تمر الصومال بمرحلة فاصلة من صراعها الطويل، فالمواجهات بين الحكومة الصومالية والقوات الأفريقية من جهة وحركة الشباب المجاهدين من جهة أخرى دخلت مرحلة جديدة، حيث باتت الحكومة تملك زمام المبادرة.


فقد استطاعت بالتحالف مع القوات الأفريقية وبدعم أميركي وأوروبي، استرداد عدة مدن رئيسية وإستراتيجية في جنوب ووسط البلاد، وهو ما مثل بارقة أمل لاستعادة الحكومة الصومالية بعضا من قواها ودورها في إعادة الأمن والاستقرار.

حلقة الاثنين (6/10/2014) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على مسارات الأوضاع في الصومال في ضوء التطورات التي تشهدها البلاد حالياً، والتحديات السياسية والعسكرية التي تحيط بما تحقق من إنجازات، مما يطرح علامات استفهام كبيرة على مستقبل البلاد في الأعوام المقبلة.

لعل الناظر لنتائج "حملة المحيط الهندي" التي تشنها القوات الأفريقية والصومالية ضد معاقل حركة الشباب في جنوب ووسط البلاد، وما حققته من نجاحات عسكرية، قد يسلّم بأن حركة الشباب باتت في أضعف حالاتها.

غير أن المشهد يصبح أكثر تعقيدا عندما ندرك أن قوة الشباب وبنيانها الحركي وتماسكها الداخلي لا تزال كما كانت، رغم ما تواجهه من ضربات عسكرية واستخباراتية أودت بحياة أميرها أحمد عبدي جودني بغارات أميركية، وهو ما يمكنها من شن حرب عصابات معاكسة تستنزف القوات الصومالية والأفريقية.

video

وفي ظل هذه الأوضاع الميدانية، لا يبدو المشهد السياسي أكثر اطمئنانا، فتطبيق مبدأ فدرالية الدولة المنصوص عليه في الدستور الصومالي المؤقت فتح الطريق أمام استقطابات قبلية، وهو ما يمهد الطريق لتحديات ونزاعات أمنية جديدة.

كما أن توتر العلاقة بين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس حكومته، وما يشاع من نية الأول الإطاحة بالثاني على غرار ما حدث لسلفه عبد فارح شردون، سيفتح الباب مجددا أمام أزمة سياسية في البلاد. ويخشى البعض أن ينعكس ذلك سلبا على الإنجازات العسكرية على الأرض.

مصير الشباب
حول هذه التطورات الميدانية والسياسية، يقول الرئيس السابق لتحالف إعادة تحرير الصومال زكريا محمود حاج إن ما حدث لا يعتبر ضربة قاضية لحركة الشباب، ولكنها قد تكون ضربة قاسية، فقد انسحبت ولم تخسر رجالا أو سلاحا، وهي دائما ما تفعل ذلك، تختبئ وتظهر في أماكن وأوقات هي من تختارها.

وأضاف أن الصومال بلد كبير المساحة، والشباب يذوبون في هذه المساحة الكبيرة، وسيعيدون انتشارهم في بعض المدن، وقد تكون مقديشو أول أهدافهم، مشككا في إمكانية أن تهزمهم قوة أحادية الجانب.

وفيما أقر محمود حاج بوجود استعدادات للقوات المسلحة والمخابرات وقوات الشرطة الصومالية، إلا أنه أكد أن القيادة العليا للبلاد دائما تتنازع وتختلف، وهو ما يضعف البلد كثيرا، فضلا عن تنازع العشائر في مراكز القوى، وكذلك إعلان بعض الأقاليم استقلالها عن الصومال وأخرى شبه مستقلة عن سيطرة الدولة.

ويرى أنه يجب أن تكون هناك حلول سياسية مع استخدام القوة الناعمة أكثر، والاستفادة من تجربة الحكومة السعودية في استخدام خليط من إستراتيجيات القوة (علماء الدين ووسائل الإعلام والقوة الناعمة والقوة الصلبة).

