حبر كثير سال لتوثيق الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها حكومات ومنظمات وجهات في الشرق الأوسط، وفي قلبه العالم العربي. فلا يبدو أن منطقة أخرى من العالم شكلت مادة لتقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية، كما فعل الشرق الأوسط.

ولكن أي مردود كان لهذه التقارير؟ وما الفائدة من إصدارها؟ ثمّ لماذا يغضّ الطرف عن دول سيرتها في مجال حقوق الإنسان ليست ذهبية؟

يعتقد البعض أن كشف جزء من الحقيقة للرأي العام الدولي أفضل من لا شيء، وإذا كانت التقارير لا تؤدي إلى وقف الانتهاكات، فمن سيوقفها إذاً؟

حلقة الخميس (2/10/2014) من برنامج "الواقع العربي" ناقشت جدوى التقارير الدولية الخاصة بوضع حقوق الإنسان في الدول العربية، والعجز عن توظيف تلك التقارير لتحسين الأوضاع الحقوقية في العالم العربي.

ما الجدوى؟
آخر ما صدر بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، تقرير من الأمم المتحدة رصد انتهاكات على أيدي مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية والحكومة العراقية بحق المدنيين.

وفي تقريرها قالت المنظمة الدولية إن تنظيم الدولة نفّذ عمليات إعدام جماعية وسبى النساء والفتيات وجنّد الأطفال للقتال، ووصفت الانتهاكات بالممنهجة وبأنها قد ترقى إلى جرائم حرب تستدعي المحاكمة.

أما عن انتهاكات الحكومة العراقية فقالت المنظمة الدولية إن النظام العراقي أيضا قتل عددا كبيرا من المدنيين خلال عملياته العسكرية ضد مسلحي التنظيم، واتهم حكومة بغداد بقصف مستشفيات وإحدى المدارس في انتهاك للقانون الدولي.

video

ويبقى السؤال: ماذا بعد هذا التقرير؟ فبالعودة إلى كل التقارير السابقة والصادرة عن الأمم المتحدة أو منظمات غير حكومية مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وغيرها بشأن العراق ودول أخرى في الشرق الأوسط، لن يكون هناك بعد. لم يحاكم قادة إسرائيل بسبب جرائمهم المتكرّرة ضد الفلسطينيين العزّل خلال فترات السلم الهشّ والحروب غير المتكافئة، كما أن التقارير الكثيرة عن انتهاكات طرفي الصراع في سوريا لم تغيّر شيئا.

لم تقلّص الاتهامات من عمليات التعذيب واستهداف المدنيين التي ارتكبها النظام السوري منذ بداية الثورة، ولم توجد آلية قانونية تحاسب مرتكبي تلك الاعتداءات. نفس الشيء ينطبق على المعارضة وخاصّة الجماعات المتشددة والمتهمة بتجنيد الأطفال وقتل مدنيين.

كل هذه التقارير أثارت جدلا في وسائل الإعلام لأيام معدودة فقط. ومن ذلك الجدل أثير التساؤل أحيانا عن طبيعة الجهات التي أصدرت التقرير وآلية عملها ومدى مصداقيتها، وتردّ الأطراف المعنية بالتقارير على الاتهامات باتهامات مضادة من قبيل التشكيك في المعلومات التي استند إليها أو الحديث عن تسييس التقارير أو انحيازها إلى طرف على حساب آخر.

الواقع والأسباب
حول هذا الموضوع يقول مدير برامج التوعية في منظمة العفو الدولية سانجيف باري إن المنظمة لديها عدة مصادر لمعلوماتها، أحدها عن طريق إجراء بحوث مباشرة عبر باحثين يتوجهون إلى مناطق الأحداث، مؤكدا أنه عند توثيق انتهاكات تقوم بها الحكومات أو مجموعات فردية فهذا يعني أن المنظمة تود أن تدعو إلى عالم يحظى فيه الجميع بحقوقهم مهما كانت آراؤهم أو انتماءاتهم.

وأضاف أن الأبحاث والتقارير تجرى بعناية كبيرة وتركيز خاص، وقال "لدينا فرق من الخبراء في المناطق وبالتالي نقوم بمقابلات حريصة ودقيقة جدا ولا نستخدم المعلومات والشهادات التي نشعر أنها غير دقيقة".

