تتصدر دولة جنوب السودان -أحدث دولة في العالم- قائمة الدول الهشة (الفاشلة سابقا)، وذلك وفق مؤشرات مختلفة من بينها غياب التنمية الاقتصادية وفساد النخبة السياسية وغياب الشفافية.

ويعاني أكثر من نصف سكان دولة جنوب السودان -التي انفصلت عن السودان في 9 يوليو/تموز 2011- من فقر مدقع رغم أن البلد غني بالموارد الطبيعية والثروات المعدنية وخاصة النفطية.

حلقة الجمعة (24/10/2014) من برنامج "الواقع العربي" سلطت الضوء على الوضع الاقتصادي في دولة جنوب السودان بين الطموح والواقع، وتساءلت: كيف أثر هذا الواقع على وفاء الدولة الحديثة النشأة بالتزاماتها تجاه مواطنيها؟ وكيف يمكن قراءة تجربة دولة جنوب السودان في ظل واقع عربي تثار فيه دعاوى الانفصال في أكثر من بلد؟

القيادي في حزب الحركة الشعبية الحاكم في جنوب السودان أتيم قرنق قال إن أوضاع بلاده تشبه جميع أوضاع الدول الأفريقية حيث تكون "الدول غنية والشعوب فقيرة"، لكنه عزا هذا الوضع إلى ما سمّاها "مشاكل موروثة" من فترة الوحدة مع السودان.

وعن المؤشرات الدولية التي تؤكد استشراء الفساد في الدولة الوليدة، أوضح قرنق أن الفساد مرض اجتماعي قديم اعترفت به الدولة الجنوبية ووضعت آليات لمكافحته لكنها لم تفعّل حتى الآن، وأشار إلى وجود مؤسسة تختص ببحث قضايا الفساد لتقديم من وصفهم باللصوص إلى المحاكمة في القريب العاجل.

ورفض الاعتراف بوجود محاباة قبيلة في جنوب السودان لصالح قبيلة الدنكا، وقال إن هذه الأحاديث "تضخم من جانب الإعلام السوداني".

video

عودة الوحدة
وشبّه إمكانية عودة الوحدة بين السودان وجنوب السودان بشكل مغاير للوضع السابق بأنها "تشبه أحلام العرب بالعودة إلى الأندلس". وقال القيادي بالحزب الحاكم "قررنا التحرر بإرادتنا وتضحياتنا".

وردا على تصدر جنوب السودان قائمة الدول الهشّة، أكد قرنق أن بلاده يعتبر وضعها أفضل من الصومال والسودان والكونغو.

بالمقابل قال الخبير الاقتصادي السوداني محمد الناير إن حلم الدولة الذي صاحب السياسيين وقت الانفصال يكاد يتحول إلى كابوس، مشيرا إلى أن ثلاث سنوات كانت كافية لتحقيق تقدم في مجالات مختلفة بالبلد الذي يتمتع بوجود موارد طبيعية ضخمة في باطن الأرض أهمها البترول.

وأضاف أن النزاعات والحروب التي شهدتها دولة جنوب السودان منعت التنمية وزادت نسبة الفقر ونزوح السكان، وذلك لعدم قدرة الحكومة على توفير مقومات الحياة الأساسية للمواطنين.

إنتاج النفط
وأكد الناير أن إنتاج جنوب السودان من البترول انخفض بنسبة 50% عن وقت الوحدة، مما أثر على الموازنة العامة للدولة التي تعتمد على عائدات البترول بنسبة 99%.

وحمّل السياسيين مسؤولية الأوضاع الراهنة في جنوب السودان، وقال "الحكومة والمعارضة تتحملان الأوضاع التي آلت إليها البلاد".

وردا على اتهامات جوبا للخرطوم بإثارة القلاقل في الدولة الجديدة ومحاولة تعطيل مسيرتها، وصف الناير هذه الأحاديث بأنها "اتهامات غير صحيحة"، موضحا أن السودان لو أراد ذلك من البادية لما سمح للدولة الجنوبية بتقرير المصير ولم تكن لتعترف بها بعد قرار الانفصال.

وأشار إلى أن استمرار الوضع الحالي في جنوب السودان قد يدعم خيار الوحدة مستقبلا بشكل آخر غير ما كانت عليه، ويعطي درسا لأي دولة قد تتأخذ قرار الانفصال.

