يجرّم القانون الدولي جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية ومختلف انتهاكات حقوق الإنسان، ويفرض بالتالي على جميع الدول أن تحقق في تلك الجرائم وتحاكم مرتكبيها أمام القضاء الوطني.

ولكن في حالة افتقاد القضاء الوطني شروط النزاهة والعدالة، لا يتبقى أمام ضحايا تلك الانتهاكات سوى اللجوء إلى دول يطبق نظامها القضائي قاعدة الولاية القضائية العالمية.

حلقة الجمعة (28/11/2014) من برنامج "الواقع العربي" ناقشت الولاية القضائية العالمية التي تتيح ملاحقة منتهكي حقوق الإنسان، بغض النظر عن مكان الجريمة أو جنسية الجناة أو الضحايا.

الإرادة السياسية
عن هذا الموضوع، قالت المحامية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية ومديرة مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية، ديالا شحادة، إن الواقع يؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية لن تكون قادرة على ملاحقة جميع منتهكي حقوق الإنسان، ولهذا تكتسب الولاية القضائية العالمية قوتها وتجعل البعض يعلق عليها آمالا كبيرة لتحقيق العدالة.

وأكدت ديالا أن الإرادة السياسية للدول مطلوبة، وضربت مثلا بالدور الذي لعبته المحاكم الوطنية الكينية في تكملة دور الولاية القضائية العالمية حينما عرقلت زيارة الرئيس السوداني عمر البشير -المطلوب من قبل المحكمة الجنائية- إلى كينيا، وسعت إلى تحويل أمر المحكمة الجنائية إلى أمر قضائي وطني.

وحول قرار المحكمة البريطانية محاكمة أي مسؤول مصري متهم بانتهاك حقوق الإنسان، قالت شحادة إن هذه المحكمة سبق أن أصدرت مذكرات اعتقال سابقة بحق مسؤولين إسرائيليين، ولكن أي منهم لم يضع أقدامه على أراضيها حتى تتم محاكمته.

وتساءلت عن سبب عزوف البوليس الدولي "الإنتربول" عن المساعدة في القبض على المتهمين في جرائم ضد الإنسانية، بينما يتعاون بشكل جيد فيما يتعلق بالجرائم الأخرى.

سعي للإفلات
من جهته، عبّر المحامي والخبير القانوني المصري محمد الشبراوي عن اعتقاده بأن قرار المحكمة البريطانية يعني الامتثال لاتفاقية جنيف التي تنص على أن الأطراف المتعاقدة ملزمون بتعقب المجرمين مهما كانت جنسياتهم، ومحاكمتهم أو تسليمهم لدول متعاقدة.

ورأى الشبراوي أن إصدار قانون بمصر يفرض محاكمة المتهمين في جرائم الإبادة أو الجرائم ضد الإنسانية أمام المحاكم المصرية، يشير إلى أن المسؤولين المصريين يسعون للإفلات من المثول أمام المحاكم الدولية.

وأكد الخبير أن القانون يحقق رغبات مشرّعيه في توفير ضمان الإفلات من المحاكم الدولية، ولكنه ناشد المحاكم الدولية أن تسعى لبسط هيمنتها على مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، لأنه من غير المعقول تركهم يتحصنون خلف  قوانينهم، بحسب رأيه.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الولاية القضائية العالمية وإمكانية ملاحقة المتهمين بالعالم العربي

مقدم الحلقة: محمود مراد                          

ضيفا الحلقة:

-    ديالا شحادة/محامية سابقة في المحكمة الجنائية الدولية

-    محمد الشبراوي/محامي وخبير قانوني دولي

تاريخ الحلقة: 28/11/2014

المحاور:

-    دول قوية تحمي المجرمين

-    مذكرات توقيف بريطانية بحق مسؤولين بريطانيين

-    نوع خطير من العدالة

محمود مراد: مشاهدينا الأعزاء السلام عليكم وأهلا بكم إلى هذه الحلقة من الواقع العربي التي نسلط خلالها الضوء على قاعدة الولاية القضائية العالمية وإمكانية تطبيقها لملاحقة المسؤولين المتهمين بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في العالم العربي.

