يعود ملف أزمة مياه نهر النيل إلى واجهة الأحداث بين حين وآخر.. يختفي أحيانا ثم لا يلبث أن يفرض نفسه على شريط الأخبار عبر لقاء لدول حوض النيل أو تصريح على لسان أحد مسؤولي دول الحوض.

التصريح الأحدث جاء على لسان وزير خارجية إثيوبيا طادروس أدحانوم الذي قال إن بلاده لا يمكن أن تلتزم باتفاقيات تقسيم مياه نهر النيل التي لم تكن طرفا فيها.

اللافت أن التصريح جاء في القاهرة بينما يقف وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى جوار نظيره الإثيوبي.

video

حلقة الخميس (6/11/2014) من برنامج "الواقع العربي" ناقشت تطورات ملف مياه نهر النيل في ضوء هذه التصريحات الإثيوبية التي تشدد على رفض أديس أبابا الالتزام باتفاقيات سابقة على خلفية الأزمة التي خلفها بناؤها سد النهضة.

موقف مصر
رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل في مركز الأهرام هاني رسلان أكد أن مصر حتى الآن تتمسك بحصتها المائية في نهر النيل، وترفض إلحاق الضرر بها، لكنها في الوقت نفسه لا تمانع في التعاون والمساعدة على تنمية الدول الأفريقية، لكن مع مراعاة مبدأ عدم الضرر.

وأضاف أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أعاد الأزمة إلى مسار المفاوضات، ويعمل على تقوية العلاقات الثنائية مع أديس أبابا لمحو اللهجة التي تتحدث بها إثيوبيا نتيجة التوتر الذي كان واقعا أثناء حكم الرئيس المعزول محمد مرسي.

ويرى رسلان أنه لا تزال هناك فرصة لتحركات مصرية، وهو أمر متروك للقيادة السياسية في البلاد التي تتوافر لديها المعطيات كاملة، "وليس كل ما يعرف يقال".

وأضاف أن موقف مصر ثابت ولديها أوراق سيتم الإفصاح عنها في الوقت المناسب، قد يكون أحدها عدم شراء كهرباء من إثيوبيا باعتبار القاهرة المشتري الأبرز المتوقع لكهرباء هذا السد.

video

إستراتيجية السيادة
من جهته، يرى المستشار السابق للحكومة السودانية لشؤون النيل الدكتور أحمد المفتي أن التصريحات الإثيوبية الأخيرة هي مجرد تكرار لمواقف إثيوبية سابقة، وهي لا تزال ماضية في بناء السد، وتأخذ مصر والسودان إلى مسار متعلق بالدراسات، وتطبق نظرية الهيمنة المطلقة على الموارد وكأن نهر النيل نهر داخلي في إثيوبيا، وتتجاهل كل المعايير الدولية.

وأوضح أن هذه التصريحات يجب أن تفهم في إطار الإستراتيجية المائية الإثيوبية، والموقف السوداني هو الموقف المصري نفسه، مبني على الالتزام بمعايير القانون الدولي والتعاون مع الدول، في حين تقوم إستراتيجية إثيوبيا على السيادة المطلقة.

ولفت المفتي إلى أن تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي تأتي تذكيرا بموقف بلاده الذي عبرت عنه في كل المحافل الدولية والإقليمية، لذلك على الوفدين المصري والسوداني في المفاوضات أن يعيدا النظر في جدوى اللجان الفنية في ضوء رفض إثيوبيا الاعتراف بأي نتائج.

وأضاف "كان يجب أن يتخذ موقف في مايو/أيار 2011 من خلال الاعتراض على بدء بناء السد، ولكن الدخول في هذا المسار بهذا الشكل المتأخر لا يصب في مصلحة مصر والسودان".

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: سد إثيوبيا وأزمة مياه النيل.. إلى أين؟

مقدم الحلقة: حسن جمّول

ضيفا الحلقة:

-   أحمد المفتي/مستشار سابق للحكومة السودانية بشأن النيل

-   هاني رسلان/رئيس وحدة دراسات حوض النيل في مركز الأهرام

تاريخ الحلقة: 6/11/2014

المحاور:

-   موقف سوداني مطالب بالتغيير

-   موقف أثيوبي متشدد

-   خيارات مصرية محدودة

حسن جمّول: أهلاً بكم مشاهدينا في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نُسلّط خلالها الضوء على تطورات ملف مياه نهر النيل في ضوء تصريحاتٍ إثيوبية تُشدّد على رفض أديس أبابا الالتزام باتفاقياتٍ سابقة.