اسم البرنامج: الواقع العربي                         

عنوان الحلقة: أثر الانفصال على الأوضاع الاقتصادية بجنوب السودان

مقدم الحلقة: محمد كريشان

ضيفا الحلقة:

-   محمد الناير/خبير اقتصادي

-   أتيم قرنق/قيادي في حزب الحركة الشعبية الحاكم

تاريخ الحلقة: 24/10/2014

المحاور:

-   نزاعات أخذت طابعا قبليا

-   خيبة أمل غربية كبيرة

-   أحلام العرب في الأندلس

محمد كريشان: أهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي نُسلط خلالها الضوء على الوضع الاقتصادي في دولة جنوب السودان بين الطموح والواقع وكيف أثر على وفاء الدولة حديثة النشأة بالتزاماتها تجاه مواطنيها، وكيف يمكن قراءة تجربة دولة جنوب السودان في ظل واقعٍ عربي تُثار فيه دعاوى الانفصال في أكثر من بلد.

جنوب السودان ليست فقط الدولة الأحدث نشأة في عالمنا لكنها أيضاً وهي في عامها الرابع تأتي في صدارة قائمة ما يُسمى بالدول الفاشلة وذلك وفق مؤشراتٍ مختلفة من بينها غياب التنمية الاقتصادية وفساد النخبة السياسية وغياب الشفافية، ويُعاني أكثر من نصف سكان دولة جنوب السودان من فقرٍ مدقع رغم أنّ البلد غنيٌ بموارده الطبيعية وثرواته المعدنية وخاصةً النفطية.

[تقرير مسجل]

فتحي إسماعيل: جوبا الـ9 من يوليو/تموز عام 2011 تلك كانت لحظةً تاريخيةً فارقة أبصرت النور فيها دولة جنوب السودان بعد استفتاءٍ شعبي أقر الانفصال عن السودان، يومها طاولت الأحلام والطموحات عنان السماء، ويومها أيضاً توافق رفاق السلاح على نظام حكمٍ يُراعي الموازين القبلية السائدة فكان أن أُسند منصب الرئيس لسيلفا كير ميارديت المنحدر من قبلية الدنكا أكبر قبيلةٍ في البلاد ومنصب نائب الرئيس لرياك مشار ابن قبيلة نوير ثاني أكبر قبيلة، معادلةٌ وإن جنبت الدولة الوليدة صراعاً مبكراً فإنها لم تكن ضامنةً لتحقيق بناء دولةً فاعلة مقتدرة فالسكان الذين يُقاربون 10 ملايين نسمة والجغرافيا التي تفوق 600 ألف كيلومتر مربع تحولت بعد الانفصال إلى عبءٍ لا طاقة لدولةٍ ناشئةٍ به، الثروات وأهمها النفطية ظلت في دائرة الصراعات إن داخلياً أو مع الخرطوم التي هددت في غير ما مرة بمنع تدفق النفط عبر أراضيها، أضف إلى ذلك غياب الاستثمارات الأجنبية نظراً لعدم توفر البيئة الملائمة لذلك مع تواضع البنى التحتية ووسط تقارير واتهاماتٍ عن تفشي الفساد في أوساط النخبة الحاكمة، وكان أن واجهت جوبا عودةً مكثفةً لجنوبيين من الشمال وهو ما مثل عبئاً كبيراً من جهة توفير بيئة استقرارٍ لمواطني الدولة الجديدة، فالخدمات الصحية شبه منهارة تماماً كمنظومة التعليم، أما البطالة ففي ارتفاعٍ مستمر، قبل ذلك وبعده مثّل الغذاء أهم مشاكل جنوب السودان وأكثرها حدة، فقد وصل الأمر بالسلطات ومنظماتٍ دولية أن حذرت من مجاعةٍ غير مسبوقةٍ في البلاد لم تشهدها إفريقيا بأسرها، يُعاني نحو 4 ملايين شخص الجوع والمرض وتعجز جهات الإغاثة الدولية عن مدهم بالمساعدات لنقص التمويل حيناً ولاعتباراتٍ أمنيةٍ أحياناً، ناهيك عن أن الشمال هو المزود الرئيسي بالمواد الغذائية، ولم تكن الطرق بين الخرطوم وجوبا سالكةً دوماً  لا أمنياً ولا سياسياً بالطبع، على أنّ أخطر ما شهدته دولة جنوب السودان ربما هو ما حدث في ديسمبر 2013 عندما اتهم سيلفا كير نائبه مشار بمحاولة انقلاب سرعان ما تحولت إلى قتالٍ دامٍ اجتذب أبناء قبيلتي الدنكا والنوير وحلفائهما امتد إلى ولاية جونغلي بين قبيلة المورلي والنوير والحصيلة مئات آلاف النازحين والمشردين الجوعى والمرضى بينهم عشرات آلاف الأطفال ممن يفتقدون التعليم والحد الأدنى من الرعاية الصحية والغذائية، بينما يكتفي العالم بصيحات الفزع في دولةٍ يوشك حلم إنشائها قبل 3 سنواتٍ ونيف على أن يتحول إلى كابوس.