وبشأن جدوى هذه التقارير إذا كانت لا تؤثر في الجهات التي صدرت بحقها، قال باري "شاهدت أمثلة حكومات أنكرت علنا انتقادات منظمة العفو الدولية، لكنها غيرت من أساليبها بشكل غير علني حتى لا تتعرض للانتقاد بشكل متكرر".

ويعتبر المسؤول في المنظمة الحقوقية أن أحد الحلول لخلق التأثير المطلوب هو دفع أكبر عدد من الحكومات للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية والتوقيع على ميثاق روما، ليصبح ممكنا محاكمة جميع قادة الدول.

وحول الأسباب التي تحول دون توظيف التقارير الدولية من أجل تحسين الأوضاع الحقوقية في العالم العربي، يقول الخبير في القانون الدولي الدكتور سعد جبار إنه يجب عدم التقليل من أهمية هذه التقارير لأنها تتميز بالدقة والمصداقية في غالب الأحيان، وتوثق الجرائم المرتكبة ضد مجموعات بشرية بسبب الدين أو العرق أو لأي سبب آخر وهو أمر مهم جدا.

ويرى جبار أن سبب عدم جدوى هذه التقارير أن المجتمع الدولي لم يصل بعد مرحلة التنظيم، بحيث تكون هناك آليات كاملة أو مثالية لتطبيق العقوبات على مرتكبي الانتهاكات، فضلا عن تلاقي المصالح الاقتصادية لبعض القوى الدولية الكبرى، وبالتالي صعوبة تطبيق عقوبات عبر الآليات الدولية، بحسب رأيه.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: لماذا لا تؤثر تقارير الانتهاكات الحقوقية بالعالم العربي؟

مقدم الحلقة: محمود مراد

ضيفا الحلقة:

-   سانجيف باري/مدير برامج التوعية في منظمة العفو الدولية

-   سعد جبّار/ خبير في القانون الدولي

تاريخ الحلقة: 2/10/2014

المحاور:

-   تقارير موثقة بأدلة وشهادات حية

-   الازدواجية المطبقة على القانون الدولي

-   خلل في الآليات الدولية

-   آلية تفعيل أساليب المحاسبة والعقاب

محمود مراد: السلام عليكم وأهلاً بكم إلى هذه الحلقة من الواقع العربي نُسلّط خلالها الضوء على التقارير الدولية الخاصة بوضع حقوق الإنسان في الدول العربية والعجز عن توظيف تلك التقارير لتحسين الأوضاع الحقوقية في العالم العربي.

كثيرٌ من الأحبار سالت لتوثيق الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها حكوماتٌ ومنظماتٌ وجهاتٌ في الشرق الأوسط وفي قلبه العالم العربي، فلا يبدو أنّ منطقةً أخرى من العالم شكّلت مادةً لتقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية كما فعل الشرق الأوسط، لكن أيُّ مردودٍ كان لهذه التقارير، آخر ما صدر في هذا الصدد تقريرٌ من الأمم المتحدة رصد انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان على أيدي مسلحي الدولة الإسلامية والحكومة العراقية بحق المدنيين.

[تقرير مسجل]