يؤثم القانون الدولي جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية ومختلف انتهاكات حقوق الإنسان ويفرض بالتالي على جميع الدول أن تحقق في تلك الجرائم وتحاكم مرتكبيها أمام القضاء الوطني لكن ما العمل إذا افتقد القضاء الوطني شروط النزاهة والعدالة؟ لا تبقى أمام ضحايا تلك الانتهاكات سوى اللجوء إلى دول يطبق نظامها القضائي قاعدة الولاية القضائية العالمية التي تتيح ملاحقة منتهكي حقوق الإنسان بغض النظر عن مكان الجريمة أو جنسية الجناة أو الضحايا، نناقش مدى نجاعة مبدأ الولاية القضائية العالمية في الحد من انتهاكات حقوق الإنسان وبخاصة في عالمنا العربي لكن نتابع أولا هذا التقرير.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: قاعدة الولاية القضائية العالمية هي قاعدة تقابل قاعدة الولاية الوطنية التي هي الأساس في محاكمة المجرمين أمام محاكم بلادهم، تعرف هذه القاعدة باسم الاختصاص العالمي ويعني حق أي قاضي أجنبي في توقيف أو محاكمة أو تسليم مرتكبي الجرائم خاصة جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة وجنسية مرتكبيها وجنسية الضحايا، ذُكر مبدأ الاختصاص العالمي صراحة لأول مرة في اتفاقيات جنيف لعام 1949 يطبق المبدأ في حالات عدم قدرة القضاء الوطني على القيام بإجراءات المحاكمة لظروف سياسية ولمنع إفلات المجرمين من العقاب أمام قضاء دولهم، منذ أوائل خمسينات القرن الماضي مارست أكثر من 15 دولة الولاية القضائية العالمية، هناك بعض الاستثناءات على هذه القاعدة كما حدث في حالات غزو العراق، الحرب في أفغانستان، الحرب الروسية في الشيشان، العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة، أبرز الدول التي طبقت مبدأ الاختصاص العالمي بلجيكا التي بدأت بالأخذ به عام 1993 مع وجود بعض الاستثناءات، في عام 2002 اتهمت محكمة بلجيكية الرئيس التشادي السابق حسين حبري بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال الفترة من عام 1982 و1990 لم يطبق الأمر ذاته في بلجيكا على رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون الذي أتهم 2001 بارتكاب مجازر في مخيمي صابرا وشاتيلا عام 1982 بسبب الضغوط الإسرائيلية، خلال تسعينات القرن الماضي تم تشكيل محاكم خاصة بموجب قرارات من مجلس الأمن لتطبيق المبدأ في تهم الإبادة الجماعية في كل من رواندا البوسنة وسيراليون، في عام 2002 تم تشكيل المحكمة الجنائية الدولية للبت في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وهو ما يتعارض مع مفهوم حصانة الرؤساء وقد وقعت 160 دولة عليه باستثناء معظم الدول العربية والإفريقية فضلا عن الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل، معظم الدعاوى المرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية تتعلق فقط بالدول الإفريقية، في عام 2014 وبحسب منظمة العفو الدولية هناك 125 دولة تطبق هذا المبدأ حاليا على الجرائم بنوعيها المدني والجنائي وقد حثت باقي الدول الأخرى على تطبيقها، أخيرا جاء قرار المحكمة العليا في بريطانيا بإمكانية توقيف ومحاكمة أي من أعضاء الحكومة المصرية الحالية حال ثبوت تورطهم في جرائم ضد الإنسانية بعد الانقلاب.

[نهاية التقرير]

محمود مراد: نناقش موضوع حلقتنا مع ضيفتنا من بيروت السيد ديالا شحادة المحامية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية ومديرة مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية، سيدة ديالا مرحبا بك ما جدوى استمرار هذا المبدأ أو هذا المفهوم في القانون الخاص بالولاية العالمية أو الاختصاص العالمي للقضاء لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتعذيب والإخفاء القسري وما إلى ذلك في ظل وجود محكمة جنائية أسساها العالم والنظام القضائي العالمي لملاحقة مرتكبي الجرائم بالفعل؟