[نهاية التقرير]

محمد كريشان: وينضم إلينا من الخرطوم الخبير الاقتصادي محمد الناير أهلاً وسهلاً بك، نبدأ من حيث انتهى تقريرنا الذي كنا نتابعه، هل فعلاً حلم هذه الدولة الفتية يُوشك أن يتحول الآن إلى كابوس مع كل الأوضاع التي يعيشها؟

محمد الناير: من المؤكد أن حلم هذه الدولة أو الطموح الذي كان ينتاب الساسة عندما تم إعلان انفصال جنوب السودان في يوليو من العام 2011 يعني أكثر من 3 أعوام الآن، هذا الحلم يكاد يتحول إلى كابوس بالفعل، الآن 3 سنوات أو أكثر من 3 سنوات كانت كافية لتحقيق تقدم بالنسبة للدولة الوليدة خاصةً إذا ما تم توظيف إمكانات وقدرات هذه الدولة الكبيرة التي تتمثل في موارد طبيعية ضخمة وكبيرة منها ثروات ما هي في باطن الأرض لم يُستغل منها حتى الآن سوى البترول الذي كان حينما كان السودان موحداً كان ينتج جنوب السودان ما يعادل حوالي 350 ألف برميل في اليوم وهذه الكمية كانت من الممكن أن تخلق تنمية كبيرة لمواطني جنوب السودان ولكن تراجعت هذه الكمية الآن إلى حوالي 180 ألف برميل في اليوم بعد تعطل كثير جداً من الآبار المنتجة للنفط في ولاية الوحدة أو تقريباً بالكامل وعمل بعض الآبار في ولاية أعالي النيل التي إنتاجها الحالي حوالي 180 ألف برميل في اليوم أقل من 50% مما كان يُنتج في السابق، وبالتالي هذا أثر كثير جداً على الموازنة العامة للدولة في جنوب السودان التي تعتمد على النفط كمورد وحيد بنسبة 99% تقريباً إضافة لموازنة تعتمد على البترول، كذلك الصادرات السودانية التي هي صادرات جنوب السودان وتعتمد أيضاً على النفط فقط والذي يشكل أيضاً 99% من تدفقات النقد الأجنبي على دولة جنوب السودان، بالتالي في ظل النزاعات والحروب التي ظلت مصاحبة لهذه الدولة منذ انفصالها حتى الآن وعدم وجود الاستقرار أثر كثيراً على إحداث تنمية وتوفير الخدمات الضرورية لمواطني جنوب السودان من صحة وتعليم وكهرباء وغيرها من الخدمات الضرورية الأخرى مما جعل معدلات المؤشرات الاقتصادية صعبة جداً، ارتفاع مستوى الجوع والفقر بنسبة كبيرة جداً، نزوح كبير جداً في دولة جنوب السودان ومنها إلى السودان بنسبة كبيرة في ظل النزاعات القبلية وغيرها من الأشياء التي كان من الممكن تفادي ذلك لو كان هناك حكمة من الساسة الموجودين في جنوب السودان كحكومة ومعارضة وتم التوافق على مصلحة جنوب السودان في المرحلة القادمة كان من الممكن أن يتغير الوضع على أرض الواقع.