جذور تاريخية
لكن المشكلات التي يعاني منها الصومال لها جذور في تاريخ البلاد، التي ابتليت بمستعمرين عديدين في وقت واحد، وهو ما جعل منها أرضاً لتصفية حساباتهم في كثير من الأحيان، وحرم الصوماليين من التعايش بصورة مستقرة مع بعضهم بعضا في مرحلة ما قبل الاستقلال، مما ساهم في الإبقاء على تبايناتهم من دون تشذيب، إن لم يكن قد زادها تعقيدا.

video

وعلى هذه الخلفية شهدت تجربة الدولة الوطنية في الصومال تجاذبات عديدة على مدى تسع سنوات أعقبت الاستقلال، وانتهت بتولي محمد سياد بري الحكم، حيث بقي فيه اثنين وعشرين عاما، بدأت بنهايتها المرحلة الأكثر صعوبة في تاريخ البلاد.

في هذا السياق يقول الصحفي والباحث السياسي محمود شيخ دلمر إن ما يحدث الآن في الصومال أن القادة الصوماليين الحاليين لم يتمكنوا من بلورة الأفكار التي بإمكانها أن تنتشل الصومال لاسيما المناطق الجنوبية.

ويرى أن مشكلة حركة الشباب المجاهدين ورغم أنها المشكلة الأبرز، فإنها ليست المشكلة الوحيدة في الصومال، فهناك الضعف المركزي للدولة بعد أن انهارت أركان الدولة التي كانت أساسا ضعيفة جدا، أضف إلى ذلك أن فترة حكم الجنرال سياد بري كانت تتسم بحكم الفرد الواحد، وهو ما يترك فراغا يصعب ملؤه في معظم الأوقات مثل ما يحدث الآن في ليبيا.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: مسارات الأزمة الصومالية وآفاق الخروج منها

مقدمة الحلقة: فيروز زيّاني

ضيوف الحلقة:

-   زكريا محمود حاج/ الرئيس السابق لتحالف إعادة تحرير الصومال

-   محمود شيخ دلمر/ صحفي وباحث سياسي

تاريخ الحلقة: 6/10/2014

المحاور:

-   انسحاب تكتيكي لحركة الشباب المجاهدين

-   تحديات الأمن الوطني

-   ضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة

-   مسؤولية المجتمع الدولي تجاه المسألة الصومالية

فيروز زيّاني: السلام عليكم وأهلاً بكم في هذه الحلقة من "الواقع العربي" الّتي نسلّط خلالها الضوء على مسارات الأوضاع في الصومال في ضوء التطورات الّتي تشهدها البلاد حالياً.

يمر الصومال بمرحلةٍ فاصلة من صراعه الطويل فالمواجهات بين الحكومة الصومالية والقوات الأفريقية من جهة وحركة شباب المجاهدين من جهةٍ أخرى دخلت مرحلةً جديدة باتت فيها الحكومة تملك زمام المبادرة، فقد استطاعت بالتحالف مع القوات الإفريقية وبدعمٍ أميركي وأوروبي استطاعت استرداد عدة مدن رئيسية وإستراتيجية في جنوب ووسط البلاد وهو ما مثّل بارقة أمل لاستعادة الحكومة الصومالية جزءاً من قواها ودورها في حفظ الأمن والاستقرار، غير أن تحدياتٍ سياسية وعسكرية كثيرة تحيط بما تحقق من انجازات وتطرح علامات استفهامٍ كبيرة على مستقبل البلاد في الأعوام المقبلة.

[ تقرير مسجل]

جامع نور: أين يتجه الصومال؟ سؤالٌ يفتح المجال أمام تحليلاتٍ متناقضةٍ ومعقدة لبلدٍ صار مضرب الأمثال في الاقتتال الداخلي والتدخلات الخارجية، ولعل الناظر لنتائج حملة المحيط الهندي الّتي تشنها القوات الإفريقية الصومالية ضد معاقل حركة الشباب في جنوب ووسط وما حققته من نجاحات عسكرية قد يسلّم بأن حركة الشباب باتت في أضعف حالاتها.

[شريط مسجل]

عبد الولي شيخ أحمد/ رئيس وزراء الصومال: نبشركم بأن الشباب انهزموا، انهزموا لأنهم كانوا ظلمة وكانوا أعداء لأهلهم ولإخوانهم الصوماليين وكانوا أعداء الدين لأنهم أساءوا استخدامه، ندعو دول الجوار الصومالي أن يحذروا ويظلوا مستيقظين.

