وصف أستاذ الدراسات الدولية في جامعة بيرزيت الدكتور أحمد عزم لحلقة 9/10/2014 من برنامج "الواقع العربي"، زيارة رئيس حكومة التوافق الفلسطينية رامي الحمد الله إلى غزة بالمهمة جدا، لكنه أوضح أنها لم تطو الخلافات الموجودة بين الطرفين والتي قال إنها لا تقتصر على الضفة وغزة، مشيرا إلى مسألة أثيرت حول الجهة التي يمكنها الإشراف على مسألة حماية الحكومة والإجراءات الأمنية.

واعتبر أن موضوع الإعمار أهم ما تحمله زيارة الحمد الله، لكن هناك قضايا خلافية ما تزال تحتاج إلى مشاورات ومفاوضات، مثل سلاح المقاومة والأمن الداخلي وإعادة تشكيل منظمة التحرير وانتخابات المجلس التشريعي، والأنفاق التي قال إنها عبارة عن ألغام في طريق المصالحة.

وقال عزم "إن الوحدة بين الفلسطينيين ضرورية، لكن الهم الفلسطيني أكبر من الحكومة".

ووسط ترحيب شعبي ورسمي لافت، وصل الحمد الله الخميس إلى غزة، ومن هناك أكد انتهاء حقبة الانقسام وبداية مرحلة جديدة، وأعلن أولويات حكومته المتمثلة في إعادة تعمير القطاع وتكريس المصالحة. وينتظر أن تجتمع الحكومة غدا في غزة بكامل وزرائها للمرة الأولى منذ تشكيلها منذ نحو أربعة أشهر.

video

وبشأن المواقف العربية من القضية الفلسطينية، أكد عزم أن القضية تأثرت في ظل الانقسام، وأن الفصائل الفلسطينية وخاصة حركتي التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والمقاومة الإسلامية (حماس) مارست ما أسماها سياسة الانتظار لاستثمار ما كان يحدث وكيف تحسم الصراعات، وقال إن هذه الفصائل لم تعكس فهما لحماية القضية الفلسطينية والحصول على الدعم المطلوب لها.

من جهته، أشار الكاتب والمحلل السياسي مروان بشارة إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية بسبب ما سماها الانهيارات الحاصلة في المنطقة العربية، واعتبر أنه مع بداية الربيع العربي كانت هناك وحدة صف وتضامن، ولكن حاليا هناك حروب أهلية وطائفية وهموم داخلية، واضطهاد للشعوب العربية في اليمن وليبيا ومصر.

وأضاف أن ما يجري في المنطقة هو "فلسطنة" الشعوب العربية التي أصبحت ضحية اضطهادات عنيفة في سوريا والعراق وليبيا، وذلك مثلما يحصل مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لاضطهاد من طرف أولى الدكتاتوريات في المنطقة، أي إسرائيل.

وأعرب بشارة عن قلقه من تصريح لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لوسائل إعلام أميركية قال فيه إنه كان يعتقد أن حل القضية الفلسطينية مدخل للعالم العربي، لكن حاليا فإن علاقتنا ببعض الدول العربية -والكلام لنتنياهو- هو مدخل القضية الفلسطينية. 

ودعا بشارة إلى فضح الأنظمة العربية التي تتعاون مع إسرائيل.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: القضية الفلسطينية والأولويات العربية

مقدم الحلقة: عثمان آي فرح

ضيفا الحلقة:

-   أحمد عزم/أستاذ الدراسات الدولية في جامعة بيرزيت

-   مروان بشارة/كاتب ومحلل سياسي

تاريخ الحلقة: 9/10/2014

المحاور:

-   أهم ما حملته زيارة الحمد الله

-   شروط قيام وحدة فلسطينية حقيقية

-   فلسطنة الواقع العربي

عثمان آي فرح: السلام عليكم ورحمة الله، أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي، التي نُسلّط خلالها الضوء على موقع قضية فلسطين ضمن قائمة الأولويات العربية في ضوء تقلبات العلاقة بين الفلسطينيين.