نزاعات أخذت طابعا قبليا

محمد كريشان: يعني بتقديرك الطبقة السياسية حكومةً ومعارضة هي من يتحمل هذا الوضع، مسؤولية هذا الوضع؟

محمد الناير: بالكامل، مسؤولية هذا الوضع بالكامل تتحملها الحكومة والمعارضة لأن الخلاف الموجود الآن والنزاعات التي هي أخذت طابعا قبليا في نفس الوقت تسببت كثيرا جداً في أن الدولة لا تستطيع أن تبني نفسها، دولة ناشئة تحتاج إلى مقومات كثيرة تحتاج إلى بناء خدمة مدنية قوية، تحتاج إلى بناء قطاع مالي مصرفي أو نظام سوق للمال بصورة قوية، تحتاج إلى بناء دولة بمفهومها الحديث ولكن كل هذا لم يحدث بسبب الصراعات الموجودة الآن سواء كانت صراعات سياسية أو قبلية بين الطبقة الحاكمة وبين المعارضة في جنوب السودان، ولعل كل المساعي للوصول إلى وفاق أو توافق حول هذا الأمر دائماً النتائج تكون غير مبشرة ولو تم إعلاء صوت الحكمة وصوت العقل لمصلحة جنوب السودان وشعب جنوب السودان يمكن أن يتغير الواقع في هذه الدولة في المرحلة القادمة.

محمد كريشان: بعض قادة دولة جنوب السودان يشيرون أحياناً إلى مسؤولية دولة السودان في تأجيج هذا الواقع الصعب داخل دولة جنوب السودان، إلى أي مدى هذا الاتهام فيه بعض الصحة والدقة؟

محمد الناير: لا أعتقد أنّ هذا الاتهام به شيء من الدقة والصحة، لأن الحكومة السودانية لو أرادت ذلك لما سمحت أساساً بإجراء تقرير مصير جنوب السودان، ولما اعترفت كأول دولة تعترف بهذا الدولة الجديدة وقدمت موافقتها لأن تقف مع هذه الدولة في بناء الخدمة المدنية وفي غيرها من الأشياء الأخرى، ولعل هذا كان واضحاً في خطاب رئيس الجمهورية عندما ذهب إلى جوبا في إعلان دولة جنوب السودان الدولة الوليدة، ولذلك لا أرى أنّ هذا الأمر يتسم بالدقة، ولعل حتى الآن الحكومة السودانية تسعى سعيا حثيث لرفع حجم التبادل التجاري بين الدولتين، من المعروف أن جنوب السودان كان يعتمد كثيراً على سلع ضرورية تُنتج في شمال السودان وبالتالي كان من الممكن إذا تم فتح الحدود بين الدولتين وحدث استقرار أمني في الشريط الحدودي من الممكن أن تكون الفائدة متبادلة بين السودان وجنوب السودان، وحتى الآن يتم تصدير نفط دولة جنوب السودان عبر الأراضي السودانية رغم قلة الإنتاج ولكن يتم تصديره حتى الآن وهذا ضمن المصالح المشتركة التي تُحتم أن يكون التعاون بين الدولتين إعلاءً للمصلحة الاقتصادية والمصالح المتبادلة بين الدولتين.

خيبة أمل غربية كبيرة

محمد كريشان: ربما بعض الدول الغربية النافذة على ما تقول الخرطوم أعلنت الآن عن نوع من الندم عن أنها وقفت مع استقلال دولة جنوب السودان، لم تكن تتوقع أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه الآن، هل تعتقد فعلاً بأن ندما أو ما يمكن يُوصف بندم المجتمع الدولي يمكن أن يغير شيئاً الآن من الأوضاع القائمة في دولة جنوب السودان؟

