بدأ الرئيس السوداني عمر البشير زيارة للقاهرة تستغرق يومين يلتقي خلالها نظيره المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويُتوقع أن تتصدر ملفات مثلث حلايب وشلاتين وسد النهضة الإثيوبي والتطورات في المنطقة, المحادثات بين الجانبين.

حلقة السبت (18/10/2014) من برنامج "الواقع العربي" ناقشت العلاقات المصرية السودانية في ضوء زيارة البشير إلى القاهرة.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة بحري بالسودان حمد عمر حاوي استبعد إمكانية تأسيس تحالف إستراتيجي بين النظام المصري ونظيره السوداني بسبب الخلافات الأيدولوجية بينهما، مشيرا إلى إمكانية التنسيق بين الجانبين في بعض القضايا الأمنية البسيطة بالإضافة للملفات الاقتصادية.

وأكد حاوي أن ملف سد النهضة يمثل "قضية شائكة" في العلاقات بين الطرفين حيث إن السودان سيستفيد من السد بصورة كبيرة، لكنه يريد الحفاظ على علاقته بالجارة مصر التي تخشى على أمنها المائي بسبب هذا السد.

وقال إن الزيارة لا يمكن أن تضع نهاية لهذه المشكلة، مضيفا أن السودان يحتاج لعلاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية ولا يمكنه الاستغناء عن أي منها.

وتابع "المهم كيفية إدارة العلاقات مع جميع الأطراف بحالة من التوازن"، وذلك بعد تأكيد حاوي على أن السودان محسوب على الحلف التركي القطري المساند لثورات الربيع العربي وتيار الإسلام السياسي.

علاقة حتمية
من جهته أشار المحلل السياسي رجب الباسل إلى وجود معيار "الحتمية" في العلاقات الدولية بين البلدان، مؤكدا أن نهر النيل والارتباط الجغرافي جعل الدولتين لا يمكنهما التخلي عن بعضهما.

وقال الباسل إن ملف المياه بالنسبة لمصر هو الحياة وهذا سبب أهمية السودان للقاهرة، وبالمقابل السودان يهمه توطيد العلاقة مع مصر بصفتها البوابة الشمالية، بالإضافة إلى الثقل الإقليمي والدولي التي تتمتع به القاهرة.

وبشأن قضية حلايب وشلاتين، أوضح المحلل السياسي أنه يمكن مناقشتها في جلسة خاصة بين البشير والسيسي ولن تثار أمام الإعلام لأن "أي رئيس سيتكلم في هذا الملف سيخسر"، وشدد في الوقت ذاته على أن القضية القديمة يستغلها النظامان داخليا بصورة أكبر مما تشغلهما في واقع الأمر.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: زيارة البشير للقاهرة ومستقبل العلاقات بين الجارتين

مقدمة الحلقة: خديجة بن قنة

ضيفا الحلقة:

-   رجب الباسل/ محلل سياسي

-   حمد عمر حاوي/أستاذ العلوم السياسية في جامعة بحري السودان

تاريخ الحلقة: 18/10/2014

المحاور:

-   اتفاقية الحريات الأربع

-   سد النهضة قضية شائكة

-   علاقات تكتيكية لا أكثر

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلاً بكم إلى هذه الحلقة من "الواقع العربي" والّتي نُسلّط خلالها الضوء على العلاقات المصرية السودانية وذلك في ضوء زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى القاهرة، زيارةٌ هي الأولى من نوعها مُنذ تولي عبد الفتاح السيسي مقاليد السلطة في مصر بدأها الرئيس السوداني عمر البشير إلى القاهرة يحتل عدد من الملفات الصدارة في مباحثات البشير والسيسي أبرزها ملف نشاط المعارضين في البلدين، قضية سد النهضة الأثيوبي أيضاً والتطورات في المنطقة فضلاً عن العلاقات الاقتصادية والتجارية وهذه الزيارة تأتي في توقيتٍ وتقاطعاتٍ مهمة وذات دلالةٍ بالنسبة لحكومتي البلدين بسبب ما يواجهه كلٌ منهما من عوامل داخلية وخارجية أيضاً.