مريم أوبابيش: تقريرٌ آخر عن انتهاكاتٍ أخرى لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في العراق، اعتمدت الأمم المتحدة على 500 مقابلةٍ ورصدت حالات اعتداءاتٍ مروعة قام بها مسلحو تنظيم الدولة والحكومة العراقية، نفّذ التنظيم- وفق التقرير- عمليات إعدام جماعية وسبي النساء والفتيات وتجنيد الأطفال للقتال، وُصفت الانتهاكات بالمُمنهجة وبأنّها قد ترقى إلى جرائم حرب تستدعي المحاكمة، وقالت المنظمة الدولية إنّ النظام العراقي أيضاً قتل عدداً كبيراً من المدنيين خلال عملياته العسكرية ضدّ مسلحي التنظيم، اتهم التقرير حكومة بغداد بقصف مستشفياتٍ وإحدى المدارس في انتهاكٍ للقانون الدولي، ولكن ماذا بعد هذا التقرير؟ بالعودة إلى كل التقارير السابقة والصادرة عن الأمم المتحدة أو منظمات غير حكومية مثل العفو الدولية وهيومان رايتس وتش وغيرها بشأن العراق ودولٍ أخرى في الشرق الأوسط لن يكون هناك بعد، لم يُحاكم قادة إسرائيل بسبب جرائمهم المتكرّرة ضدّ الفلسطينيين العُزّل خلال فترات السلم الهش والحروب غير المتكافئة، والتقارير الكثيرة عن انتهاكات طرفي الصراع في سوريا لم تُغيّر شيئاً، لم تُقلّص الاتهامات من عمليات التعذيب واستهداف المدنيين التي ارتكبها النظام السوري منذ بداية الثورة ولم توجد آلية قانونية تُحاسب مرتكبي تلك الاعتداءات، الشيء نفسه ينطبق على المعارضة وخاصةً الجماعات المتشدّدة والمتهمة بتجنيد الأطفال وقتل المدنيين، تُثير كل التقارير جدلاً في وسائل الإعلام لأيامٍ معدودة وفقط، ضمن ذلك الجدل التساؤل أحياناً عن طبيعة الجهات التي أصدرت التقرير وآلية عملها ومدى مصداقيتها، ترد الأطراف المعنية بالتقارير على الاتهامات باتهاماتٍ مضادة من قبيل التشكيك في المعلومات التي استُند عليها أو الحديث عن تسيس التقارير أو انحيازها لطرفٍ على حساب طرفٍ آخر، كما حدث في التقرير الذي اتهم النظام المصري بارتكاب جرائم ضدّ جماعة الإخوان وأنصارها خلال أحداث رابعة، الجدل الآخر هو ما الفائدة من إصدار تلك التقارير؟ ثمّ لماذا يُغضّ الطرف عن دولٍ سيرتها في مجال حقوق الإنسان ليست ذهبية؟ يعتقد البعض أنّ كشف جزءٍ من الحقيقة للرأي العام الدولي أفضل من لا شيء، وما دامت التقارير لا تُؤدّي إلى وقف الانتهاكات مَن سيوقفها إذن؟

[نهاية التقرير]

محمود مراد: لإلقاء مزيدٍ من الضوء على ظروف إعداد التقارير الحقوقية الدولية نُرحّب بضيفنا من واشنطن السيد سانجيف باري مدير برامج التوعية في منظمة العفو الدولية، مرحباً بك سيّد سانجيف، ما هي الظروف التي تقومون من خلالها والآليات التي تقومون من خلالها بإعداد هذه التقارير؟ على أي شيء تعتمدون أو على أي جهة تعتمدون في استقاء المعلومات التي تضعونها في تقاريركم؟

تقارير موثقة بأدلة وشهادات حية

سانجيف باري: إنّ منظمة العفو الدولية لديها عدّة مصادر لمعلوماتها، أولاً أنّنا نقوم ببحوث مباشرة من قِبل باحثين الذين يتوجهون على شكل فرق عمل إلى مختلف دول العالم لتوثيق ما يحصل فيها، ليس في الشرق الأوسط بل حتى هنا في الولايات المتحدة الأميركية عدد من زملائي توجهوا مؤخراً إلى مدينة الولايات المتحدة استخدمت فيها قوات الشرطة قوة مفرطة ضد المتظاهرين  هنا في الولايات المتحدة، وبالتالي سواء كان الحديث عن مصر أو العراق أو إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة أو حتى الولايات المتحدة فإن منظمة العفو الدولية توثق الحقائق على الأرض وبعد ذلك تقدم تقارير إلى العالم حولها لكي يعرف العالم ما يحصل في مجال حقوق الإنسان.