محمد الناير: من المؤكد أن المجتمع الدولي شعر أنه وقع في خطأ فادح ولعل الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية عموماً ساندت في انفصال جنوب السودان وسعت من أجل تحقيق هذا الانفصال لعلها الآن تشعر بخيبة أمل كبيرة، ونحن كنا نلاحظ قبل تطور الأحداث في جنوب السودان كانت الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية تُساند هذه الدولة الوليدة وتحاول أن تستفيد من إمكاناتها وقدراتها وثرواتها في المرحلة القادمة وهذا هو المخطط الأساسي ولكن ما حدث من نزاعات وحروب عطلت مسيرة هذه الدولة أشعر هؤلاء أو المجتمع الدولي بخيبة أمل كبيرة لعلها ساعدت كثيراً في أن يتم إعادة النظر وإعادة التفكير في شكل الدولة الوليدة، وأنا أتوقع إذا استمر الوضع كما هو عليه يمكن أن يكون ذلك داعماً للوحدة المتوقعة في المستقبل، قد لا تكون وحدة بمفهومها السابق ولكن أيا من أشكال الحكم التي تجعل السودان وجنوب السودان في تنسيق تام وكما أنه هذا سيقطع الطريق أيضاً أمام أي دولة في المرحلة القادمة في المنطقة الإقليمية تفكر في أن يُفصل منها جزء أو تكون هناك دولة وليدة يكون مصيرها نفس ما حدث لجنوب السودان.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً لك الخبير الاقتصادي محمد الناير كنت معنا من الخرطوم، هذه الأزمات السياسية التي كنا نخوض فيها الآن كيف انعكست في دولة جنوب السودان وأداء الحكومة في الملف الاقتصادي تحديداً؟ كيف انعكست على واقع مواطني هذا البلد؟ تقارير دولية تُشير إلى أنّ أكثر من مليون طفل في جنوب السودان يعانون من سوء التغذية، كما أنّ هناك عشرات الآلاف من اللاجئين من مواطني هذا البلد الغني بموارده جراء الصراع السياسي وتُشير تقديراتٌ دولية إلى أن أكثر من 4 ملايين ونصف المليون شخص في جنوب السودان يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

[تقرير مسجل]

هيثم أويت- جوبا: بلغةٍ عالميةٍ يُطلقون صرخة استنجادٍ تطالب المجتمع الجنوبي وسلطاته بالاهتمام بالصحة العامة خاصةً لدى الأطفال فحالات سوء التغذية وسط الأطفال أخذت تتزايد في الآونة الأخيرة فبحسب منظمة اليونيسيف فإنّ أكثر من مليون طفلٍ يُعانون سوء التغذية في جنوب السودان.

[شريط مسجل]

فيلما قاهوش/مسؤولة التغذية في الأمم المتحدة: للأسف يوجد نحو مليون طفلٍ تحت سن الخامسة يواجهون خطر سوء التغذية، نريد أن نشكر الحكومة على اعترافها بهذه المشكلة ونعمل معاً مع منظمات الأمم المتحدة لحلها.

هيثم أويت: هنا في هذا المستشفى يتلقى العلاج عددٌ من الأطفال ممن يعانون من حالات سوء التغذية غير أنّ العدد الأكبر من الحالات يوجد في معسكرات النازحين بمراكز الأمم المتحدة المنتشرة في عددٍ من ولايات جنوب السودان، وتقول الأمم المتحدة إنّ أكثر من 100 ألف نازحٍ ممن فروا من الحرب الدائرة في البلاد منذ ديسمبر من العام الماضي يتوزعون في معسكراتها.

[شريط مسجل]

ديرك سيغار/مسؤول أممي لحماية المدنيين في جنوب السودان: وضعٌ صعبٌ للغاية كثيرٌ من الناس لا زالوا يفضلون البقاء هنا لأنهم يشعرون بعدم الأمان خارج المخيم، فخارج المخيمات الأرض جافة لكن داخل المخيمات يوجد فيضان ومياه، رغم ذلك اختاروا البقاء في الداخل وذلك لأسبابٍ أمنية، لا يمكننا أن ندفعهم للخروج بالقوة لكن يمكن أن نخبرهم بأنه في فصل الصيف هناك أماكن آمنة.

هيثم أويت: السنوات الثلاث منذ انفصال جنوب السودان بدأت بآمال لمواطني الدولة الفتية لاستغلالٍ مواردها الغنية إذْ يعتبر جنوب السودان من أكثر البلدان الإفريقية غنى بالموارد المائية والطبيعية خاصةً النفط، لكن سرعان ما تبددت هذه الأحلام نتيجة صراعات داخليةٍ على السلطة قادت الكثير من المواطنين إلى هجرةٍ عكسية إلى دولة السودان مرةً أخرى وآخرون لاذوا بالفرار إلى دولٍ أخرى مثل أوغندا وأثيوبيا وكينيا، وتقول السلطات الحكومية إن الكثير من المشكلات الصحية والأمراض مرتبطةٌ بتدهور الصحة العامة نتيجةً لضعفها.