جامع نور: غير أن المشهد يُصبح أكثر تعقيداً عندما نُدرك أن قوة الشباب وبنيانها الحركي وتماسكها الداخلي ما زال كما كان رغم ما تواجهه من ضرباتٍ عسكريةٍ واستخباراتيةٍ أدت إلى مقتل أميرها أحمد عبد غودني بغاراتٍ أميركية.

[شريط مسجل]

عبد الرحمن عينتي/ مدير مركز هيرتيتج للدراسات السياسية بمقديشو: يُمكن استعادة منطقةٍ أو مناطق من حركة الشباب لكن هزيمتهم شيءٌ آخر، هزيمتهم تحتاج إلى بناء جيشٍ يُمثل الصوماليين عموماً، حركة الشباب كانت توفر قدراً من الأمن والعدالة للمواطنين رغم اختلافنا معهم، التحدي الأكبر هو كيفية الحصول على هذا البديل.

جامع نور: المشهد السياسي ليس أكثر اطمئناناً فتطبيق موضوع فدرالية الدولة المنصوص عليه في الدستور الصومالي المؤقت فتح الطريق أمام استقطابات قبليةٍ وهو ما يُمهد الطريق لتحدياتٍ ونزاعاتٍ أمنيةٍ جديدة كما أن توتر العلاقات الصومالية ما بين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس حكومته وما يُشاع من نية الأول الإطاحة بالثاني على غرار ما حدث لسلفه عبدي فارح شردون يفتح الباب مجدداً أمام أزمةٍ سياسيةٍ في البلاد ويخشى البعض أن ينعكس ذلك سلباً على الانجازات العسكرية على الأرض، باختصار فإن فقدان التوافق الصومالي- الصومالي والرؤية المشتركة للخروج من الأزمة الحالية يُنذر بأن الأمور ستراوح مكانها لفترةٍ أطول، جامع نور- الجزيرة- مقديشو.

[نهاية التقرير]

فيروز زيّاني: لإلقاء المزيد من الضوء على أبعاد وخلفيات التطورات الأخيرة في الصومال ينضم إلينا من مقديشو زكريا محمود حاج الرئيس السابق لتحالف إعادة تحرير الصومال، أهلاً بك سيد زكريا يعني ما نود أن نعرفه إلى أي مدى يُمكن فعلاً الاطمئنان أن ما يحدث هو هزيمة بالفعل لحركة الشباب المجاهدين أم أنه ليس انسحاباً تكتيكياً خاصةً وأنه في كل مرة لا تحدث مواجهة مباشرة بين قواتها والقوات الحكومية والأفريقية وفي كل مرة أيضاً تنسحب بكامل عدتها وعتادها؟

انسحاب تكتيكي لحركة الشباب المجاهدين

زكريا محمود حاج: شكراً لكِ أختي الكريمة أحييكم وأحيي مُشاهديكم.

فيروز زياني: أهلا وسهلاً.

زكريا محمود حاج: كما تفضلتم يعني أنا أعتقد أن ما حدث في مدينة براوة هي ليست ضربة قاضية على الشباب ولكنها قد تكون ضربة قاسية عليهم، تذكري أنهم انسحبوا ولم يخسروا رجالاً ولا رصاصاً وهم يفعلون ذلك في كل مرة وكان هناك مدن أخرى في حد من مدينة براوة انسحبوا بنفس الطريقة ثم ظهروا في أماكن أُخرى، أنا أعتقد أنهم لن يختفوا تماماً بهذا الشكل وإنما سوف يختبئون وسيظهرون في أماكن وأوقاتٍ هم يختارونها لأنهم..

فيروز زيّاني: هل معنى ذلك، نعم سيد زكريا هل معنى ذلك أنهم ربما يهيئون لحرب عصابات كما تقول بعض التحليلات طويلة الأمد تُستنزف فيها هذه القوات الأفريقية والصومالية؟

زكريا محمود حاج: هذه إستراتيجيتهم لمدة لا تقل حقيقةً عن سنة وسنة ونصف يعني الإستراتيجية المُتبعة لديهم هي حرب عصابات، حرب Guerrilla war أو حرب العصابات وهم يفعلون ذلك ويختارون أيضاً هدفاُ مُهماً جداً لمهاجمتهم سواءٌ كان في الصومال أو في بعض البلدان المجاورة للصومال يعني.