محمود مراد: كثيراً ما يكون الأشخاص الذين تعتمدون عليهم منخرطون في السياسة في البلدان التي يقومون بإعداد التقارير فيها، كيف تضمنون عدم انحياز هؤلاء لتلك الجهة على حساب جهاتٍ أخرى أو العكس؟

سانجيف باري: في الحالات الكثيرة الواقع وأغلبها حيثُ هناك حقوق إنسان منتهكة من قبل حكومات يكون لديهم فعلاً ناس آرائهم الخاصة  بهم لكن هذا لا يعني أنّهم يجب أن يتعرضوا إلى السجن أو التعذيب، عندما توثّق منظمة العفو الدولية انتهاكات تقوم بها الحكومات أو حتى مجموعات فردية مثل الدولة الإسلامية فهذا لا يعني أنّ منظمة العفو تدعم الأجندة السياسية لضحايا تلك الانتهاكات بل يعني ذلك أنّ منظمة العفو الدولية تود أن تدعو إلى عالم يحظى به الجميع بحماية حقوقهم مهما كانت آرائهم وما يعبرون عنه.

محمود مراد: طيب كثيراً أيضا ما تنبني تقاريركم عن شهادات مُستقاة من أناس يقولون أنّهم تعرضوا لانتهاكات لحقوق الإنسان، كيف تميزون الصادق من الكاذب في هذا المجال؟

سانجيف باري: هذا يتطلب عناية كبيرة وتركيز خاص ولهذا السبب فإنّ منظمة العفو الدولية لديها فرق من الخبراء ليسوا جديدين في المنطقة بل لديهم خبرة سنوات طويلة من المنطقة نفسها أحياناً وبالتالي فإنّنا  نقوم بعمليات مقابلات حريصة ودقيقة جداً وعندما لا نكون متأكدين من الوقائع لا نستخدم المعلومات في تقاريرنا، فغالباً ما نجمع كثير من المعلومات والشهادات لا ننشرها لاحقاً لأننا لسنا متأكدون منها تماماً وعندما نشعر بأنّ الشاهد أو أنّ من بقي على قيد الحياة بعد انتهاك حقوقه هو يقدم رأيه قد يكون منحازاً، فأنّنا نضع خبر يدّعون قول ذلك أو يدّعون فعل ذلك فعلى سبيل المثال في المملكة العربية السعودية نعلم أنّ هناك نمطا من الأشخاص يتعرضون للتعذيب وبعد ذلك يعترفون بجرائم ولكن لا نعرف هل أنّ هذا يحصل دائماً وفي كل الحالات، ودائماً لدينا أنماط كهذه نشاهدها غالباً.

محمود مراد: تقريباً لا تعي ذاكرتي أي حالةٍ وجّهت ضدها أو أي جهة دولة منظمة وجّهت ضدها تقارير تُدينها بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وأقرّت هذه الجهة بأنها مذنبة أو تعهدت بتصحيح الأوضاع في نهاية المطاف لا يوجد مجرم يقول بسهولة انه أجرم أو ارتكب انتهاكات ما جدوى هذه التقارير؟

سانجيف باري: كما تعلمون أنّ هناك أحيانا أمثلة تعترف بها الحكومات علناً أو أنها تغير ممارستها بشكل خاص دون العلم لأنه بناءً على توصيات منظمتنا ولكنك محق نعم ليس هناك الكثير من الأمثلة وغالباً ما نجد أنّ الحكومات لا ترغب بالاعتراف علناً بأنها استخدمت العنف أو انتهكت حقوق الإنسان، ولكن رغم ذلك أنا شخصياً شاهدت بأمُّ عيني أمثلة من الحكومات من البحرين إلى إسرائيل أنكرت علناً انتقادات منظمة العفو الدولية ولكنها وبشكل غير علني غيرت سلوكياتها وأساليبها لكنها لا تكون معرضة للانتقاد بشكل دائم وبشكل علني لذلك فإنّ وجود منظمات حقوق إنسان مستقلة مثل منظمة العفو الدولية أمر مهم جداً.

محمود مراد: طيب ربّما هناك بعض الصعوبات التي تكتنف عملكم، هل تضمنون حماية الشهود الذين يُدلون لكم بمعلومات تُضمّنونها تقاريركم؟

سانجيف باري: إننا دقيقون وحريصون جداً عندما يتعلق بأسماء الأشخاص الذين ننشر أسماءهم ومن لا ننشر أسماءهم فإننا أحياناً لا ننشر أسماء كل الأشخاص إلا إذا كنا على اتصال بهم وتأكدنا بأنّ ذلك لن يُسبّب لهم أو يضعهم في خطر أو يؤذيهم، وافتنا حالات ووصلتنا تقارير لكنّنا لا ننشر أسماء الأشخاص الذين تعرضوا للعنف أو التعذيب أو انتهاكات أخرى لأنّنا نتأكد من حمايتهم وعدم تعرضهم للمزيد من العنف.