[شريط مسجل]

كريستوفر سيرفينو/عمدة مدينة جوبا: سوء التغذية والبيئة الصحية مرتبطان عادةً عندما توجد مشكلةٌ في سوء التغذية وبوجد بيئةٍ صحيةٍ سيئة ستجد أمراضاً خطيرةً وبعض الأمراض تنتقل عن طريق الماء وهذا ما يجعل وضع الغذاء بالنسبة للأطفال والمجتمعات صعباً.

هيثم أويت: وعول الجنوبيون في تحسن الأوضاع المعيشية بالنسبة إليهم بانحلال السلام عبد الحوار الدائر الآن بين الحكومة والمعارضة المسلحة في أثيوبيا رغم العثرات العديدة التي تواجه هذا الحوار، تحدياتٌ عديدةٌ تواجه القطاعات الصحية والاقتصادية بسبب الصراع السياسي المحتدم الآن بين الحكومة والمعارضة، إفرازات هذا الصراع قد تقود إلى مزيدٍ من التدهور الصحي والاقتصادي ما لم يتحقق الحل الشامل لهذه الأزمة. هيثم أويت، الجزيرة، جوبا جنوب السودان.

[نهاية التقرير]

محمد كريشان: ومن جوبا ينضم إلينا السيد أتيم قرنق القيادي في حزب الحركة الشعبية الحاكم في جنوب السودان أهلاً وسهلاً بك سيد قرنق، بلد غني وشعب فقير كيف نُفسر ذلك؟

أتيم قرنق: نعم هذه أوضاع الدول الإفريقية فإذا نظرنا إلى الكونغو التي تجاورنا فمنذ 50 عاماً استقلت ومع ذلك الحرب مشتعلة، وحتى السودان بدأت فيها الحرب منذ 1955 وما زالت هنالك حرب حتى الآن ولكن رغم كل هذه المتاعب فإن آمال شعب السودان أو شعب الكونغو بأن هنالك مستقبلا جيدا سيحدث، ولذا في جنوب السودان لدينا مشاكل موروثة من دولة السودان التي لم تكن مستقرة وبالتالي نحن واعون بهذه المشكلات والحرب التي تشتعل أوارها الآن هي حربٌ كنتيجة لتلك الصعوبات التي ورثناها في دولة السودان.

محمد كريشان: نعم أكيد هناك مشاكل موروثة وهناك مشاكل جديدة، من بين المشاكل الجديدة التي تشير إليها عديد التقارير أنّ الفساد يتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي كنا نتابعها، كيف يمكن أن تقدم هذه المسألة؟

أتيم قرنق: نعم الفساد مرض اجتماعي وقديم منذ أيام الفراعنة وموجود حتى في السودان التي انفصلنا عنها وهو مرض موجود في جنوب السودان والدولة الجنوبية معترفة بذلك ووضعت آليات، إلا أنّ هذه الآليات لم يتم تنفيذها ولكن الاعتراف بوجود الفساد شيء معروف لأن الدولة لما تخرج من الحرب وتخرج من مشكلات اجتماعية كانت تحت سلطة أجنبية أكيد لا بد أن تكون أمثال هذه الأمراض الاجتماعية موجودة.

محمد كريشان: مجرد الاعتراف بالفساد بالطبع هذا أمر جيد إلى درجة أنّ رئيس دولة جنوب  السودان سيلفا كير أشار مرة إلى أنّ هناك تقريباً 75 من المسؤولين الذين نهبوا أموال الناس وطالبهم بإعادة هذه الأموال، ولكنه لم يحاكم أحدا ولم يسجن أحدا، غياب العقاب ألا يشجع على مزيد استفحال هذا المرض كما سميته؟

أتيم قرنق: نعم قد يزيد ولكن هنالك جهاز أو مؤسسة تختص ببحث الفساد وتعمل ليل ونهار، وقد يقدم اللصوص والحرامية في المستقبل القريب.