أزمة مياه نهر النيل ملفٌ قديمٌ جديد يختفي أحياناً ثم لا يلبث أن يفرض نفسه على شريط الأخبار عبر لقاءٍ لدول حوض النيل أو تصريحٍ على لسان أحد مسؤولي دول الحوض، التصريح الأحدث جاء على لسان وزير خارجية إثيوبيا تادروس أدحانوم الذي قال أنّ بلاده لا يمكن أن تلتزم باتفاقية تقسيم مياه نهر النيل التي لم تكن طرفاً فيها، التصريح جاء في القاهرة بينما يقف وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى جوار نظيره الإثيوبي، نناقش مع ضيوفنا المرحلة التي وصلت إليها أزمة مياه النيل ولكن بعد الاطلاع على هذا التقرير.

[تقرير مسجل]

فتحي إسماعيل: على مسافة 6650 كم يمتد نهر النيل كواحدٍ من أطول الأنهار في العالم مانحاً الحياة لسكان 9 بلدان تُطلُّ على ضفتيه وتُسمّى دول حوض النيل، وهي دول المنبع إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبورندي وكينيا والكونغو الديمقراطية ودولة المصبّ السودان التي يلتقي في عاصمتها الخرطوم النيلان الأزرق والأبيض ثم مصر ثاني دولتي المصبّ، تعتمد مصر بصورةٍ أساسية على مياه النيل حيث تفوق نسبة اعتمادها عليه 90% وتُعدُّ إثيوبيا المورد الرئيسي للمياه الوافدة إلى القاهرة إذ يأتيها 85% من حصّتها المائية في حين تأتي الحصّة الباقية من منطقة البحيرات العُظمى، في السنوات الأخيرة ازدادت حاجة مصر للماء بسبب الانفجار السكاني وتزامن ذلك مع صعابٍ واجهتها القاهرة تمثّلت أساساً في محاولات دول المنبع ولاسيّما إثيوبيا مراجعة اتفاقيات اقتسام مياه النيل وكانت ذروة تلك المحاولات اتفاق عنتيبي الذي رفضت مصر التوقيع عليه لأنه يُهدّد حصّتها التاريخية المقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب وهي كميةٌ تسعى القاهرة لزيادتها في ضوء تنامي حاجاتها للمياه أو على الأقل الإبقاء عليها وفق ما نصّت عليه اتفاقية عام 1929 التي نظّمت العلاقة المائية بين دول المنبع والمصبّ، وقد شدّدت تلك الاتفاقية على عدم مشروعية أي إجراءٍ على النيل وفروعه وروافده يُلحق ضرراً بمصالح مصر، بعد 30 عاماً من ذلك وُقّعَت اتفاقية القاهرة بين مصر والسودان وقد جاءت مكملةً لاتفاقية 1929 حيث شملت الضبط الكامل لمياه النيل الواصلة للبلدين في ظل المتغيرات الجديدة التي ظهرت على الساحة آنذاك وهو الرغبة في إنشاء السدّ العالي ومشروعات أعالي النيل لزيادة إيراد النهر وإقامة عددٍ من الخزانات في أسوان، ورغم دخول إسرائيل على خط تأليب دول المنبع على مصر بقصد محاربتها وطرح فكرة تدويل المياه والأنهار حتى تحصل هي على حصّةٍ من مياه النيل لم تتأثر حصّة القاهرة طوال تلك السنوات إلى أن أُثيرت الخلافات حولها أواخر فترة حكم مبارك واستمرت حتى الآن دون حل.