محمود مراد: دعني أضرب لك مثلاً الشاهد الرئيسي الذي اعتمد عليه تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش في توثيق ما جرى في فض اعتصام رابعة العدوية في مصر، هذا الشاهد جرى اعتقاله بعد أن ظهر هذا التقرير إلى العلن، ماذا تصنعون في الحالات المشابهة؟

سانجيف باري: أنا لا أستطيع أن أتحدث عن ذلك المثال بالذات لأنّ تلك المنظمة هيومان رايتس ووتش منظمة تختلف عنا، ولكن ما أستطيع أن أقوله هنالك كثير من الأشخاص الذين يتسمون بالشجاعة في مصر وفي الدول الأخرى في الشرق الأوسط مستعدّون ويرغبون بالكلام علناً وإعطاء أسمائهم حتى لو كان ذلك يُعرّضهم للمخاطر لاحقاً، في كثير من الحالات نجد أنّ منظمة العفو الدولية تستجيب لطلبهم إذا ما تأكدّت من صحة معلوماتهم، ولكن هناك حالات أخرى يختار فيها الشهود إعطاء معلومات دون كشف أسمائهم وهذا أمر نحترمه، وعندما يكون الشخص مدافعاً عن حقوق إنسان وعندما يكون من دعاة حماية حقوق الإنسان وهم بأنفسهم قد أُدخلوا السجن أو تعرضوا للتعذيب بسبب نشاطاتهم، فإنّ منظمة العفو الدولية تُركّز الأضواء عليهم، أحد الأشخاص مثال على ذلك هو رجل فلسطيني اسمه مراد شتيوي، ومراد هو رجل التقيت به قبل سنة في قريته الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة وهو اليوم يقبع في سجنٍ عسكري إسرائيلي لأنّه احتجّ على بناء المستوطنات، وإنّنا نعمل بجد كبير للإعلان عن قضيته في كل العالم، لأنّه لا ينبغي إرسال أي شخص يحتج على الاحتلال الإسرائيلي إلى السجن.

محمود مراد: طيب ربّما من بين الصعوبات أيضاً التي تكتنف هذا النشاط، نشاط منظمات حقوق الإنسان هو الاتهام الذي يوجّه لكم دائماً بالتسيس والارتهان بمصالح الدول العظمى تحديداً الولايات المتحدة عادةً ما يكون الاتهام موجّهاً بالارتهان بمصالح الولايات المتحدة، كيف تتصرفون لنفي هذه الشبهة عنكم؟

سانجيف باري: شخصياً عملت وبجدّ كبير لمحاسبة وزارة الخارجية والبيت الأبيض الأميركي عندما ساهموا في عمليات انتهاك لحقوق الإنسان أو دعموا ذلك، فعلى سبيل المثال قبل فترة مؤخراً قدمنا أكثر من 1200 توقيع للرئيس أوباما لمطالبة الولايات المتحدة بإيقاف تزويد إسرائيل بالأسلحة والدعم، فرض حظر للسلاح على حماس وإسرائيل والمجموعات المسلحة، وهناك أمثلة أخرى على انتقادات منظمتنا للحكومة الأميركية وأسلوبها وعملها بما في ذلك ما تقوم به في غوانتانامو، إذن منظمة العفو الدولية تعمل بجد كبير سواء كانت الولايات المتحدة التي تحمي إسرائيل أو روسيا وهي تحمي الحكومة السورية وتمنع محاسبتهما على المستوى الدولي، إنّنا نعمل بجد كبير حتى على محاسبة الدول الكبرى ذات النفوذ.