محمد كريشان: هناك أيضاً من بين المسائل المطروحة سيد قرنق أن هناك محاباة قبلية، بمعنى هناك بصراحة محاباة للدنكا وهناك تقريباً تجمع للثروة وللوجاهة الاجتماعية والاقتصادية لدى هؤلاء على حساب الفئات والقبائل الأخرى، هل هذا أيضاً يتحمل مسؤولية ما يحدث الآن من أوضاع اقتصادية صعبة؟

أتيم قرنق: لا هذه يُضخمها الإعلام السوداني والحنين العربي لإعادة جنوب السودان لدولة سودانية أو للهيمنة العربية وهذا مرفوض، هنالك قبلية ولكن ليس بهذه الصورة التي يرسمها هذا الإعلام التي تستقي منها هذه المعلومات.

محمد كريشان: يعني ربما الإعلام خاصةً في دولة السودان يلعب دورا ولكن هناك مصادر أخرى غير الإعلام السوداني، يعني مثلاً في التقارير الدولية في تقرير سنة 2013 المتعلقة بما يُسمى بالدول الفاشلة الآن أصبحت التسمية الدول الهشة ترتيب دولة جنوب السودان كان الرابعة في 2014 أصبحت المرتبة الأولى، كيف يمكن النظر إلى هذا الترتيب الذي بالتأكيد محزن بالنسبة لدولة حديثة العهد بالاستقلال؟

أتيم قرنق: إذا كانت دولة جنوب السودان الدولة الأولى ماذا تقول عن الصومال التي لا توجد فيها حكومة، إلا حكومة مساندة من الوحدة الإفريقية والجيش الكيني والجيش الإفريقي، هذه ليست...

أحلام العرب في الأندلس

محمد كريشان: الصومال سيدي حسب الترتيب، اسمح لي فقط طالما أشرت إلى موضوع الصومال، حسب الترتيب جنوب السودان ثم الصومال ثم جمهورية إفريقيا الوسطى ثم الكونغو ثم السودان، إذن أنتم بهذا الوضع ترتيبكم الأول ضمن هذه المجموعة الخمس الأوائل يعني.

أتيم قرنق: نعم، وكم عمر دولة جنوب السودان وكم عمر دولة السودان؟، عشان إذا كان انتقلت من السنة الأولى وتمتحن مع عائدين الفصل أكيد عائدي الفصل سيكون لديهم معلومات يجوز أكثر منك، وبالتالي نحن نعتبر نفسنا أفضل من السودان وأفضل من الصومال وأفضل من الكونغو التي مضت عليها 50 و 60 سنة من الاستقلال، إننا متفائلون بأننا سنتغلب على هذه المشكلات.

محمد كريشان: دولة جنوب السودان ربما لم تحظَ دولة بتعاطف غربي ومن قوى كبرى لاستقلالها مثلما حظيت به، الآن هناك حديث عن أنّ هذه الدول التي وقفت مع استقلالكم وحتى منظمات حقوق إنسان وغيرها في أوروبا وفي الولايات المتحدة تشعر بنوع من خيبة الأمل أنها دعمت تجربة وتحمست لها لكنها تجدها الآن في هذا الوضع، هل أنتم مقدرون لخيبة الأمل الدولية من دولة جنوب السودان؟

أتيم قرنق: هذه إساءة لسيادتنا وإساءة لنا، هذا الحديث نرجو أن لا يتكرر لقادة جنوب السودان، لأننا بإرادتنا وبقوتنا وبتضحيتنا 2 مليون جنوبي سوداني ماتوا من أجل الاستقلال، ليه نندم نحن لنا دولة جنوب السودان ربيبة غربية ربيبة لأجانب لا أبداً إرادتنا هي التي حررتنا إرادتنا هي التي حققت استقلالنا ومن يندم فليندم فهذا شأنه، أما نحن فسنحل قضايانا وسنمضي إلى الأمام وسنفوت كثيرا من الدول التي استغرقت 50 عاماً الماضية.

محمد كريشان: نعم، باختصار في النهاية كيف تنظرون إلى هذا الحديث الذي يشير إلى إمكانية عودة الوحدة وإن بأشكال مختلفة أو يمكن يجري النقاش حولها لتلافي ما أنتم عليه الآن؟

أتيم قرنق: هذه أشبه بأحلام عودة العرب إلى الأندلس.

محمد كريشان: بهذا الشكل التشبيه معبر، شكراً جزيلاً لك السيد أتيم قرنق القيادي في حزب الحركة الشعبية الحاكم في جنوب السودان، بهذا مشاهدينا الكرام نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج سواءً على موقع فيسبوك أو تويتر، نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة، إلى اللقاء.