ديالا شحادة: تماما الواقع أن هذا المبدأ سبق تشكيل المحكمة الجنائية الدولية وكان نوعا من تمهيد على الصعيد الوطني ﻹنشاء هذه المحكمة العالمية ولكن يجب أن نكون واقعيين في النهاية فالمحكمة الجنائية الدولية ليست ولن تكون يوما قادرة على محاكمة جميع الأشخاص المسؤولين عم ارتكاب الجرائم الدولية من نوع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم التعذيب وغيرها اليوم فلا بد عند مرحلة من الزمن ومن تطور القضاء على المستوى الدولي والمحلي أن تصبح كل دولة قادرة وراغبة أولا في أن تقوم بمحاكمة أي شخص يوجد على أراضيها ويشتبه بأنه مسئول عن ارتكاب إحدى هذه الجرائم التي تمس بالأمن والسلامة الدولية.

محمود مراد: طيب عادة ما يفلت الجناة من الأنظمة القضائية الوطنية هل هذا المبدأ الاختصاصي العالمي القضاء العالمي في مثل هذه الجرائم في محاكمة مرتكبيها هل هو كاف ورادع ألم تفلت الدول للعظمى بجرائم كثيرة ارتكبتها على سبيل المثال الولايات المتحدة أفلتت أو أفلت مسؤولوها بجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في العراق على سبيل المثال؟

ديالا شحادة: صحيح هذا الكلام صحيح ويجب يعني فيما يتعلق بالقانون الدولي يجب دائما أن نكون واقعيين وأن نعترف بحقيقة نهائية وهي أنه لا يمكن في ظل غياب إرادة سياسية سواء وطنية أو دولية لمحاكمة المسؤولين على جرائم الفظاعات في العالم لا يمكن لهذا المبدأ أي مبدأ الاختصاص القضائي العالمي في المحاكم الوطنية أو الاختصاص الدولي في المحاكم الدولية لا يمكن له أن يرى النجاح من دون وجود إرادة سياسية يعني يمكن أن نعطي مثالا اليوم عن دولة مثل كينيا قبل بضع سنوات كينيا التي هي دولة طرف في المحكمة الجنائية الدولية استقبلت على أراضيها الرئيس السوداني عمر البشير الذي هو مطلوب بموجب مذكرة توقيف.. مذكرتي توقيف في الواقع من قبل المحكمة الجنائية الدولية منذ العام 2007 وكانت ردة فعل المجتمع القضائي أو المحامين والقضاة في كينيا أن قاموا باستعمال مبدأ الاختصاص القضائي العالمي للمحاكم الوطنية من أجل تحويل مذكرة التوقيف الدولية إلى مذكرة توقيف وطنية مما حال دون السماح للرئيس السوداني بزيارة كينيا بعدها رغم استياء عارم من المسؤولين السياسيين في كينيا، فمبدأ هذا المبدأ الذي نتكلم عنه وهو دور المحاكم الوطنية هو يكمل الدور الدولي للمحاكم الدولية وﻻ يمكن طبعا أن يطبق من دون أن يكون هناك قوة كافية للمحامين والقضاة في كل بلد ﻻ تقل عن سلطة الإرادة السياسية في هذا البلد.

دول قوية تحمي المجرمين

محمود مراد: يعني أول درس في كتب القانون هو خصائص القاعدة القانونية أول شيء أنها عامة وأنها مجردة يعني صفة العموم تنتفي في هذه الأحوال نظرا لأن هناك من يفلتون بسبب أن دولهم تحميهم وهذه دول قوية؟

ديالا شحادة: صحيح، هذا الكلام صحيح أكثر من ذلك الدول التي رفضت أن يكون لها أي انخراط في محاكم دولية كالمحكمة الجنائية الدولية ونتكلم هنا عن دول مثل الولايات المتحدة مثل روسيا مثل إسرائيل مثل الصين هذه الدول بعضها لم يكتفِ بأن ينأى بنفسه عن اختصاص المحكمة الدولية وإنما منع أن يكون هناك اختصاص عالمي قضائي لمحاكمه الوطنية فيما يتعلق بجرائم التعذيب ووصل إلى حد توقيع اتفاقيات ثنائية مع عشرات من دول العالم كما فعلت الولايات المتحدة الأميركية مثلا تلزم هذه الدول بعدم تسليم أي من المواطنين الأميركيين سواء كانوا مدنيين أو عسكريين إلى جهة ثالثة سواء كانت هذه الجهة هي محكمة دولية أو محكمة وطنية ذات قضاء ذات اختصاص قضائي عالمي.