[نهاية التقرير]

حسن جمّول: ينضمُّ إلينا من الخرطوم المستشار السابق للحكومة السودانية لشؤون النيل الدكتور أحمد المفتي، وكذلك سيكون معنا من القاهرة رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل في مركز الأهرام هاني رسلان، وأبدأ معك سيد هاني برأيك إلى أين ينقل تصريح الوزير الإثيوبي أزمة مياه النيل مع دولتي المصبّ السودان ومصر؟

هاني رسلان: عفواً لم أسمع السؤال جيداً.

حسن جمّول: سألتك ما هو تأثير تصريح الوزير الإثيوبي على مجمل الأزمة القائمة حالياً بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة؟

هاني رسلان: لن يكون له تأثير كبير إذ أنه تكرار لمواقف أثيوبية سابقة، والأكثر أهمية من ذلك أنّ إثيوبيا ما زالت.. ألو..

حسن جمّول: نعم نسمعك نحن سيد هاني.

هاني رسلان: نعم، والأكثر أهمية من ذلك أنّ إثيوبيا ما زالت مستمرة في بناء السد وتأخذ مصر والسودان إلى مسار متعلّق بالدراسات لا قيمة له من الناحية العملية، وإثيوبيا تُطبّق نظرية الهيمنة المطلقة على الموارد وتتصرّف وكأنّ نهر النيل هو نهر داخلي في إثيوبيا وكأنه ليس هناك أعراف وقواعد في القانون الدولي، ولذا لا أقول المعايير سواءً إلحاق الضرر أو الإخطار المسبق أو غيرها، وبالتالي هذه التصريحات هي مجرّد تكرار للتصريحات السابقة.

حسن جمّول: لكن لم يكن موقف وزير الخارجية المصري على قدر هذه المخاطر التي تُشير إليها سيد هاني.

هاني رسلان: مصر أوضحت موقفها مراراً وتكراراً وهي حتى الآن لا تعترف بهذا السد ولا تُعلن موافقتها عليه وتؤكد تمسكها بحصّتها الحالية في مياه النيل، وربما وزير الخارجية المصري لم يُعقّب لأنّ هذا التصريح صدر في ختام اجتماعات اللجنة المشتركة وفي الحقيقة كان موقفا مفارقا للأجواء التي تقتضيها مثل هذه اللجان المشتركة التي تسعى لتطوير العلاقات وليس لاتخاذ مواقف متصلّبة.

موقف سوداني مطالب بالتغيير

حسن جمّول: دكتور أحمد المفتي الموقف السوداني من سد النهضة يبدو وكأنّه غير مُبالٍ كثيراً، لكن التصريحات التي سمعناها من الوزير الإثيوبي هل تدفع السودان إلى تغيير موقفها بشأن هذا السد؟

أحمد المفتي: فيما يتعلّق بتصريحات الوزير الإثيوبي هي ليست جديدة وينبغي أن تُفهم في إطار الإستراتيجية المائية الإثيوبية وهي إستراتيجية ثابتة وتُبنى على السيادة المطلقة لإثيوبيا، والموقف السوداني على الرغم من أنه يبدو مختلفاً عن الموقف المصري ولكن هو نفس الموقف المصري، الإستراتيجية السودانية تُبنى على القانون الدولي والتعاون والاستخدام الأمثل والتعاون مع الدول في حين أنّ الإستراتيجية الإثيوبية تُبنى على السيادة المطلقة، ولكن المُستغرَب حقيقةً أنه تستمر المفاوضات عبر اللجان الفنية على الرغم من هذا الموقف الإثيوبي وفي تقديري أنّ التصريح الإثيوبي هو تذكير بذلك الموقف، وذلك الموقف سبق أن عبّرت عنه إثيوبيا في كافة المحافل المائية الدولية والإقليمية وهذا تذكير، وفي رأيي هذه تكون نقطة للوفدين السوداني من ناحية والمصري من ناحية حتى ينظروا في موقفهم وما هو جدوى الاستمرار في هذا النظر الفني واللجان الفنية في حين إثيوبيا معروف أنها لا تعترف بكل ذلك وحتى مهما خرجت نتائج هذه اللجان وهذه الدراسات.