[تقرير مسجل]

عمر الخطيب: الرئيس السوداني عمر البشير في القاهرة في زيارةٍ هي الأولى مُنذ تولي عبد الفتاح السيسي مقاليد السلطة في يونيو الماضي فقد سبق للسيسي أن زار الخرطوم في أول جولةٍ خارجيةٍ له ومع ذلك ثمة ما يمكن التوقف عنده عندما يتعلق الأمر بهذه المرحلة من علاقات البلدين الجارين فمنذ انقلاب الثالث من يوليو وحال العلاقات المصرية السودانية يُبطن أكثر مما يُظهر رغم التصريحات المحسوبة الصادرة من العاصمتين، ما سكتت عنه الجهات الرسمية المصرية تولى أمره الإعلام الداعم للانقلاب عبر حملاتٍ مركزةٍ استهدفت الموقف السوداني في عِدة قضايا منها قضية مثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليه بين البلدين والخاضع للسيطرة المصرية مُنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي فالبشير استبق الزيارة بالتأكيد على سودانية المثلث مستبعداً خيار الحرب وتفضيله اللجوء إلى التحكيم الدولي في نهاية الأمر وهذا ما يتناقض تماماً والسياسة المصرية الّتي تعتبر حلايب وشلاتين أرضاً مصرية، أضف إلى ذلك اتهام السودان بدعم الإخوان المسلمين وغضه الطرف عن تسلل أعضاء التنظيم هرباً عبر أراضيه وصولاً إلى انتقاد موقف السودان من سد النهضة الأثيوبي واتهام النظام السوداني بالانحياز إلى أثيوبيا إلى جانب اتهامات أخرى تتعلق بدورٍ سوداني مفترض في الأزمة الليبية، الوضع في الخرطوم لم يكن أفضل حالاً حيث عبّر إسلاميون محسوبون على النظام عن استنكارهم للانقلاب وما ترتب عليه من متغيرات، في هذا السياق تأتي زيارة البشير إلى القاهرة حيث يتوقع أن يجري مُباحثاتٍ مغلقةً مع نظيره المصري لبحث أكثر من ملف في مقدمتها ملف حلايب وشيلاتين وتنسيق مواقف البلدين بشأن سد النهضة في ظل الخيارات المحدودة المتاحة لمصر في هذا الشأن واستمرار عملية بناء السد، ستكون العلاقات الثنائية ورفع مستوى التبادل التجاري لاسيما بعد فتح المعبر البري بين البلدين وتشجيع الاستثمار محل بحثٍ إلى جانب القضايا والتطورات الملحة عربياً وأفريقياً.

[نهاية التقرير]

خديجة بن قنة: وينضم إلينا هنا في الأستوديو المُحلل السياسي رجب الباسل أهلاً وسهلاً بك، أستاذ رجب الباسل نحن أمام حالة من الحب تارة حالة من الجفاء تارةً أخرى بين بلدين جارين السودان ومصر برأيك ما مُحددات العلاقة بين هذين الجارين؟

