورات ونعود دائماً إلى نقطة الصفر وإلى البداية فلهذا نجد أن اغلب الدساتير الغربية تنص وتتكفل بجعل السُلطة القضائية سُلطة مستقلة فعلياً ولما أقول فعلياً يعني سواء من الناحية الإدارية ومن الناحية المدنية أو معها في مواجهة باقي المؤسسات الأخرى سواء التنفيذية منها أو التشريعية وأمّا المحاكم الدستورية أو المجالس الدستورية فهي التي تجعل التوازنات الكبرى داخل هذه المؤسسات ثابتة.

الحبيب الغريبي: في الحالة الليبية ما مصير هذا الحُكم الآن هل سيبقى معلّقا أو ما هي الوسائل والآليات التي تؤدي إلى تطبيقه والاحتكام إليه؟

فوزي أوصديق: لعل البوادر الأولى حسب قراءتي الأولوية لمختلف التحليلات نجد حتى أن بعض النواب من طُبرق أو التي تُسمّى مجموعة العشرة نواب نجد أنهم يعملون جاهداً على محاولة توحيد وتقارب هذه وجهات النظر ونجد أن هذا الحُكم أحببنا أم كرهنا صادر من مؤسسة دستورية ومن دستور معترف به سواء من جماعة طرابلُس أو من جماعة طبرق وبالتالي الالتفاف عليه أو عدم الرجوع إليه وهو عدم تطبيقه لهذا الدستور الذي يؤمن به كل الفصائل أو الجماعات المتناحرة داخل ليبيا.

الحبيب الغريبي: شكراً جزيلاً لك فوزي أوصديق الخبير في القانون الدستوري، إذن نصل إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج" الواقع العربي" نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي Facebook و Twitter نلتقي غداً بإذن الله في حلقة جديدة دمتم بخير.