حسن جمّول: لكن إثيوبيا عندما تقول أنها كانت دولة ذات سيادة عندما وُقّعَت الاتفاقيات تحديداً اتفاق عام 1959 وبالتالي لم تُستَشر في هذا الاتفاق وهي غير ملزمة به علماً أنها دولة أساسية من دول الحوض والمنبع أيضاً، فبالتالي أليس من المنطقي أن لا تُلزم باتفاقيات لم تُستشَر بها؟

أحمد المفتي: يا أستاذ العبرة هي ليس باتفاق 1959 المحك ليس في اتفاق 1959 لأن اتفاق 1959 فعلاً هذا اتفاق ثنائي بين السودان ومصر ولكن العبرة باتفاق 1902 وهذا الاتفاق لم يُذكر في المقدمة وهو اتفاق بين حاكم إثيوبيا وحكومة السودان وبريطانيا آنذاك وقد التزمت فيه التزاما واضحا بعدم اعتراض مجرى النيل وروافده بأي صورة من الصور إلا بموافقة حكومة السودان، فالعبرة في اتفاقات 1902 والقانون الدولي الذي يمنع ذلك وليس اتفاقات 1959 اتفاقات 1959 هي بين السودان وبين مصر فقط، ولكن إثيوبيا لا تعترف بـ 1959 ولا تعترف بـ 1902 ولا تعترف بالقانون الدولي وهذا موقف واضح وثابت ودوّنته في المحاضر الدولية.

حسن جمّول: سيد رسلان إذا كانت إثيوبيا لا تعترف بكل هذه الاتفاقيات هل من إستراتيجية واضحة لدى الجانب المصري لمواجهة ما تعتبره مصر مخاطر أساسية من استمرار بناء سد النهضة الإثيوبي؟

هاني رسلان: حتى الآن مصر تُعلن تمسُّكها بحصّتها المائية الحالية وبضرورة احترام قواعد القانون الدولي وعدم إلحاق الضرر بمصر وأنها لا تُمانع في التعاون وفي المساعدة في التنمية في الدول الإفريقية قدر ما تستطيع لكن شريطة مراعاة مبدأ عدم إلحاق الضرر، في الوقت الحالي يبدو أنّ المسار المصري الذي بدأه الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعودة للمفاوضات ومحاولة تقوية العلاقات الثنائية الغرض منه هو محو الآثار السلبية التي تتحدث بها إثيوبيا منذ أن عُقِدَ هذا الاجتماع الفضائي في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي والذي أساء فيه إلى إثيوبيا وإلى السودان وإلى القارة الإفريقية وأساء قبل كل ذلك إلى مصر نفسها، الآن مصر تبذل جهدا كبيرا لمحو هذه الصورة السلبية وإثبات رغبتها في التعاون ولكن أتوقع أنّ هذا المسار لن يُسفر عن نتائج إيجابية وبالتالي سيكون لكل حادثٍ حديث، وخاصةً أنّ السد حتى الآن لم يبلغ النسب التي تتحدث عنها إثيوبيا كما أشار وزير الرّي المصري.

حسن جمّول: يعني مصر حالياً سيد رسلان همُّها تبييض صفحتها مع إثيوبيا في الوقت الذي تقوم به إثيوبيا ببناء سد النهضة الذي سيؤثّر على حصّة مصر المائية بشكل كبير مع ازدياد الحاجة المصرية للمياه، هل تكون المواجهة بتبييض صفحة مصر الآن؟ وهل هذا هو الوقت المناسب لتبييض صفحة مصر مع إثيوبيا؟

هاني رسلان: يا سيدي العزيز أنا ذكرت أنّ هذه خطوة في إستراتيجية أطوال وأنّه ما زال هناك وقت وأنّ السد حسب تقديرات وزير الرّي المصري وصل الرقم إلى نسبة 20%، والمسار الحالي سوف تستفيد منه مصر أيضاً في خطواتها اللاحقة لأنها تُؤكد باستمرار وبشكل متواتر عن عدم تغيير موقفها المبدئي برفض السد بسعته الحالية وبمواصفاته الحالية، فبالتالي هذه خطوة في إستراتيجية أطول سنرى ماذا تُسفر عنه في مارس القادم.