فيروز زيّاني: إذا أضفنا إلى ذلك إبقاءهم السيطرة في الواقع نود أن نفهم الواقع عسكرياً كما هو من وجهة نظرك سيد زكريا إذا ما أضفنا إلى كل ذلك إبقاءهم السيطرة على كل المناطق الّتي ينسحبون منها بمعنى تواجدهم في محيط هذه الأماكن، إلى أي مدى يمكن أن يُشكّل ذلك تحدياً أمنياً إضافياً للقوات الصومالية والأفريقية في إبقاء سيطرتها على هذه المدن؟

زكريا محمود حاج: أنتِ تعرفي يا أختي الكريمة أن الصومال بلد كبير مساحةً يعني مساحةً الصومال حوالي تُناهز 700 ألف كيلو ومساحة الإثنية الصومالية في الدول المجاورة تُناهز مليون ونيف يعني من كيلومتر مربع فهم يذوبون في هذه المساحات ولا تنسي أنهم في الأرياف يعني وكثير من الأرياف الصومالية منتشرين وهم أعتقد أنهم سيعيدون انتشارهم في بعض المدن وقد تكون أولى هذه المدن مدينة مقديشو ليختاروا أهدافاً مهمة بالنسبة لهم يعني.

فيروز زيّاني: إلى أي مدى في المقابل سيد زكريا ربما هناك وعي لدى القوات الحكومية ومعها الأفريقية بإمكانية أن تذهب الأمور في هذا المنحى وأن ما يحدث هو مجرد انسحابات تكتيكية كما وصفتها؟

زكريا محمود حاج: الحكومة تعرف ذلك والقوات أنفسهم يعرفون ذلك ولكنني اشك أن القوى أحادية الجانب والقوى الأحادية سوف تهزمهم، تعرفي أن الحروب التقليدية هي الحروب الّتي يُمكن أن تنتج نتائج للقوى الأحادية إنما إذا لم يكن هناك خليط من إستراتيجيات أو استخدام ما يُسمى القوى الناعمة أو القوى الذكية فلن تجدي القوة الصلبة لمجموعات مثل الشباب.

فيروز زيّاني: الآن الوضع داخل هذه المُدن الّتي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها، إلى أي مدى تحسن؟ إلى أي مدى يُمكن أن يكون وضعاً مغرياً للمواطنين لحرمان حركة الشباب المجاهدين من الحاضنة الشعبية أيضاً؟

زكريا محمود حاج: المدن الّتي حررت من قبل القوات الأجنبية وقوات الحكومة قبل براوة عانت كثيراً وآخرها مدينة غريولي ولم يوجد هناك استعداد من قبل الحكومة لمجابهة التحديات الّتي قد تنتج عن هذا التغيير من أيدي الشباب إلى أيدي الدولة، وكما تعلمين أن هناك أيضاً أعمال غير محببة في الصومال وبعضها محرمة في الصومال اقترفت من قبل القوات الأجنبية مثلا اغتصاب النساء الصوماليات كما ذُكر في تقرير Human Rights Watch قبل أسبوعين أو قبل ثلاثة أسابيع على ما أعتقد، إذاً سيكون هناك مشاكل وتحديات تنتظر الدولة من حيث تنظيم وإعادة النظام في هذه المدن، وهم ليسوا بعيدين هم ينسحبون وقد يرجعوا وهم صوماليين طبعا لا يوجد هناك الآن عدد كبير من الأجانب فلا شك أن هناك تحديات أمنية وتحديات اقتصادية واجتماعية في المدن المحررة.

تحديات الأمن الوطني

فيروز زيّاني: وهل تتأهب الحكومة بإيجاد بدائل لها، هل هناك تفكير ونية وبالتالي خطط لإنشاء جيش وطني مثلاً ليكون بديلاً لهذه الحركة؟

زكريا محمود حاج: هناك استعداد للقوات المسلحة وللمخابرات الصومالية وقوات الشرطة جيد ولكن كما تفضلتم في تقريركم القيادة العُليا للبلد دائماً تتنازع وتختلف وهذا طبعاً يُضعف الدولة كثيراً، أيضاً هناك المشكلة الفدرالية والعشائر الّتي تتنازع في مراكز القوى كما أن هناك أيضاً الأقاليم الّتي بعضهم استقلوا أو قالوا بأنهم استقلوا من الصومال وبعضهم شبه مستقلين من سيطرة الدولة، هذه التحديات كلها تجعل الفرص قليلة جداً.