أكثر من 7 سنوات مرّت قبل أن تجتمع في غزة حكومةٌ فلسطينيةٌ موحدة تحظى بتأييد الضفة الغربية والقطاع، فوسط ترحيبٍ شعبي ورسمي لافت، وصل رئيس حكومة التوافق الفلسطيني رامي الحمد الله يوم الخميس إلى غزّة، حيث أعلن من هناك أولويات حكومته المتمثلة في إعادة تعمير القطاع وتكريس المُصالحة، الحمد الله الذي سيتوجه من غزّة إلى القاهرة لحضور مؤتمرٍ لاستقطاب الدعم لإعمار القطاع، أكّد على ضرورة وحدة الفلسطينيين كشرطٍ أساسيٍ للحصول على أي دعمٍ عربيٍ أو دولي للفلسطينيين وقضاياهم المختلفة.

[تقرير مسجل]

طارق تملالي: بعد عثراتٍ وكبوات منذ شقاق عام 2007، لأول مرّةٍ حكومةٌ فلسطينية واحدة للضفة والقطاع، لا ينتمي وزرائها لا إلى فتح ولا حماس أو أي فصيلٍ آخر بل هم خبراء في قطاعاتهم، حُلّت الحكومة الفلسطينية المُقالة برئاسة إسماعيل هنية، وأصبح للفلسطينيين رسمياً رئيس وزراءٍ واحد هو رامي الحمد الله الذي يجتمع بطاقمه الوزاري في غزّة، يسبق ذلك انعقاد مؤتمرٍ للمانحين تحتضنه القاهرة في الـ 12 من أكتوبر 2014، والرسالة هي لطمأنة أي طرفٍ يتحجّج بالخوف على مصير أموال المساعدات والهبات من أن تذهب إلى حماس، فهل يخفُّ التضييق من الجانب المصري والإسرائيلي على المعابر من غزّة بوجود حكومةٍ لا هي من فتح ولا من حماس؟ الشغل الشاغل للحكومة التوافقية هو إعادة إعمار ما دمّره العدوان الإسرائيلي، المطلوب 4 مليارات دولار. 100 ألف فلسطيني مشرّد في غزّة جرّاء العدوان، ناهيك عن التخريب الذي ضرب البنية التحتية، فلسطينيو غزّة ضحايا والعرب يُصلحون في كل مرّة ما خرّبه الإسرائيليون، إلى حد الآن الدول العربية عموماً تُحوّل بانتظام أو قدرٍ من الانتظام ما تفرضه عليها قرارات الجامعة العربية من مساهماتٍ مالية إلى السلطة الفلسطينية، وتبدو دولٌ عربية مثل قطر والجزائر والسعودية أكثر التزاماً بذلك من بلدانٍ عربية أخرى، وفيما عدا الدعم المالي والدبلوماسي لا يبدو الجوار العربي القريب والأقرب إلى الفلسطينيين قادرٍا على فعل أكثر من ذلك في ظلّ تصريحاتٍ مكرّرة بقبولٍ فلسطيني بقرارات الأمم المتحدة التي تعترف بفلسطين فقط باعتبارها أراضي الـ 67.

[نهاية التقرير]

عثمان آي فرح: لإلقاء المزيد من الضوء على دلالات اجتماع حكومة التوافق الفلسطينية في غزّة وتأثير ذلك على المواقف العربية من القضية الفلسطينية، معنا من رام الله الدكتور أحمد عزم أستاذ الدراسات الدولية في جامعة بيرزيت، أهلاً بك دكتور أحمد، هل زيارة الحمد الله إلى غزّة طوت صفحة الخلافات نهائياً بين حركة حماس وفتح، أم لا سمح الله ما زالت هناك انتكاساتٌ متوقعة في الطريق؟