الازدواجية المطبقة على القانون الدولي

محمود مراد: لكن لعلّك لا تُنكر أنّنا نعيش في عالم تحكمه شرعة القوى يحكمه الأقوياء، هل هناك وسيلة أو هل هناك تصور لديكم لتفعيل التقارير التي تصدرونها بحيث يُعاقب الأقوياء كما يُعاقب الضعفاء؟ كما أنّ الرئيس السوداني على سبيل المثال صدرت بحقّه مذكرة من قِبل المحكمة الجنائية الدولية، لماذا لا يكون مذكرات مماثلة في حق قيادات دول قوية مثل إسرائيل مثل الولايات المتحدة وغيرها؟

سانجيف باري: نعم إنّك محق تماماً في الإشارة إلى أنّ هذا عالم قاسي وتحكمه القوة وأنّ الذي يتحكم بالقوة يستخدم هذه القوة على حساب الآخرين ولا يمكن محاسبته، أنت محق تماماً في ذلك هذه إحدى التحديات الكبيرة التي نواجهها في عصرنا الحديث في هذا العالم، أحد الحلول هو أن ندفع الحكومات وأكبر عدد من الحكومات للانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية التي تستطيع أن تحقق في مثل هذه الاتهامات بل وحتى أن تُصدر مذكرات اعتقال عندما تُدين الشخص بارتكابه انتهاكات لحقوق الإنسان، لذلك منظمة العفو الدولية تدعو كل مَن يرفض السلطة الفلسطينية والحكومات الأخرى للانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية بالتوقيع على معاهدة روما وهو القانون الذي أسّس محكمة الجنايات الدولية، وفي حالات أخرى آنذاك يمكن لهذه المحكمة الدولية أن تُحاسب جميع قادة الدول.

محمود مراد: شكراً جزيلاً لك السيد سانجيف باري مدير برامج التوعية في منظمة العفو الدولية كان معنا من واشنطن شكراً لك على هذه المساهمة، وللوقوف على الأسباب التي تحول دون توظيف التقارير الدولية من أجل تحسين الأوضاع الحقوقية في العالم العربي معنا من لندن الدكتور سعد جبّار الخبير في القانون الدولي مرحبا بك دكتور سعد، هل هي مشكلة مجتمعات لا تعي ثقافة حقوق الإنسان أم هي مشكلة هياكل تنظيمية وأنظمة سياسية تقف ضد حركة التاريخ ولا تستوعب مثل هذه المفاهيم؟

سعد جبّار: يجب أن  لا نقل بأي حالٍ من الأحوال من أهمية هذه التقارير، تقارير خاصة تقارير منظمة العفو الدولية لأنها تتميز بالدقة وبمصداقية في غالب الأحيان، لأنها لا تعتمد على تقارير تأتي من مواطني دولة بمعنى لو وضع يعني نتكلم عن الوضع في سوريا فأنه لا يعتمد فقط على الباحثين السوريين بل على شهود ويدقق في هؤلاء الشهود والحقائق بالنسبة للعراق نفس الشيء والدول الأخرى لكن ما يمكن أن يُقال هو أنّ هذه التقارير توثق والتوثيق مهم في كل أنواع الجرائم سواءً الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص من قبل حكومات أو الجرائم المرتكبة ضد مجموعات بشرية أو ضدنا بسبب الدين أو العرق أو لأي سبب من الأسباب الأخرى وعليه التوثيق هو أهم خطوة بعد التوثيق تبدأ محاولات الإشهار والإعلام عن ما حدث هذا مهم جدا لأنه تحدثتم مع أميركا، أميركا ومنظمة العفو الدولية في كل سنة تُدين عملية الإعدام لأنها ضد الإعدام عقوبة الإعدام في أميركا وإعدام القُصّر وعليه فإنّ منظمة العفو الدولية لا تستثني أي دولة تخرق حقوق الإنسان، الآن نخل في أكبر حقل ألغام هي نتذكر في أثناء الحرب الباردة عندما كان هناك الاتحاد السوفييتي فكانت إذا كانت هنا كتقارير منظمة العفو الدولية تُدين أميركا فإن الاتحاد السوفييتي في صحفه وإعلامه يبرز تلك التقارير والعكس على المعسكر الرأسمالي يُبرز ما يحدث في الاتحاد السوفييتي والدول الشيوعية وعليه هنا كالملائمة السياسية، متى تُنفذ أو عندما يكون هنا  كتقرير مُدين لنظام معين، لمؤسسات معينة ترتكب جرائم ضد الإنسانية، ترتكب جرائم فردية أو إعدامات خارج إطار القانون، فتأتي الآلية بكيفية الردع أو العقاب، المجتمع الدولي لم يصل بعد إلى مرحلة التنظيم بحيث هناك آليات كاملة أو آليات مثالية بقانون الجنائية الدولية أو قانون ملاحقة المجرمين ...