فيروز زيّاني: يعني إن كانت التحديات جسيمة والفرص قليلة، نعم إلى أي مدى يمكن الركون إلى ما تحقق عسكرياً أم أن هناك ربما تفكير جدي في حلول سياسية أيضاً؟

ضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة

زكريا محمود حاج: أنا أعتقد يجب أن يكون هناك حلول سياسية كما قُلت سابقاً يجب أن يكون هناك استخدام القوة الذكية والقوة الناعمة أكثر من القوة الصلبة لأنهم أساساً شبان صوماليين وطبعاً إذا لم تستخدم خليط من هذه فلا يمكن أو الهزيمة تكون بعيدة المنال، إذا أخذنا مثلاً خبرة الحكومة السعودية في 2003 لغاية 2008 قد استخدموا خليطا من هذه الاستراتيجيات وكانت القوة الصلبة واحدة من 4 استراتيجيات منهم مثلاً استخدام أُسر وأقارب الشبان وأيضاً علماء الدين والإعلام، فهذه القوة والقوة الناعمة هي أفضل من القوة الصلبة وهي غير موجودة الآن في الحكومة أو في الصومال.

فيروز زيّاني: أشكرك، واضحة تماماً أشكرك جزيل الشكر من مقديشو زكريا محمود حاج الرئيس السابق لتحالف إعادة تحرير الصومال كنت معنا من مقديشو، المشكلات الّتي يُعاني منها الصومال لها جذورٌ في تاريخ البلاد الّتي ابُتليت بعدة مستعمرين في وقتٍ واحد وما جعل منها أرضاً لتصفية حساباتهم في كثيرٍ من الأحيان الأمر الّذي حرم الصوماليين من التعايش بصورةٍ مستقرة مع بعضهم البعض في مرحلة ما قبل الاستقلال مما أسهم في الإبقاء على تبايناتهم من دون تشديد إن لم يكن قد زادها تعقيداً، وعلى هذه الخلفية شهدت تجربة الدولة الوطنية في الصومال تجاذباتٍ عديدة على مدى 9 سنوات أعقبت الاستقلال وانتهت بتولي محمد سياد بري مقاليد الحكم حيث بقي فيه 22 عاماً بدأت بنهايتها المرحلة الأكثر صعوبة في تاريخ البلاد.

[تقرير مسجل]

فتحي إسماعيل: 23 عاماً مرت على سقوط نظام الجنرال محمد سياد بري الدكتاتوري الّذي حكم البلاد بقبضةٍ من حديد منذ انقلاب 1969 وحتى انهيار حكمه عام 1991 تحت ضربات الحركة الوطنية الصومالية وحلفائها من شيوخ العشائر الشمالية، غياب سياد بري عن المشهد كان معناه تقريباً غياب الدولة وانهيارها إذ سرعان ما واجه الرئيس الصومالي الجديد علي مهدي تمرداً مسلحاً قاده الجنرال محمد فارع عيديد رئيس إحدى أكبر الجماعات المسلحة الّتي لعبت دوراً رئيسيا في الإطاحة بسياد بري، في خضم ذلك التناحر ازدهرت المليشيات وتعاظم دور أمراء الحرب وطفقت الدولة تضمحل وتتفكك وكان أن أعلن الجزء الشمالي من البلاد انفصاله تحت اسم جمهورية أرض الصومال، وإذ تفاقمت الأوضاع أكثر فأكثر فقد واجه السكان ويلات الحرب والمجاعة والنزوح واللجوء حينها ووفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 794 أطلق المجتمع الدولي ما سمّاها عملية إعادة الأمل أواخر عام 1992 بقيادة الولايات المتحدة الّتي أرسلت 27 ألف جندي سيطروا على العاصمة مقديشو لوقف الحرب بين الفصائل وتأمين الطرق لإيصال المساعدات العاجلة للسكان كما أُعلن، لكن الأوضاع سُرعان ما ازدادت تدهوراً مع احتدام حرب الشوارع بين المارينز وقوات عيديد ما أوقع ضحايا أميركيين من بينهم 19 جندياً سُحلت جثثهم، انسحب الأميركيون من الصومال لكن عيديد الّذي أعلن نفسه رئيساً للبلاد عام 1995 ظل بالمرصاد لقوات حفظ السلام الأجنبية قبل أن يُقتل صيف العام الموالي خلال مواجهة مع أحد خصومه المحليين، واحتاج الأمر إلى سنوات حتى عقد فُرقاء الأزمة مؤتمراً في جيبوتي عام 2000 تمخض عنه دستورٌ مؤقت اختير بعده عبدي قاسم الصلاد رئيساً لكن عِدة أمراء حرب رفضوا الاعتراف به ليستمر الاحتراب، عام 2004 عقد القادة الصوماليين اجتماعاً في أثيوبيا اختاروا خلاله حكومةً مركزية بقيادة عبد الله يوسف بديلاً عن الصلاد حسن لكن ما إن حل شهر مايو/ أيار 2006 حتى نشب صراعٌ مسلح على العاصمة بين اتحاد المحاكم الإسلامية وتحالف إعادة السلم ومكافحة الإرهاب سيطرت المحاكم المدعومة من اريتريا على معظم مناطق البلاد لكن هجوماً شنته القوات الأثيوبية أنهى عهدها ومع استفحال ظاهرة القرصنة في المياه الصومالية وبعد قرارٍ دولي بنشر قواتٍ في خليج عدن انتخب البرلمان عام 2009 سابع رئيسٍ للبلاد وهو شيخ شريف شيخ أحمد وقد شهد عهده ترجعاً نسبياً في الصراع ومحاولاتٍ لترميم حُطام الدولة ومؤسساتها، مهمةٌ صعبة واصلها الرئيس الحالي حسن شيخ محمود الّذي يقود البلاد منذ 2012 وتوجه حكومته تداعيات عقدين ونيف من الانهيار الشامل.