أحمد عزم: يعني بالتأكيد لم تطوِ صفحة الخلافات ولكن رغم ذلك فالزيارة نبأ سار يعني، لا نتوقع أبداً أنّ زيارة من هذا النوع ستؤدي إلى حل الخلافات، بالنهاية الخلافات بين فتح وحماس ليست مقصورة في إطار الحكومة الفلسطينية، ليست مقصورة في الضفة الغربية وقطاع غزّة، هناك خلافات على نطاق أوسع كثيراً من ذلك وهناك قضايا أصلاً ما زال هناك حاجة للتفاوض حولها بين فتح وحماس في الفترة المقبلة، هذه الزيارة بقدر ما ترفع التوقعات وتزيد من حجم التوقعات في الشارع الفلسطيني، وربّما يكون من أهم دلالات وأهم نتائج هذه الزيارة أنّ الحكومة الفلسطينية برئاسة الدكتور رامي الحمد الله قد شاهدت حقيقةً حجم التوقعات منها في غزّة، وبالتالي تُدرك حجم المسؤولية ولكن هناك الكثير من القضايا حتى ترتيبات الزيارة، الحديث الذي دار عن مَن الذي يتولى حماية الحكومة؟ مَن الذي يتولّى الإجراءات الأمنية هذا مجرّد رأس الجبل الجليدي لحجم القضايا التي ما زالت عالقة بين الطرفين والتي تحتاج في الفترة المقبلة الكثير من العمل من أجل حلّها.

أهم ما حملته زيارة الحمد الله

عثمان آي فرح: نعم، يعني هو تحدّث الحمد الله طرح إعادة إعمار غزّة وتكريس المصالحة الوطنية كأولويات له، ما مدى واقعية هذه الأولويات في ظلّ الظروف التي تعمل فيها السلطة الفلسطينية والتي يعمل فيها الفلسطينيون جميعاً سواءً الداخلية أو الإقليمية أو الدولية؟

أحمد عزم: يعني في الشق الأول موضوع الإعمار لا شكّ أنّه هذا أهم ما تحمله الزيارة، وتوقيتها قبل لقاء القاهرة أمر حيوي جدًّا ومهم جدًّا، وبالتالي أعتقد أن التوقعات في موضوع الإعمار منطقية وفيها نوع من المنطق، ولكن في موضوع المصالحة يعني هذه حكومة وزرائها من خارج فتح ومن خارج حماس، وهذه حكومة أصلاً شُكّلت من خلال الفصيلين دون استشارة حتى رئيس الوزراء رامي الحمد الله كما صرّح هو للإعلام، وهذه وزارة لا تضم الفصائل الرئيسية وهذه وزارة لا سلطة لها على الأجهزة الأمنية، وبالتالي لا يجب أن نرفع التوقعات أبداً، ربّما يبدو أنّ الزيارة أدّت بالدكتور رامي الحمد الله إلى التفاؤل وإلى الحديث إلى الشارع بما يُطمئنهُ رغم أنّه قبل أسابيع أو حتى قبل أيام تحدّث للإعلام عن مدى محدودية صلاحيات هذه الحكومة، فبالتالي لا أعتقد بأنّ رفع التوقعات كثيراً أمرٌ فيه الكثير من الأساس.

عثمان آي فرح: يعني إلى أي مدى يجب أن تكون هناك طموحات وتوقعات من حكومة يُقال أنّها حكومة تكنوقراط في نهاية المطاف بإمكانها أن تتعامل مع مواضيع ذات طبيعة لها علاقة بالتنمية الاقتصادية أو إعادة الإعمار أو ما شابه ذلك، ولكن هناك تحديات وهناك خلافات ذات طبيعة سياسية وكما قلت يعني ليس لها سيطرة على الجوانب الأمنية إلى حدٍّ كبير، ما الذي يمكن أن نتوقعه من حكومة كفاءات كهذه ربّما لا تتمتع بالخبرة السياسية أو المهارات السياسية المطلوبة؟