محمود مراد: طيب يعني أرجو منك أن تبقي معنا ويبدو استهداف القوات الإسرائيلية للمدنيين الفلسطينيين في عدوانها الأخير على قطاع غزة وكذلك القصف العشوائي الذي تشنه قوات النظام السوري على المدن الثائرة يبدوان نموذجين تتوافر فيهما الشروط القانونية لتطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية وأخيرا أقر القضاء البريطاني بإمكانية ملاحقة المسؤولين المصريين فيما إذا كانوا ضالعين في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية لكن رصد حالات سابقة مماثلة يشير إلى أن هناك مسافة بين الممكن في القوانين الدولية ومقتضيات السياسية ولغة المصالح لنتابع.

[تقرير مسجل]

أحمد الشلفي: هل من سبيل لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لملاحقة جلاديهم إذا كانوا متحصنين بمناصبهم وقوة دولهم ونفوذها؟ تساؤل يفرض نفسه مع توالي التقارير في بلدان ثورات الربيع العربي عن انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان أدت لمقتل أكثر من 200 ألف في سوريا وعشرات الآلاف في ليبيا ومصر واليمن، هذا فضلا عن حالات الإخفاء القسري وتشريد الملايين كما طرح نفسه من قبل والعالم يتابع ممارسات القوات الإسرائيلية في حروبها على غزة، القانون الدولي يؤثم هذه الجرائم وقد شقت النظم القضائية والقانونية في الدول الغربية طريقا أمام ضحايا تلك الانتهاكات لتعقب المسؤولين عنها مهما طال الزمن عبر تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية لكن لم يخلو الأمر من مؤثرات سياسية تحد من فاعلية النص القانوني، في عام 98 اعتقلت السلطات البريطانية دكتاتور تشيلي بينوشيه بعد أيام من وصوله إلى لندن للعلاج وذلك بناء على مذكرة دولية أصدرها قاضٍ أسباني ليسجل بذلك سابقة في تاريخ القانون الدولي لكن بعد قرابة 17 شهرا من المعارك القانونية وفي ظل ضغوط أميركية واحتجاجات حكومة تشيلي وافقت الحكومة البريطانية على عودته إلى بلاده بدعوى تدهور حالته الصحية، حادثة أخرى أدت إلى القطيعة بين بلجيكا وإسرائيل بعد أن تم استدعاء السفير الإسرائيلي السابق شاؤول أمور في 12 من فبراير بواسطة وزارة الخارجية الإسرائيلية في نفس اليوم الذي قبلت فيه محكمة الاستئناف البلجيكية الشكوى المقدمة ضد شارون من قبل 23 فلسطينيا ممن نجو من مذبحة صابرا وشاتيلا في عام 1982 وهو ما اعتبره نتنياهو وزير الخارجية الإسرائيلي في ذلك الوقت بمثابة قرار معادٍ لإسرائيل، ملف آخر وهو الدعوة المرفوعة من القضاء الفرنسي ضد مدير المخابرات المدنية في المغرب عبد اللطيف الحموشي بتهمة تورط الجهاز الذي يشرف عليه في عمليات تعذيب مفترضة قام بها جهاز المخابرات وفي ملف آخر يتعلق بنزاع الصحراء تقدمت جمعية مسيحية معارضة للتعذيب بدعوى تتضمن تعذيبا مفترضا آخر، وتأتي حادثة إصدار المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية مذكرة بحق الرئيس السوداني عمر البشير بدعوى ارتكابه جرائم حرب في دارفور لتكون إحدى الحوادث الأخرى إذ وصفت الحكومة السودانية دوافعها بالسياسية ما يثير جدلا حول الولاية القضائية العالمية وإمكانية تحويلها من عمل قانوني يهدف إلى مراقبة الانتهاكات ومحاكمة مرتكبيها إلى عمل يستخدم بدوافع سياسية لا أقل ولا أكثر.