حسن جمّول: السد سينتهي بناؤه عام 2017 بمعنى أنه بعد حوالي سنتين من الآن سيكون قد اكتمل البناء، هل بعد ذلك سيكون بالإمكان متابعة الإستراتيجية المصرية؟

هاني رسلان: الخطوة الحالية مداها الزمني في مارس القادم يعني بعد عدّة أشهر وليس بعد سنتين، وبالتالي سيكون هناك وقت أيضاً لتحركات مصرية عقب هذه الخطوة وهذا أمر متروك للقيادة السياسية في البلاد التي تتوافر لديها المعطيات كاملةً وليس كل ما يُعرف يُقال بمعنى أنه لا يتم إعلان كل ذلك بشكل علني ولكن ما نقوله الآن هو مجرّد تحليل.

موقف أثيوبي متشدد

حسن جمّول: دكتور أحمد المفتي أبديت استغرابك لاستمرار بحث هذا الموضوع في إطار اللجان المشتركة، ما هي الخطوات التي تعتقد أنه من المفترض الآن القيام بها في ضوء الاستمرار ببناء السد والموقف الإثيوبي المتشدّد إزاء الاتفاقيات ورفض الاتفاقيات المُوقّعة؟

أحمد المفتي: أنا في تقديري الموقف السليم كان المفروض يُتّخذ في مايو 2011 عندما بدأ هذا المسار الفني، وبدأ هذا المسار الفني في اجتماع بين رئيس الوزراء المصري السيد عصام شرف وبين المرحوم ملي الزنّاوي وكان مفروضا حتى لا يفقد السودان وتفقد مصر حُجّتها القانونية كان المفروض الاعتراض على أنه إثيوبيا تبدأ بناء السد أو توقع العقود في أبريل 2011، ولكن الدخول في هذا المسار منذ مايو 2011 وحتى الآن في تقديري مع احترامي الكبير لوجهة نظر الأخ الأستاذ رسلان ولكن هذا التأخُّر من جانب السودان ومصر على الاعتراض على هذا الموقف الإثيوبي الذي يعتمد على عدم التعاون والسيادة المطلقة منذ مايو 2011 وحتى الآن في تقديري هذا كله لا يصُبّ في مصلحة السودان ولا يصُبّ في مصلحة مصر فيما يتعلّق بالاعتراض على حقوقهم المادية لأنّ إثيوبيا لا تعترف بمجمل الزيادات في أنصبة السودان ومصر حتى الأنصبة القديمة المنصوص عليها في 1959 إثيوبيا لا تعترف بها فأنا حقيقة أستغرب دولة لا تعترف حتى بأنصبتك الحالية ناهيك عن الزيادات التي يتطلبها مثلاً السودان كأنّه سلّة غذاء العالم العربي والعالم الإسلامي وكذا ويحتاج إلى المزيد من الماء، إذا كانت إثيوبيا لا تعترف بالحصص الحالية القليلة 18.5 فلا أدري المصلحة في الاستمرار في مناقشة هذا السد، حالياً المصلحة المعلنة من جانب إثيوبيا هي توليد الكهرباء، في تقديري السودان لا يعترض ومصر لا تعترض ولكن في ذات الوقت لا بُدَّ من حماية مصالحهم وحقوقهم المائية وذلك ما لم توافق عليه إثيوبيا ولن توافق حتى على مجرّد مناقشته، وبالتالي هذا هو مصدر استغرابي لماذا لم يحال الموضوع..

خيارات مصرية محدودة

حسن جمّول: ابقَ معي سيد أحمد المفتي، سنعود لمتابعة هذا النقاش، نُشير هنا مشاهدينا إلى أنّ تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي تتزامن مع جدل مستمر حول تعامل السلطات المصرية مع أزمة ملف تقاسم مياه نهر النيل خاصةً في ظلّ وضعٍ مأزومٍ في مصر اقتصادياً وسياسياً وأمنياً يجعل من خيارات القاهرة في التعامل مع هذا الملف محدودة.