أحمد عزم: يعني الهم الفلسطيني ليس موضوع خبرات ولكن ليس الهم الفلسطيني حقيقةً هو فقط محصور في الضفة الغربية وقطاع غزّة، الفلسطينيون في مخيم اليرموك يُعانون، الفلسطينيون في مخيمات الشتات يُعانون في كثير من الأماكن يُعانون، القضايا الخلافية تتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية، تتعلق بالميثاق الوطني الفلسطيني تتعلق بانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وأعتقد أنّ نائب رئيس المكتب السياسي رئيس الوزراء السابق في حكومة حماس إسماعيل هنية قد تحدّث اليوم بهذا الموضوع وأعتقد أنّ حديثه عندما كان يجلس إلى جوار الدكتور رامي الحمد الله عن انتخابات المجلس التشريعي وانعقاد المجلس التشريعي وعن المجلس الوطني وما إلى ذلك كلها إشارات بأنّ حماس تتوقع الكثير في الفترة المقبلة بما يتعدى مسألة الحكومة، في الوقت الذي بالنسبة للحكومة الفلسطينية هي تريد أن تمد صلاحياتها بشكل كامل في قطاع غزّة ترفض تجزيء الصلاحيات، وبالتالي لدينا أجندتين مختلفتين إلى حدٍّ ما، يعني في الوقت الذي يدور الحديث على سبيل المثال عن أنّ الحرس الرئاسي قد يتولّى قريباً مهمات في قطاع غزّة على بعض المعابر يعني هذا يُثير الكثير من الأسئلة حول ملفات أخرى، مَن الذي سيحفظ الأمن الداخلي؟ هل يمكن أن يتجزأ الأمن بين أمن على المعابر وأمن داخلي مختلف؟ وأيضاً حتى الأنفاق يعني قضية الأنفاق هي قضية لُغم، بل إذا كان الحرس الرئاسي سيكون فوق الأرض على المعابر فمَن الذي سيتحكم بالأنفاق التي عادت للعمل بعضها على الأقل؟ ومَن الذي سيتحكم في الأمن الداخلي؟ هذه قضايا كلها عبارة عن ألغام في طريق المصالحة، أنا برأيي أنّ الزيارة مهمة جداً وتدعو إلى التفاؤل والسرور من قِبل الشارع الفلسطيني، ولكن بنفس القدر تُثير أسئلة تدعو إلى الخوف وتقتضي الحكمة والتعامل معها سريعاً وعلى انتظار أن تتفعّل.

عثمان آي فرح: تماماً، يعني هناك نقاط كثيرة مهمة ذكرتها دكتور، هناك كما قلنا قضايا طبيعتها طبيعة خلافات سياسية منها موضوع الانتخابات على سبيل المثال، هذه الحكومة إلى أي مدى بإمكانها أن تتعامل مع هذه الخلافات دون أن تفقد دعم واحدة من الجهتين حركة حماس أو فتح في رام الله؟

أحمد عزم: موضوع الانتخابات يحتاج إلى الكثير من المفاوضات والتفاهمات بين حركتي فتح وحماس، لأنّه ربّما يكون هناك اتفاق بأن تُدعى الانتخابات سريعاً بعد أشهر قليلة من تأسيس حكومة الوفاق الوطني، وطبعاً هذه الشهور قد مضت وربّما جاء واقع الحرب التي قد جرت مؤخراً أو العدوان على قطاع غزّة كان مبرّرا لتأجيل النظر في الانتخابات، ولكن إذا كانت حماس ستطرح على سبيل المثال موضوع انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني وإعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية جنباً إلى جنب مع انتخابات المجلس التشريعي والانتخابات الرئاسية الفلسطينية، فهذا سيُعقّد الموقف كثيراً، الحكومة تستطيع أن تُدير الانتخابات ولكن بشرط أن تتفق حركة فتح وحماس، وفتح وحماس يتفاوضان خارج إطار الحكومة.