[نهاية التقرير]

محمود مراد: ينضم إلينا من إسطنبول عبر السكايب السيد محمد الشبراوي المحامي والخبير القانوني المصري، سيد محمد مرحبا بك ماذا يعني في تقديرك أو في تفسيرك قرار المحكمة العليا البريطانية الأخير بإمكانية محاكمة المسؤولين المصرين دونما استثناء أمام المحاكم البريطانية بشأن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم أخرى، هل يصح أو هل يحق لأي من ضحايا أو ذوي ضحايا هذه الجرائم أن يتقدم بشكوى أمام القضاء البريطاني وبالتالي أي مسؤول مصري من الذين شاركوا سواء بالأمر أو بالتضامن في الحكومات التي جرى في عهدها مثل تلك الانتهاكات هل يحق للمحاكم البريطانية أن تحاكم هؤلاء وتستدعيهم للتحقيق أو تصدر بحقهم مذكرات توقيف؟

محمد الشبراوي: يعني بداية أستاذ محمود يعني هناك ضوابط في هذا الأمر ولكن قبل أن أدخل في هذا الموضوع لابد أن أتكلم في شيء هام للغاية وهو أنه في إطار المسائلة القضائية الدولية لكثير ممن يرتكبون المجازر وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية نحن في حاجة محلة جدا إلى إنفاذ القانون الدولي الإنساني على نحو فعال لذلك اتفاقية جنيف لعام 1949 وﻷكثر من 60 سنة كانت تقتضي من الدول إنشاء اختصاص قضائي عالمي وممارسته على هذه الانتهاكات الجسيمة المحددة في هذه الاتفاقيات، لذلك فإن اتفاقية جنيف يعني تنص على أن الأطراف المتعاقدة ملزمة بتعقب المجرمين المشتبه بهم بغض النظر عن جنسياتهم ومكان إركاب الجريمة وتقديمهم إلى محاكمات أو تسليمهم إلى طرف متعاقد آخر للمحكمة يعني وأنشئت هذه القاعدة سنة 1949 كما تعلم ويعلم الجميع في أعقاب الحرب العالمية 

الثانية وذلك عندما أرادت الدول..

محمود مراد: طيب ونحن سيد محمد، نحن قدمنا بالفعل عرضاً تاريخياً موجزاً لتطور هذا المبدأ من خلال تقاريرنا في هذه الحلقة، لكن دعني أطرح السؤال على السيدة ديالا..

محمد الشبراوي: نعم، وإن لم استمع للتقرير عفواً يعني..

مذكرات توقيف بريطانية بحق مسؤولين إسرائيليين

محمود مراد: طيب لا بأس سأعود إليك مجدداً لكن دعنا نطرح السؤال على السيدة ديالا شحادة نفس السؤال سيدة ديالا هل يعني قرار المحكمة العليا البريطانية ببساطة إمكانية محاكمة أي مسؤول في مصر أم أن هناك استثناءات، ماذا تحديداً كيف يُمكن أن نقرأ هذا القرار ونفسره؟

ديالا شحادة: يجب أن نتذكر هنا أن المحكمة البريطانية العليا سبق أن أصدرت مذكرات توقيف في السابق بحق مسؤولين إسرائيليين من بينهم الجنرال دورون المونغ وحتى صار الحديث عن أن هناك مُذكرة توقيف بحق الوزيرة الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني ولكن المشكلة ليست هنا المشكلة أن أياً من هؤلاء المسؤولين الإسرائيليين لم يضعوا أرجلهم يوماً على الأرض البريطانية كي يتسنى للقضاء  توقيفهم، وبالتالي يجب أن نتنبه إلى نقطة أساسية في مسألة الاختصاص القضائي العالمي للمحاكم الوطنية البريطانية  أو غيرها أن هذه الاختصاص لا يسري إلا على الأشخاص المشتبه فيهم الذين يكونون على الأراضي البريطانية،  قلما تعاون الانتربول الدولي أو أي قوة دولية في توقيف أشخاص على خلفية جرائم دولية من نوع جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية  فيما نراه الانتربول يتعاون بكل بساطة في تسليم أشخاص في مسائل تتعلق بالقضاء الدولي الخاص مسائل سرقات دولية أو غيرها ولا نفهم حتى اليوم لماذا لا يكون هناك التزام دولي من قبل الانتربول الدولي والقوات الدولية في تسليم أي أشخاص متورطين في جرائم ذات نوع من الفظاعات الدولية وبالتالي بالنسبة للقضاء البريطاني الدولي ليس هناك أي فاعلية للأسف على الرغم من  أهمية هذه الإجراءات القضائية.