رجب الباسل: أولاً بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً هناك ما يُسمى أحياناً في العلاقات الدولية الحتمية، يعني السودان هي قدر مصر ومصر هي قدر السودان، طبعاً العامل الجغرافي والأهم فيه طبعاً نهر النيل هو أظن عامل مهم للغاية، طبعاً في عوامل أخرى لكن أبدأ بهذا العامل لأن السودان لا تستطيع أن تتخلى عن مصر أياً كان شكل النظام ولا مصر تستطيع أن تتخلى عن السودان أياً كان شكل النظام فيها وأظن منحنى العلاقات حتى في أوج تدهوره خصوصاً في مصر في منتصف السبعينات القرن الماضي في ظل عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك كان لم يستغنِ عن السودان واضطر حتى في 2003 أن يزوره زيارة خاطفة لأنه في الآخر ملف المياه بالنسبة لمصر حياة، حياة أو موت لأنه نهر النيل يُمثل تقريباً 97 إلى 98% من احتياجات مصر المائية بالنسبة للمصريين فالسودان بالنسبة لمصر مهمة في هذا الموضوع كذلك السودان مصر بالنسبة لها مهمة لغاية أنها هي البوابة الشمالية لها تعطي طابع معين في العلاقات السياسية لمصر لأن القاهرة ذات ثِقل في المنطقة العربية وإقليميا ودولياً وفي النهاية لا بد أن يكون النظام السوداني له علاقة بالنظام في مصر بشكل أو بآخر، طبعاً علاقات تاريخية العلاقة التاريخية بين مصر والسودان، السودان في فترة من فترات طويلة كانت مرتبطة بمصر ارتباطاً سياسياً تاماً حتى عام 54 كانت ما يُسمى مملكة مصر والسودان من الناحية السياسية كما ذكرنا أيضاً هناك علاقات حتى بين الأحزاب المصرية والأحزاب السودانية بشكل يختلف حتى النظام السوداني يُتهم من قبل البعض في مصر أنه يعني له توجهات سياسية موالية للمعارضة، مصر تحتضن قيادات المعارضة السودانية إذن العلاقة السياسية والاقتصادية والجغرافية حتى المحدد الاقتصادي، يعني دائماً مصر تريد أن تحل بعض المشاكل الاقتصادية ومنها حتى موضوع اللحوم حتى يتم التعاون مع السودان.

اتفاقية الحريات الأربع

خديجة بن قنة: طيب لنتحدث عن هذا المحدد أولوية سودانية اليوم هي أولوية اقتصادية قضايا كثيرة معلّقة، مشاريع تكامل معلقة اتفاقية الحريات الأربع كما تعرف أيضاً معلقة، حرية التملك، حرية العمل، حرية الإقامة وحرية التنقل رغم أنها وقعت سنة 2004 الجانب السوداني التزم بها، الجانب المصري لم يلتزم بها.

رجب الباسل: كما ذكرت لك هناك يعني بعض المحددات تتعلق بموقف النظام المصري من النظام السوداني في بعض القضايا يعني في 95 لحد.. من 92 تقريباً حتى عام 2002، 2003 كانت العلاقة سيئة للغاية، في آخر عهد فترة مبارك الّتي هي في العشر سنين الأخيرة أو أقل من ذلك بدأ نوع من أنواع المرونة في العلاقة ليست العلاقة الكاملة لكن بدأ في بعضها، حتى في آخر الوقت تم التعامل بين حزب المؤتمر والحزب الوطني في مصر، فهنا وحتى الاتفاقيات الأربعة موقعة في عهد الرئيس مبارك كانت تستخدم كأداة من النظام المصري للضغط على السوداني، إذا النظام السوداني استجاب في بعض القضايا يتم استقبال المسؤولين السودانيين ويتم يعني الحديث مرة أُخرى عن الاتفاقيات الأربع وتمريرها، موضوع حرية التنقل تم موضوع فتح ممر القسطل البري وهو كان متفقا عليه من أيام حكم الرئيس مرسي الّذي هو فكرة الطريق البري بين مصر والسودان وتقريباً هذا هو الأساس منه قلنا منه اقتصادي لزيادة الاقتصاد، إذن هي الفكرة تتعلق بالنظام المصري يستعمل هذا الملف الاقتصادي بصفة خاصة أداة للعلاقة سواء بالضغط على النظام السوداني، سواء أنه يسمح له أن يفتح معه طرق أن يكون مرنا معه فيبدأ يُطبق الاتفاقيات أو أنه يغلق عليه فيبدأ يغلق الاتفاقيات.

خديجة بن قنة: يعتبر ملفا من الملفات الخلافية وهناك ملف آخر ملف حلايب.