شروط قيام وحدة فلسطينية حقيقية

عثمان آي فرح: طيب ما المطلوب فلسطينياً من أجل التوصل إلى وحدة حقيقية وليس تعايشاً أو توافقاً هشّاً يمكن أن يتغيّر ويتأثّر في أي لحظة؟ ما الذي يمكن أن يفعله الفلسطينيون لكي تكون هذه الوحدة وحدة حقيقية اعتبرها الحمد الله شرطا من شروط نجاح حكومته ونجاح كل الفلسطينيين؟

أحمد عزم: مؤخراً دار حديث استُخدمت فيه مصطلحات إلى حدٍ ما جديدة في الشارع الفلسطيني مثل قرار الحرب والسلام، قيادة حركة حماس والمكتب السياسي في حركة حماس في لقاءاتها مع الرئيس محمود عباس طالبت بأن تكون جزءا من قرار السلام بمعنى أن تكون جزءا من إدارة العملية السياسية والمفاوضات، وأن لا تنفرد حركة فتح والرئيس الفلسطيني في طرح المواقف في عملية المفاوضات والسلام والتسوية، في المقابل رفض الرئيس محمود عباس وأدان بشدّة فكرة أن تكون حماس لديها القدرة أو القرار في بدء مواجهة من أي نوع، وبالتالي نحن عندما نتحدث إذن عن قراري الحرب والسلام، نحن نتحدّث عن موضوعين: الموضوع الأول ترتيب موضوع سلاح المقاومة وأجندة المقاومة وهذه النقطة رقم واحد حتى تتحقق وحدة فلسطينية دون اتفاق واقعي وحقيقي بين الفصائل الرئيسية وبما يُقنع الشارع الفلسطيني بشأن موضوع المقاومة لن يكون هناك موضوع وحدة، الآن سيُثار موضوع سلاح المقاومة في قطاع غزّة وفي نفس الوقت سيُثار موضوع المقاومة الشعبية في الضفة الغربية، ومَن الذي يريد ماذا؟ ومَن الذي يسمح بماذا؟ وكيف يمكن أن تُدار كل هذه الأمور؟ موضوع التنسيق الأمني موضوع على الطاولة، فإذن شق المقاومة والتنسيق الأمني هي النقطة رقم واحد التي تحتاج إلى الكثير من النقاش، في مطالب حركة حماس عندما تقول أنا أريد أن أكون جزءا من العملية السياسية وجزءا من إدارة العملية السياسية فهي تقول بشكل أو بآخر أنا أريد أن أحتل مكاني في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وفي قيادة العمل الفلسطيني، وبالتالي دون إصلاح الأطر القيادية في منظمة التحرير الفلسطينية دون إصلاح المجلس الوطني الفلسطيني، نحن لدينا مجلس وطني فلسطيني أصلاً هو غير قادر عن التعبير ليس فقط عن الفصائل، ليس فقط فصائل مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي وقوى سياسية مثل المبادرة، المبادرة ليست ممثلة في منظمة بينما هناك فصائل تكاد تتلاشى ممثلة، ولكن أيضاً هناك جيل كامل من الفلسطينيين، هناك أجيال من الشتات الفلسطيني عندما تشكّل آخر مجلس وطني فلسطيني بشكل حقيقي في نهاية الثمانينيات، الجيل الذي هو الآن في الأربعينيات كان على مقاعد الدراسة في الجامعات وفي المدارس..

عثمان آي فرح: نعم، يعني في الحقيقة دكتور هناك قضايا شائكة كثيرة وكما ذكرت رامي الحمد الله قال إنّ الوحدة شرط أساسي لينجح وتنجح حكومته، إلى أي مدى يُدرك الفلسطينيون أنّ صورة قضيتهم قد تأثّرت في الذهنية العربية بسبب غياب هذه الوحدة بين الفلسطينيين؟