محمود مراد: نعم، لكن عدم وجود أي من هؤلاء المسؤولين الضالعين في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية لا يعني على الأراضي البريطانية  أعني، لا يعني أن هذا المبدأ قاصر يعني هناك وحدة وكيان يُسمى الاتحاد الأوروبي يتكون من بضع وعشرين دولةً يتم تسليم المتهمين أو المطلوبين ما بين هؤلاء هذه الدول ببساطة شديدة؟

ديالا شحادة: ولكن هذه الدول لا تلتزم فيما يتعلق بالجرائم الدولية بشكل مستمر وفي الوسع أن نرى ذلك فيما يتعلق مثلاً بزيارات مسؤولين إسرائيليين بشكل منتظم إلى دول أوروبية أخرى وحتى فيما يتعلق بالجرائم التي خضعت لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، صحيح أن هؤلاء الدول امتنعوا عن استقبال مسؤولين من دول أفريقية مثلاً ولكنها حافظت على علاقاتها الدبلوماسية بشكل طبيعي جداً مع هذه الدول وفي منحى أخر يعني..

محمود مراد: على الأقل على الأراضي البريطانية صارت أو الأراضي البريطانية صارت محرمة بموجب هذا الأمر على أولئك الضالعين في هذه الجريمة؟

ديالا شحادة: صحيح صحيح، صحيح إن الانتصار لمبدأ الاختصاص القضائي العالمي للمحاكم الوطنية هو أنها تُحرم على الأشخاص المطلوبين من قبل هذه المحاكم دخول هذه الأراضي والوضع مُشابه إلى حد كبير ولكن ليس بشكل مُطلق فيما يتعلق بالدول التي صادقت على اتفاقية روما فمعظم هذه الدول تلتزم بعدم استقبال الأشخاص المطلوبين من المحكمة الجنائية الدولية ولكن هناك دوماً استثناءات خاصةً فيما يتعلق بالتزام القارة الأفريقية بهذه المبادرات.

محمود مراد: سيد محمد شبراوي، أعود إليك بالسؤال ألم يوافق مجلس الدولة المصري على تعديل لقانون الإبادة الجماعية في مصر بحيث يسمح.. بحيث تكون ولاية القضاء المصرية على هذه الجرائم على الأراضي المصرية بحيث يُجهض أو يقطع الطريق على نقل هذه القضايا إلى المحاكم الدولية، ألم يحدث هذا؟

محمد الشبراوي: يعني هذا بالفعل، وهذا كان المُبتغى بالأساس من تطبيق هذا القانون وهذه ملاحظة بالمناسبة يعني وجدت في كثير من التشريعات الوطنية يعني جعلت من مثل هذه القوانين مجرد مسألة نظرية فقط الغرض منها إفلات هؤلاء المسؤولين الذين ارتكبوا المجازر من العقاب وضمان عدم تقديمهم إلى مُحاكمات جنائيةٍ دوليةٍ مُنصفة في هذا الأمر، لذلك كان شروع النظام في مصر إلى استصدار هذا القانون حتى يضمن عدم محاكمة المسؤولين خارج مصر عن الجرائم التي تم ارتكابها، لاسيما في ظل الانتقادات الدولية الشديدة وانتقادات المنظمات الدولية وعلى رأسها هيومن رايتس ووتش وفي ظل التقارير الواقعية والإثباتات الكثيرة للجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها نظام السياسي.