[نهاية التقرير]

فيروز زيّاني: للتعرف أكثر على خلفية مشكلات الصومال وآفاق الخروج منها نُرحب من لندن بضيفنا محمود شيخ دلمر الصحفي والباحث السياسي، أهلاً بك سيد محمود نود أن نعود قليلاً معك إلى جذور الأزمة في الصومال هذا التعدد للمستعمرين لأرض الصومال وفي وقت واحد إلى مدى باعتقادك شكل أرضية بالفعل لما نشاهده اليوم في الصومال من حالة عدم استقرار وعدم توحد في أراضيه؟

محمود شيخ دلمر: بالتأكيد لم يكن هناك صومال موحد عندما جاءت القوات الأوروبية واقتسمت أراضي يسكنها شعبٌ ذو قومية واحدة، تدين بدينٍ واحد وتتكلم لغةً واحدة وتربط بينها وشائج كثيرة اقتصادية واجتماعية وثقافية لكن ما كان مفقوداً حتى في ذلك الوقت هو السلطة السياسية المركزية، مثل هذه السلطة السياسية المركزية كانت موجودة في الحبشة في أثيوبيا الّتي ساهمت في يعني اقتسام الأراضي الصومالية كما فعلت القوات الأوروبية المتمثلة بالفرنسيين أو البريطانيين والإيطاليين ولكنها هذا شيء في ذمة التاريخ ما حدث ويحدث الآن هو يعني أن القادة الصوماليين الحاليين لم يتمكنوا من بلورة يعني الأفكار الّتي بإمكانها أن تنتشل الصومال ولاسيما المناطق الجنوبية من الوحدة الّتي وقع فيها.

 فيروز زيّاني: إذا أضفنا إلى هذا الّذي ذكرت ربما تعدد الولاءات القبلية والجهوية باعتقادك سيد محمود إلى أي مدى يشكّل هذا تحدياً كبيراً الآن للحركة رغم كل التقدم الّذي يعني تحرزه على الأرض من خلال استعادتها لمناطق كبيرة إن هي تمكنت بالفعل كما تقول من القضاء على حركة الشباب المجاهدين هل تكون انتهت كل مُشكلات الصومال؟