رجب الباسل: حلايب القضية قديمة للغاية أعتقد أنها من الناحية المُعلنة لم تُثر يعني لم يكن هناك كلام رسمي عندما أُثيرت في المحادثات لكن بالطبع لم تُثر، حلايب قضية شائكة كل من النظامين يستخدمها بالأساس كملف داخلي وليس ملفا خارجيا يعني النظام السوداني المعارضة تستعمل ملف حلايب أنه تخلى عن حلايب بضغوط من النظام المصري وخوفه من النظام المصري يعني أيّاً كان السبب عندما تطالعي المعارضة السودانية تجدي دائماً أنهم يضغطوا بملف حلايب علي النظام فيضطر النظام أن يخرج بتصريحات آخرها حوار السيد البشير مع جريدة الشرق الأوسط الّتي قال فيها لن نتخلى عن حلايب لكننا لن نخوض حربا مع مصر، مصر هي الأخرى أحياناً تستعمل ملف حلايب للضغط على النظام السوداني ولإثبات أن حلايب لمصر رغم أن مصر من الناحية الفعلية لا تستغل حلايب، حلايب مساحتها حوالي 20 ألف كيلو متر مربع تقريباً يعني مساحة فلسطين المحتلة عام 48، 20 ألف كيلو متر مربع و 500 كيلو هذه المساحة مصر لا تستغلها لكن تستخدمها أيضاً للضغط، في عام 2002 أرسلت قوات طردت القوات السودانية الموجودة في حلايب، مصر في 2011 أجرت الانتخابات في حلايب طبقاً للانتخابات 2011 في مصر.

خديجة بن قنة: لكن قلت أنك لا تتوقع أن يكون هناك تركيز على حلايب حتى...

رجب الباسل: سيتم التركيز عليها ربما في جلسة خاصة...

خديجة بن قنة: حتى لا تصبح عقبة ربما في ملفات أخرى.

رجب الباسل: نعم هي سوف تُثار في الجلسات الخاصة لكن سوف يتم تهدئتها على المستوى الإعلامي على أساس أنه كل من الرئيسين لو تحدث فيها سيخسر، يعني لو الرئيس السوداني أكد وهو في مصر أن حلايب سودانية ستفشل الزيارة وإذا أكد السيسي أن حلايب مصرية ستفشل زيارة الرئيس السوداني لمصر، أعتقد هي على المستوى المُعلن لن يكون هناك يعني تصريحات بشكل أو بآخر ولكن ستثار داخل اللقاء.

خديجة بن قنة: أشكرك جزيل الشكر الأستاذ رجب الباسل الكاتب والمحلل السياسي والمصري، شكراً لك.

رجب الباسل: أشكرك يا فندم.

خديجة بن قنة: نتوقف قليلاً الآن مع هذا التقرير الّذي يرصد لنا العلاقات بين مصر والسودان، هذه العلاقات لها جذورٌ ضاربة في عمق التاريخ لكن وبرغم هذه الجذور العميقة فقد شهدت العلاقات صعوداً وهبوطاً وأيضاَ نقاط التقاء واختلاف خاصةً في السنوات الأخيرة.

[تقرير مسجل]