محمود مراد: طيب أنا أسأل هل هذا التعديل.. هل هذا التعديل جامع مانع يقطع الطريق أمام المحاكم الوطنية في الدول الأخرى لمُحاكمة مُرتكبي هذه الجرائم؟

محمد الشبراوي: يعني هو وفقاً لما تضمنه هذا القانون فإنه بدون شك يعني يستطيع أن يوفر ضمانة من الإفلات من المحاسبة الجنائية الدولية وهذا ما وعاه جيداً النظام  الموجود في مصر  في مصر حالياً، لذلك لا بد هنا أن نُشير إلى شيء، هذا الشيء المهم أن الدول بتشريعاتها هذه التي تضمن حماية هؤلاء المسؤولين يجب أن يعي المجتمع الدولي أنه مهما بلغ هذا التقنين من محاولاتٍ لطمس الحقائق لا بد من المجتمع الدولي وللمحاكم الدولية أن تبسط سيطرتها وأن تبسط هيمنتها على مُساءلة هؤلاء لأنهم يرتكبوا جرائم ضد الإنسانية  وهذه الجرائم ليس بالإمكان أن يفلت هؤلاء من العقاب بمجرد قوانين نظرية يتم طبخها في هذه البلاد لتُقدم أوراق ومستندات في النهاية معلوم مصدر هذه الأوراق والمستندات وعملية التطبيخ القانونية التي تتم.

نوع خطير من العدالة

محمود مراد: طيب يعني سيدة ديالا السؤال إذن سيدة ديالا السؤال إذن هل ببساطة  هكذا يفلت مرتكبو الجرائم من هذا النوع الخطير من العدالة لمجرد أنهم يستطيعون طبخ قوانين في بلدانهم تُجهض أو تقطع الطريق على المحاكم الدولية أو المحاكم الوطنية في الدول التي تُراعي حقوق الإنسان؟

ديالا شحادة: من المهم هنا أن نُذكر بأننا نتحمل كشعوب منطقة عربية وشعوب دول العالم الثالث أو الأضعف إذا صح التعبير مسؤولية كبيرة يعني فيما يتعلق مثلاً بالمحكمة الجنائية الدولية التي صادقت عليها حتى اليوم  123 دولة، ليس هناك سوى 4 دول عربية في الوقت الذي تُطالب فيه جميع الدول العربية بإحقاق العدالة الجنائية الدولية بحق الإسرائيليين المسؤولين عن ارتكاب فظاعات في فلسطين وبحق الأميركيين المسؤولين عن ارتكاب فظاعات في العراق وغيرهم، فنحن لا نفهم اليوم كيف، نحن طبعاً مع..

محمود مراد: في الحقيقة إن شئتِ سيدة ديالا، لم يعد أحد يُطالب من الدول العربية بمثل هذه الأمور في الوقت الراهن، قليل جداً من الدول حتى لم تعد.. تقولين كل الدول العربية تُطالب بتطبيق العدالة على الأميركيين والإسرائيليين هذا لا يحدث الآن، تفضلي.

ديالا شحادة: يعني رأينا على مستوى على الأقل الجمعية العمومية بعض الأصوات التي طالبت بوضع حد لما يحصل في غزة يعني لا مجال للجدال..

محمود مراد: على المستوى النظري، تفضلي.

ديالا شحادة: حول أن هناك نفاقا سياسيا صحيح، هناك نفاق سياسي لدى عدد كبير من الحكومات العربية ولكن بما أنك طرحت ما هو الحل وكيف يُمكن وهل يُعقل أن يكون لأي مجرم اليوم فرصة للإفلات من العقاب، هذه الفرصة متوفرة طالما ليس هناك نية سياسية وليس هناك إرادة شعبية للضغط على نية سياسية، لكي نصل إلى مرحلة يكون فيها جميع دول العالم هي مُصادقة على اتفاقية روما وجميع دول العالم قد طيعت نظمها القضائية الوطنية بما يتناغم مع اتفاقية روما من أجل إما أن تكون قادرة على المحاكمة في بلدها وإن لم يكن فهي قد تكون فوضت محكمة دولية لها دعم من كل دول العالم، وبالتالي جميع أراضي العالم تكون مُحرمة على أي شخص مطلوب في مسألة محاسبة الأشخاص.

محمود مراد: شكراً جزيلاً لكِ السيدة ديالا شحادة المحامية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية وأشكر كذلك ضيفنا عبر السكايب محمد شبراوي المحامي والخبير القانوني المصري شكراً جزيلاً لكما، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي، نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي الفيس بوك وتويتر، نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة والسلام عليكم.