أحمد عزم: في موضوع الحكومة سريعاً أقول بأنّه إذا كنا نتحدث عن وظائف الحكومة في موضوع إعادة الإعمار والتنمية، فربما الوحدة ضرورية في ذلك الإطار، أما إذا تحدثنا عن الأهداف الفلسطينية العامة وواقع القضية الفلسطينية في العالم العربي وفي الوقت الراهن فالموضوع أكبر كثيراً من الحكومة، أما إذا كان الفلسطينيون يدركون أنّ موقع قضيتهم قد تأثّر بالفعل يعني الفلسطينيون يدركون ذلك جداً، وإن كان للأسف الذي يُدرك ذلك هي النخب الفلسطينية هم المثقفون الفلسطينيون هو الشارع الفلسطيني، أما الفصائل الفلسطينية فهي على مر 3 سنوات أو 4 سنوات خصوصاً بعد الربيع العربي قد مارست ما كان يُسمّى بسياسة الانتظار في محاولة لاستثمار ما كان يحدث من صراعات قوى في العالم العربي في مصر وفي غير مصر الجميع من الفصائل وتحديداً نحن نتحدث عن فتح وحماس بأنّ كلا الفصيلين كان ينتظر كيف ستُحسم خلافات وصراعات في دول عربية محيطة حتى يُسجّل كل فريق نقاطا ضدّ الفريق الآخر، فبالتالي إذا كان من البديهي أنّ القضية الفلسطينية تأثّرت، فإنّ الممارسة السياسية للفصائل لم تعكس فهماً لهذا الواقع ولم تعكس فهماً لمتطلبات حماية القضية الفلسطينية واستمرار الحصول على الدعم لها، إلى ذلك يجب أن يكون واضحاً بأنّ الشارع العربي عادةً والإعلام العربي وبالذات المستوى الشعبي لا يتحرك كثيراً للتضامن مع القضية الفلسطينية إلا إذا تحرك الفلسطينيون أنفسهم، يعني عندما تكون هناك انتفاضة عندما يكون هناك مواجهة عندما يكون هناك حراك معين، من الممكن أن نشهد حالة تصاعد في التضامن ولكن مع حالة الانقسام ومع حالة الترهّل لن يحدث مثل ذلك.

فلسطنة الواقع العربي

عثمان آي فرح: شكراً، وهذا ما سأطرحه في الحقيقة على ضيفي التالي، شكراً لك دكتور أحمد عزم أستاذ الدراسات الدولية في جامعة بيرزيت، شكراً جزيلاً. ولاستجلاء المزيد بشأن موقع القضية الفلسطينية في سلّم الأولويات العربية في الوقت الراهن ينضم إلينا من نيويورك الدكتور مروان بشارة الكاتب والمحلل السياسي، دكتور بشارة يعني هناك مَن يرى أنّ الاهتمام في القضية الفلسطينية قدر تراجع على المستويين الرسمي والشعبي في العالم العربي مؤخراً، إلى أي مدى تتفق أو تختلف مع هذه الملاحظة؟

مروان بشارة: يعني على الأقل على مستوى الانشغالات الرسمية في العالم العربي لا شك بأنّ هناك تراجعا لأنّ هناك بالفعل وضع عربي مزري هذه الأيام، ولهذا يعني المسؤولية الفلسطينية أو مسؤولية القيادة الفلسطينية اليوم هي مضاعفة، أولاً يجب حماية القضية الفلسطينية من الانهيارات في المنطقة ويجب حماية القرار والوحدة الفلسطينية أيضاً من الانقسامات العنيفة التي تجري في المنطقة إضافةً إلى حماية الشعب الفلسطيني من الاحتلال والعنجهية الإسرائيلية وبالتالي نحن بالفعل أمام امتحانات صعبة جداً أمام القيادة الفلسطينية، ولذلك الوحدة اليوم ضرورية حتى وإذا كان هناك اختلاف في ظل الوحدة، ولكن الوحدة على الأسس الوطنية الفلسطينية اليوم ضرورية جداً لأنّه بالفعل هناك حالة من الانهيارات على الأقل الرسمية في الوطن العربي، هل الشعب العربي اليوم مؤيد للقضية الفلسطينية؟ بلا شك، هل هنالك أغلبية ساحقة عربية ما زالت ترى أنّ القضية الفلسطينية القضية الأولى؟ بلا شك، يعني سمعت مؤخراً تقريرا لطيفا جداً عن اللاجئين الفلسطينيين الذين يريدون أن يُعلّموا اللاجئين السوريين في لبنان كيف يمكن العيش كلاجئين، وبالتالي نحن كلنا نعرف أنّ هذه القضية هي لربما أكثر قضية صعبة ومعقدة، وهي أقدم قضية عربية.