محمد الكبير الكتبي: خيمت على زيارة الرئيس السوداني عمر البشير للقاهرة ومباحثاته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ملفاتٌ كثيرةٌ عالقة خصوصاً أن النظامين على طرفي نقيض وتجمعهما فقط الإطاحة بنظامين ديمُقراطيين في البلدين، يربط كثيرون تطور العلاقات بين الخرطوم والقاهرة ببداية عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وأقامت حكومة عبد الناصر علاقات وطيدة مع السودان بعد استقلاله عام 56 وفي عهدها أثير ملف حلايب لأول مرة لكن تم تجاوز الخلاف بسرعة، ثم تطورت علاقات البلدين أكثر بعد انقلابي عام 69 في السودان وليبيا وتولي الرئيسين جعفر النميري ومعمر القذافي مقاليد الحكم وكانا مفتونين بتجربة عبد الناصر ورفعت الدول الثلاث حينها شعار الوحدة الاندماجية بينها لكن ذلك اندثر سريعاً بعد وفاة عبد الناصر في سبتمبر عام 70، عادت علاقات الخرطوم والقاهرة للازدهار في عهد الرئيس أنور السادات واحتفظ السودان بعلاقاته مع القاهرة عندما قطع العرب علاقاتهم بمصر وجُمّدت عضويتها في الجامعة العربية بعد توقيع القاهرة اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل عام 1979 ثم وقع ميثاق التكامل بين السودان ومصر وأعتبر مدخلاً لنوعٍ جديدٍ من التعاون على صُعدٍ مختلفة وأصبحت بموجبه حلايب وشلاتين منطقة تكامل إستراتيجيةً على البحر الأحمر، استمرت العلاقات بذات الدفء والتكامل في عهد الرئيس حسني مبارك قبل أن تدخل في مرحلةٍ من الجمود بعد الإطاحة بالرئيس جعفر النميري في انتفاضةٍ شعبية عام 85 واُلغي ميثاق التكامل في أواخر عهد الحكومة الانقالية الّتي خلفت نظام نميري، بقيت علاقات القاهرة والخرطوم فاترةً بعد تولي الصادق المهدي رئاسة الحكومة في السودان رغم العزف على وتر أزلية العلاقات، وفي أواخر عهده وقع المهدي ميثاقاً للإخاء بين السودان ومصر أُعتبر بديلاً لاتفاقية التكامل السابقة لكن الاتفاق لم يُسفر عن أي ثمار، كان مبارك أول من رحّب بالانقلاب العسكري بقيادة عمر البشير الّذي أطاح بنظام المهدي وبالديمُقراطية في السودان عام 89 وبدأت تتبلور حقبة جديدة من علاقات البلدين لكن سرعان ما أنقلب الأمر إلى جفاء بظهور خلفية النظام السوداني الإسلامية وبلغ الجفاء ذروته بضلوع السودان في محاولة اغتيال مبارك في أثيوبيا عام 95، توترت العلاقات وأتاح نظام مبارك الفرص واسعةً لأنشطة المعارضة السودانية وأعلن رسمياً السيادة المصرية على حلايب، رد السودان في المقابل بإغلاق المصالح المصرية في السودان لكن علاقات البلدين مع ذلك لم تصل إلى القطيعة بل وقعا اتفاقيةً تتعلق بحرية التنقل والإقامة والعمل والتملك، سارع نظام الرئيس البشير لمساندة ثورة يناير الّتي أطاحت بنظام مبارك وازدادت مساندته بعد فوز الإخوان المسلمين في الانتخابات المصرية وشرع في تنمية العلاقات مع نظام الرئيس محمد مرسي الّذي زار الخرطوم، بعد عزل مرسي أوائل يوليو العام الماضي ظن كثيرون أن الخرطوم والقاهرة أصبحتا على طرفي نقيض لكن الطرفين استمرا في الحديث عن علاقات البلدين الأزلية واستقبلت الخرطوم الرئيس عبد الفتاح السيسي في يوليو الماضي كما أفتُتح أخيراً معبرٌ بري يربط البلدان واُعتبر نقطةً هامة تترجم اتفاقيات حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك الّتي كادت تندثر.

[نهاية التقرير]

سد النهضة قضية شائكة

خديجة بن قنة: وينضم إلينا الآن من الخرطوم الدكتور حمد عمر حاوي أُستاذ العلوم السياسية في جامعة بحري في السودان، أُستاذ حاوي أهلاً بك، في الجزء الأول من هذا البرنامج تحدثنا عن بعض الملفات الشائكة بدأنا بموضوع اتفاقية الحريات الأربعة المعطلة وأيضاً عن موضوع حلايب الشائك والّذي أيضاً قال ضيفنا أنه لم يُطرح بقوة في النقاش أو في هذه المُباحثات حتى لا يكون عقبة أمام ملفات أُخرى، نفتح الآن موضوع سد النهضة الإثيوبي، السودان موافق عليه حتى أن البشير قال منافع سد النهضة بالنسبة للسودان بمثابة منافع السد العالي بالنسبة لمصر، يعني السودان حسم أمره في تأييد أثيوبيا، لماذا لا ينضم أو لا يميل إلى مصر بدل الميل إلى أثيوبيا في هذا الموضوع؟

حمد عمر حاوي: شكراً جزيلاً، بسم الله الرحمن الرحيم، قضية سد النهضة فعلاً هي من القضايا الشائكة التّي تمر بها العلاقات بين السودان ومصر، السودان لديه منافع كثيرة فعلاً من السد وهو مستفيد منه فائدة كبيرة جداً وفي نفس الوقت لديه ترابط تاريخي مع مصر يريد أن يحافظ عليه، بالتالي وجد السودان نفسه في مأزق بين إرضاء جاره المصري للعلاقات الأزلية والتاريخ فيما بينهما وبين الاستماع إلى لغة المصالح الّتي يمكن أن تتحقق له من سد النهضة، حتى الآن هذه القضية لم تصل إلى تراضٍ واضح ما بين النظامين وهي لا زالت عالقة كمثار اختلاف ونقطة يعني جوهرية ومهمة حتى لو لم تحسم.