خلل في الآليات الدولية

محمود مراد: طيب أنا دعني أضرب لك المثل من كلامك أنت عندما تتحدث عن عمليات الإعدام في الولايات المتحدة فهذه عمليات تتم في إطار القانون الذي أعدّه نواب منتخبون من الشعب الأميركي يعني توافق المجتمع على هذه القوانين، لكن أنا أتحدث عن انتهاكات خارج إطار القانون حتى تصل إلى حد القتل في نطاق واسع في المجتمعات العربية ومع ذلك أحياناً لا تثور ثائرة هذه ولا يهتز لها جفن ولا تُبدي كثيراً من القلق إزاء مثل هذه الممارسات وفي المقابل أيضا تُصمّ السلطات والأنظمة السياسية آذانها عن هذه الانتقادات الموجهة من قِبل منظمات حقوقية، أين يكمن الخلل الحقيقي في رأيك في عالمنا؟

سعد جبّار: الخلل الحقيقي هو في الآليات الدولية مثلاً مجلس الأمن يمكنه إحالة مثلاً ليبرمان أو إحالة أحد المسؤولين الإسرائيليين موضوعه إلى محكمة الجنايات الدولية، هل يتم ذلك بالنسبة لآليات مجلس الأمن الذي بإمكانها أن تفعل ذلك فهذا إن تم تقديم أي تقرير بهذا الشأن إلى مجلس الأمن لاتخاذ قرار بشأنه فلن تتم الإحالة لأن أميركا تستعمل الفيتو أو دولة أوروبية أخرى أو تنصح الدول الكبرى مقدمة التقرير لكي نلاحق شخصية معينة في إسرائيل مثلاً فإنّنا سنستعمل الفيتو فتتوقف العملية وتتوقف الآلية هناك، إذن الملائمة السياسية المصالح في بعض الحالات المصالح الاقتصادية فيها دول عربية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالدول الغربية لأنّه بسبب بيع الأسلحة بسبب أن هذه الأنظمة تتناسب أو تتماشى مع مصالح الغرب في استغلال الاقتصاديات العربية بدل أكبر الآن مكانا ومجال لبيع الأسلحة هو المنطقة الخليجية مثلاً لكن كيف استعملت هذه الأسلحة بالنسبة للردع لا زالت تلك الدول تخشى وكأنّ إيران هي الغول الأكبر لها، أين ذهبت تلك الأموال؟ لذلك تسكت إذا هناك تجاوزات كبرى وهناك تجاوزات كبرى في المنطقة العربية وخاصة..

محمود مراد: دكتور سعد تقول أنّه بدون فك هذا الارتباط بين المصالح الاقتصادية للدول العظمى في هذه المنطقة أو في المنطقة العربية وبين ممارسات حقوق الإنسان فإنّه لا أمل في تحسين هذه الممارسات؟

سعد جبّار:هي طبيعة الأنظمة لنذكر ونأخذ مثلا نظام القذافي كان هناك دائما إدانة لما يقوم به القذافي أو صدام حسين لكن كان هناك دائماً سكوت مُبرر مع ما يجري في بعض الدول الصديقة والمتحالفة مع الدول الغربية والديمقراطيات الغربية، خذ مثلا مثال السيسي كيف استُقبل  في..، كيف تتعامل معه تلك الدول الغربية تتعامل معه مثلاً أصبحت وزارات معينة تتعامل مع مصر مثلاً البنتاغون يتعامل مع الملف المصري أو وزارة الخارجية تتعامل مثلا مع ملف دولة عربية فرغم أن هناك خروقات لحقوق الإنسان وصلت إلى الجينوسايد الإبادة الجماعية مثلاً في رابعة العدوية الذي لو كان نظام غير صديق أو يناسب الغرب لما تم ذلك، أنظر مثلا في بورما ميانمار لما كانت زعيمة المعارضة درست في أكسفورد وهي ضد النظام العسكري القائم وعلى الوتيرة الغربية جُعل منها أيقونة من أيقونات الدفاع عن حقوق الإنسان وأنها هي قاعدة التغيير واعتمدت كأنها سجينة رأي من ناحية حقوق الإنسان وسجينة رأي كانت لكن الدفاع وإبرازها بينما لو تتحدث عن غوانتانامو المشكلة الأساسية في الدول الغربية كلّها كانت تنتقده...