محمود شيخ دلمر: مشكلة حركة الشباب المجاهدين كانت المشكلة الأكثر بروزاً على الساحة الصومالية ولكنها ليست المشكلة الوحيدة، المشاكل هي يعني وضعٌ يتسم بالضعف المركزي للدولة، أركان الدولة يعني كما يعلم الكل يعني انهارت وكانت يعني أساساً ضعيفة جداً ولا بد أن لا ننسى أن يعني فترة الرئيس السابق محمد سياد بري يعني كانت فترة تتسم يعني بحكم الفرد الواحد، وحكم الفرد الواحد دائم يترك فراغا يعني يصعب ملؤه في معظم يعني الوقت مثل ما نرى الآن في ليبيا نفس القصة، ففي العقدين وزيادة الّتي حكم المرحوم سياد بري الصومال لم يتمكن الشعب من بلورة أي أفكار سياسية ويعني بروز أحزاب وشخصيات سياسية يعني تكون مُستعدة لتسلم يعني مقاليد الأمور في البلاد ولما يعني تمت إزاحته يعني كان هناك فراغ كبير جداً لكن ذلك يعني لا يعني، لا يعني أنه يعني يتحمل المسؤولية كلها ويعني في ذمة الله وفي يعني في قرابة 20 عاماً وفقد سلطته قبل أكثر من 23 عاماً فما الّذي يعني، ما العائق الواقف يعني أمام قادة يعني الصوماليين..

 فيروز زيّاني: هذا ما نود أن نعرفه معك سيد محمود، هل من إمكانية الآن في ظل ما ذكرت في تلك الفترة فترة حكم الفرد الواحد الآن هل هناك إمكانية لتشكل طبقة سياسية حقيقية تكون رافدة للواقع الصومالي خاصةً في ظل ربما مثلما ذكرنا تعدد زعامات الحرب وزعامات العشائرية الآن الّتي لا تشكل إطلاقاً أساساً لدولةٍ حديثة؟

محمود شيخ دلمر: قد يطول ذلك ولكن يعني في نهاية المطاف لا بد وأن يعني تبرز إلى الوجود على الأقل يعني طبقة سياسية أو نُخبة سياسية بإمكانها أن تتسم بقدرٍ من المروءة يمكّنها من وضع شكلٍ أو آخر من نظامٍ بموجبه يمكن حكم الصومال ولاسيما في الجنوب، نحن نعرف مثلاً أن في الجزء الشمالي الّذي تسمى بجمهورية أرض الصومال وأعلن استقلاله بمشاركة الشعب هناك يعني انتخابات وهناك يعني أمن وهناك يعني استقرار لا يمكن مقارنته يعني بما يحدث في الجنوب، وأظن يعني أن التدخل الأجنبي منذ البداية، التدخل الأميركي والتدخل يعني قوات الأفريقية وتدخل أثيوبيا كل ذلك ساهم يعني في خلق تشرذم حال من التشرذم موغلة في التشرذم يعني ليصعب معها يعني الإتيان بأي شيءٍ..

مسؤولية المجتمع الدولي تجاه المسألة الصومالية

فيروز زيّاني: هذا ما يدعونه سيد محمود وقد أشرت إلى العامل الخارجي هذا ما يدعونا للتساؤل ما مدى إمكانية فعلاً هذه القوات الأفريقية أو حتى المجتمع الدولي أن تكون رافداً ومدى التزامها زمنياً ليس على المدى القصير ربما لخلق بيئة تنموية وحتى سياسية رافدة للصومال؟

محمود شيخ دلمر: المشكلة هي أن الحلول المستوردة من الخارج قلّما تأتي بخير، ويعني حتى الانتصارات العسكرية الآن الّتي نُشاهدها على الساحة وهي يعني إذا قسنا الأمور بالمقاييس العسكرية وحدها انجازات هامة جداً ولكنه نصرٌ مستورد، نصرٌ لا يُمكن ولن يمكن أن تحققه القوات الصومالية وحدها بدون هذا الرافد القوي المتمثل بالقوات الإفريقية، فيعني الأمر يحتاج إلى حكمة ويحتاج إلى حِنكة سياسية ويحتاج إلى مرونة من قبل يعني القادة ويعني منهم على رأس السلطة ولكن ذلك يبدو أن يعني الجانب السياسي هو دائم متخلف بالمقارنة بالجانب العسكري.

فيروز زيّاني: أشكرك جزيل الشكر سيد محمود شيخ دلمر الصحفي والباحث السياسي كنت معنا من لندن، إذاً مشاهدينا تنتهي هذه الحلقة من برنامج "الواقع العربي" نُرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر، نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة والسلام عليكم.