[تقرير مسجل]

فاطمة التريكي: النهر العظيم الذي يدرس أهل مصر أنه سبب حياتها مهدّدٌ بالضمور، فعلى حدود البلد الذي يتغنّى بالنيل هناك مَن يضع خططاً تنمويةً إستراتيجية ويصنع مستقبلاً، إثيوبيا الدولة الإفريقية الصاعدة خرج الحلم الإثيوبي من الأدراج وهو يتجسّد الآن بنياناً ضخماً اسمه سد النهضة أو سد الألفية كُلفته تُقارب 5 مليارات دولار وسينتهي العمل فيه عام 2017 وهو يحوّل مجرى النيل الأزرق وستستخدمه إثيوبيا لتوليد الطاقة الكهربائية، الحلم سيكون كابوساً على مصر إذ يقول خبراء إنه سيؤثر بنسبة 20 إلى 25% على حصّة مصر المائية، لم تتوقف إثيوبيا عند هذا الحد فقد فجّر وزير خارجيتها مفاجأةً ثقيلة عندما قال إنّ بلاده لن تلتزم باتفاقيات تقسيم نهر النيل التي لم تكن طرفاً فيها في إشارةٍ إلى اتفاقيتين وقعتهما مصر عامي 1929 و1959 من القرن الماضي واحدة مع بريطانيا والثانية مع السودان، كلام الوزير الإثيوبي جاء في حضور وزير خارجية مصر في أديس أبابا فجاء الرد المصري مغرقاً في الدبلوماسية من قبيل الالتزام بإجراء حوارٍ ثنائي من أجل تعزيز التعاون حول السد، وقال سامح شكري إنه مؤمنٌ بأنّ إثيوبيا لا يمكن أن تُسبّب ضرراً بصالح مصر، لكن الأمل والمحبة والمشاعر قيمٌ لا تزن في ميزان السياسة ويكفي مرورٌ سريعٌ على المواقف في مصر لاكتشاف أنّ الإدارة المصرية الحالية لا تملك رؤيةً واضحة لمواجهة التحدّي الإثيوبي الذي لا يجد في وجهه غير ارتجالٍ عاطفي.

[شريط مسجل]

عبد الفتاح السيسي: ما في مشكلة ما في بيننا وبينهم عداء يعني، أنا شايف أنه نحن نقول في النقطة دي إيه نقول إذا تطلّب الأمر وأنا دلوقتي أكررها معك مش مرة، مرة ومرة ومرة..

فاطمة التريكي: موضوع سد النهضة كان أكبر القضايا التي هاجمت فيها وسائل الدعاية المصرية الرئيس المعزول محمد مرسي واتهمته بالتهاون مع إثيوبيا ومن ذلك الحملة الشهيرة التي شنتّها عليه عندما اجتماعه مع قوى وطنية لبحث أزمة السد، الآن لا شيء غير الصمت في انتظار فقرٍ مائي يُضاف إلى صنوف الفقر المستحكم وأخطرها فقر السياسة.

[نهاية التقرير]

حسن جمّول: وأعود إلى ضيفي من القاهرة رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل في مركز الأهرام هاني رسلان، سيد رسلان هل من أوراق قوة تملكها مصر حالياً في مواجهة إثيوبيا المستمرة في بناء سد النهضة؟

هاني رسلان: فقط أُريد أن أُعقّب على التقرير، هذا التقرير سياسي وليس تقريراً عن أزمة المياه في حوض نهر النيل وما ورد به من معلومات غير صحيح وما يقول بأنه مفاجأة ثقيلة هو ليس مفاجأة على الإطلاق، وهذا يجب أن يُنبّه كاتب التقرير لجمع معلومات دقيقة قبل أن يقوم..

حسن جمّول: سيد هاني هذا تقرير سياسي ونحن نتحدث عن الأوراق السياسية التي تملكها القاهرة وليس تقريراً تقنياً، سبق التقرير التقني في بداية الحلقة.

هاني رسلان: معلش يا سيد حسن معلش خليني أكمل، لأنّ التقرير هذا أخذ موضوع مياه النيل ليقصد من الناحية السياسية المساس بالنظام الحالي، هذه ليست قضية مياه النيل وما فعله مرسي معروف وما تفعله القاهرة الآن يتفق مع تقاليد الدولة المصرية ومع استراتيجيات..