عثمان آي فرح: ولكن دكتور ربّما لم نشاهد حراكاً كبيراً في الشارع العربي يدل على أنّ الاهتمام كان مثل ذي قبل فيما يخص المظاهرات فيما يخص أي أمور أخرى في وقت العدوان الإسرائيلي الأخير، لم نشهد ذلك في الشارع العربي على المستوى الشعبي إضافةً إلى ما ذكرته أنت على الجانب الرسمي أيضاً.

مروان بشارة: إذا كنت تذكر في بداية المظاهرات الثورات العربية بعد 2011 كان هنالك يعني عملياً وحدة صف ما بين قضايا الثورات العربية للديمقراطية وللحرية وللعدالة الاجتماعية مع القضية الفلسطينية، وتظاهر المصريون وتظاهر التونسيون وغيرهم مع القضية الفلسطينية، ولكن اليوم إذا نظرنا نظرة واقعية للعالم العربي نرى أنّ هنالك حروبا أهلية أو طائفية أو انهيارات أمنية شاملة في الوطن العربي، وهنالك رجوع تحت عنوان مكافحة الإرهاب، هنالك رجوع لعناوين اضطهاد الشعوب في المنطقة العربية، إذا كان ذلك في ليبيا أو في مصر أو في سوريا أو في اليمن أو في غيرها من الدول، وبالتالي بلا شك أنّ الوضع العربي وضع صعب جداً، المواطن العربي اليوم مثل المواطن الفلسطيني حتى..

عثمان آي فرح: طيب وضع صعب جداً وضع مأزوم، في ظل هذه الظروف التي تفضلت بذكرها، الآن رئيس الحكومة الفلسطينية يوم الأحد سيتوجه إلى القاهرة للمشاركة في مؤتمر لإعادة إعمار غزّة، ما فرص نجاح هذا المؤتمر؟ ونحن نذكر كيف تفاعل العرب على المستوى الرسمي وقت العدوان على غزّة، لم يُدعَ إلى قمّة طارئة، حتى الآن لم نسمع عن جهات كثيرة تتعهّد بإعمار غزّة حتى، ما فُرص هذا المؤتمر في ظل هذه الظروف؟

مروان بشارة: شوف عند الكثير من العرب كما يقولون، العين بصيرة واليد قصيرة، ولكن هنالك أيضاً مَن لديهم عين بصيرة ويد طويلة، وبالتالي يجب أن نتوقع من الذين لديهم يدا طويلة أن يتبرعوا وأن يدعموا الشعب الفلسطيني لأنّنا شعب واحد، فلسطينيون شمال إفريقيا شرق أوسط منطقة الخليج، كلنا شعب واحد وبالتالي التضامن ضروري، وهنالك دول قادرة أن تُساعد، ولكن هنالك دول أخرى غير قادرة اليوم لأنّ لديها مشاكل لا تقل أهمية عن مشاكل الشعب الفلسطيني، لديها حروبا داخلية ولديها هموم لجوء وما إليه، وبالتالي لا بُدّ أن نخرج من المنطق الإنساني الاقتصادي بمعنى أنّه يجب حلّه اليوم في القاهرة وفي غير القاهرة، ولكن أيضاً يجب أن نضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، لأن هذا هو نفس المجتمع الدولي الذي سمح لإسرائيل وأطلق يديها لكي تفعل ما فعلته بغزّة، ولذلك إذا لم تكن إسرائيل اليوم مسؤولة عن دفع 8 مليارات دولار فلتدفعها أوروبا ولتدفعها الولايات المتحدة أولئك الذين دعموا إسرائيل في حربها على غزّة.