آلية تفعيل أساليب المحاسبة والعقاب

محمود مراد: هذه كلها ممارسات السلطات التنفيذية في الدول العظمى لكن هناك سلطة أخرى مستقلة عن هذه السلطات وهي السلطة القضائية أعني أنه يمكن سلوك مسالك قانونية لمحاسبة المسؤولين في البلدان العربية عن انتهاكات حقوق الإنسان ما مدى سهولة ونجاعة مثل هذا المسلك؟

سعد جبّار: نحن رأينا ما حدث عندما تم استعمال القضاء مثلاً في بريطانيا وبعض الدول الأوروبية بالنسبة للإسرائيليين فأصبح المسؤولين الإسرائيليين يخشون المجيء مثلاً إلى بريطانيا فماذا تم؟ تم تغيير القانون بحيث يمُنع رفع هذه الدعاوى إلا بموافقة النائب العام والنائب العام مثلاً في بريطانيا هو مسؤول سياسي وعليه عندما يُنظر إلى موضوع مسؤول إسرائيلي يسكت ويقول لا، لا يجوز تحريك هذه الدعوى ضده نحن نحجز هذه الدعوى بالنسبة لدول أوروبية أخرى التي فتحت الاختصاص ضد جرائم حرب ضد جرائم ضد الإنسانية تم الضغط عليها مثل اسبانيا، بلجيكا لتغيير القانون لكي لا تُلاحق الشخصيات من دول صديقة أو دول حليفة وعليه هناك ازدواجية وهناك تضارب في المصالح لكن هذا لا يُقلّل بل يُعزّز ضرورة وجود منظمات مثل منظمة العفو الدولية لأنها تصل إلى الإعلام تصل إلى الإشهار ما يتم في البلدان هذه غوانتانامو مثلاً الخطر أين ما كانت تنتقد به الاتحاد السوفييتي والدول الشيوعية والدول الاستبدادية باللجوء إلى إطار خارج قانوني لاعتقال ناس بدون وجه حق أو اعتقالهم خارج القانون مثل غوانتانامو، لماذا تم حبس هؤلاء لغوانتانامو لكي لا يخضع..، لأنهم أخرجوا هؤلاء المتهمين أو المعتقلين من دائرة القانون الأميركي الذي لا يمنع بحبس شخص بعد استجوابه..

محمود مراد: طيب سريعاً، سريعاً في أقل نصف دقيقة إذا كان لا أمل في الدول الغربية أو الدول العظمى للتدخل في هذا المنطقة ما لم تتقاطع المصالح، هل هناك أمل في تفعيل أساليب المحاسبة والعقاب في الدول العربية؟

سعد جبّار: لذلك ذكرت منذ البداية التوثيق مهم لأنّ الجرائم التي تُرتكب جريمة التعذيب، جريمة القتل خارج إطار القانون من قبل الحكومات، جرائم الإبادة الجماعية، التجويع الجماعي، الترحيل الجماعي لأسباب الجنس والعرق أو الانتماء القبلي أو الديني أو اللغوي هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم لذلك فإنّ أكثر الدكتاتوريين يخشون ويطالبون في بعض الأحيان أنهم يتخلوا عن الحكم بشرط أن تُمنح لهم الحصانة مثلما حدث بالنسبة لبيونشيه في تشيلي..

محمود مراد: شكراً، أعتذر منك على المقاطعة شكراً للدكتور سعد جبّار أستاذ القانون الدولي كان معنا من لندن، وبهذا مشاهدينا الأعزاء تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي، نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي فيسبوك وتويتر ونلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة والسلام عليكم.