حسن جمّول: سيد هاني حتى لا نُضيّع الوقت سألتك عما تفعله القاهرة اليوم الحكم الحالي في مصر وأوراق القوة التي يملكها هذا الحكم في مواجهة سد النهضة باختصار لو سمحت.

هاني رسلان: أنا شرحت قبل قليل وأُعيد عليك الشرح أنّ هذه خطوة في إستراتيجية أطول لمحو الآثار السلبية لما فعله محمد مرسي بالإساءة إلى مصر وإلى إثيوبيا وإلى السودان وإلى إفريقيا، ومصر ما زال موقفها ثابت وأوراقها سيتم الإفصاح عنها في الوقت المناسب وهي كثيرة وليست بضئيلة، ومن بينها الامتناع عن شراء الكهرباء من هذا السد لأنه لا يوجد مشترٍ لكهرباء سد النهضة سوى مصر والسودان ومصر هي الزبون الأكبر لهذا السد، وهناك مفاوضات كثيرة تدور في الكواليس حول الكثير من العناصر والتفاصيل.

حسن جمّول: شكراً لك هاني رسلان حدثتنا من القاهرة، وأختم مع الدكتور أحمد المفتي من الخرطوم، دكتور هل ستُصبح اتفاقية الإطار في عنتيبي أمراً واقعاً بالنسبة للقاهرة والخرطوم ولن يكون من بُد إلا المشاركة فيها أو التوقيع عليها؟

أحمد المفتي: هذا هو الموقف الإثيوبي، إثيوبيا تعتبر اتفاقية عنتيبي هي الإطار القانوني والمؤسسي لبناء السد ولذلك كانت أول دولة في حوض النيل تعرض هذه الاتفاقية وتُصدّق عليها من قِبَل البرلمان، أما بالنسبة للسودان وأعتقد كذلك بالنسبة لمصر الإطار القانوني والمؤسسي لهذا السد هو اتفاق عام 1902بين السودان وإثيوبيا والقانون الدولي خاصة في اتفاقية الأمم المتحدة لأنها أصبحت قانونا دوليا عرفيا، وهنالك تجربة فيما يتعلّق بالخيارات أنا في تقديري الخيار المطروح هو الموقف القانوني الدولي هو في صالح موقف مناهضة بناء السد من دون التوافق على كل الأطراف، وهنالك تجربة من عام 1995 وحتى ظهرت مباحثات 2011 كانت إثيوبيا تتبنى هذا الموقف ولكن أمكن الوصول إلى الكثير من نقاط الخلاف من خلال التفاوض ومن خلال أرقام كثيرة دولية كانت تدعم التفاوض..

حسن جمّول: لكن السودان ليس في وارد الاحتكام دولياً، السودان يبدو أنه مرتاح أكثر من مصر بالحفاظ على حصّته 18.5 مليار متر مكعب، لكن ليس بوارد الذهاب إلى الخيار القانوني أو التحكيم الدولي.

أحمد المفتي: أنا في تقديري الذهاب إلى التحكيم الدولي غير مفيد في هذه الحالات، ولكن في تقديري التفاوض وطاولة المفاوضات والتفاوض الذي بدأ منذ العام 1995 وانتهي في العام 2011 بموضوع سد النهضة ينبغي أن يستمر ذلك التفاوض، ويتم النظر في السد في إطار ذلك التفاوض وفي إطار التعاون بين الدول، أما الوضع الإثيوبي كأنها تمشي وتستمر في بناء السد وهنالك مسار فني للنقاش بحيث أنه لا تكون هناك أي علاقة بين السد وبناء السد والمسار الفني فهذا في تقديري يُضيع الحقوق القانونية المائية السودانية وكذلك المصرية، ولذلك لا بُدّ من الرجوع إلى طاولة المفاوضات ولكن في تقديري ذلك لن يكون أمراً يسيراً ولا بُدّ من مجابهته والتوجه إلى إثيوبيا بحُجّة واضحة جداً.

حسن جمّول: شكراً لك دكتور أحمد المفتي حدثتنا من الخرطوم المستشار السابق للحكومة السودانية لشؤون النيل، بهذا تنتهي حلقتنا من برنامج الواقع العربي نُرحّب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة إلى اللقاء.