عثمان آي فرح: ماذا يمكن أن نقول أنّ العرب خسروا بتراجع القضية الفلسطينية على سُلّم أولوياتهم؟ ونحن كما ذكرت لم تكن هناك قمّة طارئة، هناك جهات عربية ألقت باللائمة على المقاومة، ماذا تخسر كل الأطراف العربية على حدٍ سواء بتراجع القضية الفلسطينية على سُلّم الأولويات والاهتمامات؟

مروان بشارة: شوف هنالك نوع من العملية السياسية الجارية في المنطقة العربية التي هي ربّما أسوأ مما نتصوّر أو أسوأ من طريقة طرحك للسؤال، اليوم ما يجري في المنطقة العربية هو فلسطنة الشعوب العربية، يعني اليوم الشعوب العربية هي ليس فقط هي ضحية للاضطهاد وإنّما هي ضحية لنفس هذه الاضطهادات العنيفة التي عانى منها الشعب الفلسطيني من إسرائيل الدكتاتورية الأولى في المنطقة، الدكتاتورية الأولى بدأت دكتاتوريتها في الـ 48 وأتت بعدها دكتاتوريات جديدة، وبالتالي هنالك فلسطنة للوضع العربي، وبالتالي اليوم يعيش السوريون والعراقيون والليبيون وغيرهم كما عاش الشعب الفلسطيني على مدى عقود، وبالتالي نحن اليوم في خندق واحد إن أردت فلسطينيون وغير فلسطينيين، وبالتالي يجب الخروج فقط من المنطق الاقتصادي البحت إلى المنطق السياسي إلى الفضاء السياسي الواسع لأنّه هنالك يجب أن تكون حلول سياسية لفلسطين وللقضايا العربية، يعني بدون قرارات حاسمة وبدون حلول سياسية أعتقد أنّنا سنبقى في نفس الخندق.

عثمان آي فرح: ما الذي نتحدّث عنه بالضبط، هل ما زالت هناك فرصة لتعود القضية الفلسطينية هي الأولوية الأولى كما كانت والقضية التي تُوحّد جميع العرب كما كانت وقضية حتى كانت تُتاجر بها بعض الأنظمة وتقول لا صوت يعلو على صوت المعركة؟ هل ولّى الزمن الذي كانت فيه القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى المركزية، أم يمكن أن يعود ذلك الزمان، وبأي شروط؟

مروان بشارة: مرّة أخرى بالنسبة للشعوب العربية وكما نقرأ غالبية الاستطلاعات الجديّة حول هذا الموضوع هي ما زالت قضية العرب الأولى ويتفق غالبية العرب حولها، ولكن ما يُقلقني في هذا الموضوع هو ما سمعناه من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأيام الأخيرة في مقابلات مع وسائل الإعلام الأميركية حين قال أنّنا كنا نعتقد أنّ حل القضية الفلسطينية سيكون مدخلا إلى العالم العربي، ولكنّنا اليوم نرى أنّ المدخل إلى حل القضية الفلسطينية هو علاقاتنا مع العالم العربي أو مع بعض الدول في العالم العربي أو مع بعض الدول الهامة في العالم العربي، هنا أعتقد أنّ هذه الأنظمة التي لربّما تحاول أن تناور أو أن تتعاون مع إسرائيل حتى عندما تضرب إسرائيل غزّة كما ضربتها في هذا الصيف، يجب أن تخرج هذه الأنظمة العربية أو يجب أن نُخرجها إلى الفضاء الإعلامي والسياسي لكي نعرف مَن يتعاون مع إسرائيل، يعني إذا كان هناك أنظمة عربية اليوم تتعاون مع إسرائيل في قضايا أمنية وفي قضايا مكافحة الإرهاب لاضطهاد الشعب الفلسطيني ولإنهاء قضيته، هذه قضايا يجب أن نعرفها ويجب أن يتحدّث عنها العرب ويجب أن تُناقش ويجب أن يُفضح هؤلاء الذين يتعاونون مع إسرائيل من وراء الكواليس.

عثمان آي فرح: شكراً جزيلاً لك من نيويورك الدكتور مروان بشارة الكاتب والمحلل السياسي، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نُرحّب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، نلتقي في حلقةٍ أخرى بإذن الله، إلى اللقاء.