خديجة بن قنة: طيب يعني بالنسبة لموضوع سد النهضة الإثيوبية، الإثيوبي عفواً هل تعتقد أن هذا الموقف سيعقد العلاقة أكثر أم أنه في خلال هذه الزيارة قد تقترب المواقف من بعضها أكثر فأكثر؟

حمد عمر حاوي: من الصعب جداً القول أن هذه الزيارة يمكن أن تضع حدا أو نهاية أو حلحلة كاملة لهذه المشكلة، حتى الآن يعني واضح جداً أن السودان لا يستطيع أن يُضحي بمصالحه الّتي ستتوفر من بناء سد النهضة وحتى الآن لا تستطيع مصر لأنها تتخوف تخوفا كبيرا جداً من هذا السد وتأثيره على حصتها المائية ومنافعها ومصالحها، بالتالي لا توجد بارقة يعني أمل أو نقطة يمكن الالتقاء حولها حتى الآن لا يمكن أن تُحل هذه القضية.

خديجة بن قنة: طيب هناك ملف آخر يعني يُسمم العلاقات وهو مسألة استضافة المعارضين أو تأييد المعارضة في هذا البلد في مصر أو في السودان وإن كانت مصر قد يعني أبدت بادرة حُسن نية بعدم استضافتها لمؤتمر المعارضة السودانية في مصر إلى أي مدى أيضاً يسمم هذا الملف علاقات البلدين؟

حمد عمر حاوي: هذه القضية أيضاً هي الأخرى جوهرية وكما ذكر الضيف قبلي أن العلاقات بين السودان ومصر علاقات أزلية وهناك منافع كثيرة وهناك ترابط وتداخل كبير جداً تاريخياً يحتاج البلدين إلى بعضهم البعض، الآن القضية السياسية تُسمم كل المصالح الاقتصادية وتُسمم كل القضايا، وجد النظامان في السودان وفي مصر نفسيهما في وضع يعني معقد وبه إشكالات داخلية تتشابه بين البلدين كل منهما يعاني من وجود معارضة ويعاني من صراع شرعية في الداخل وهناك أيضاً البحث عن أي قبول وعلاقات خارجية ودولية مفيدة حتى تفك يعني حلقة الحصار والاحتقان الداخلي وتعامله مع المجتمع الدولي، البلدان وجدا نفسيهما في شكل ترابط أيديولوجي كبير، النظام في السودان يكاد يكون محسوبا على الإسلاميين أو الإخوان المسلمين وبالتالي هو الأقرب وتخشى مصر من أن تفتح جبهة لها في السودان عن طريق احتضان السودان لأي من هذه المعارضة، أيضاً السودان أيضاً يعني لديه معارضة قوية جداً في الخارج أيضاً يخشى أن تجد لها يعني مكانا في مصر..

خديجة بن قنة: يعني هل هذا ما يبرر..

حمد عمر حاوي: هذا هو الملف الّذي يتوقع أن تتم مناقشته باستفاضة.

علاقات تكتيكية لا أكثر

خديجة بن قنة: نعم هل هذا ما يبرر اعتقاد مصر بأن السودان يُساعد إخوان ليبيا وهنا ندخل في بلد يُعتبر منطقة تقاطع بين البلدين، الدولتان متداخلتان مع ليبيا أمنياً وسياسياً وجغرافياً بحدود مشتركة، هل تعتقد أن هذا مُبررا كافيا للسودان بأنه يدعم إخوان ليبيا من خلفية انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين مثلاً؟

حمد عمر حاوي: بالتأكيد الّذي يحدث في ليبيا أيضاً ليس بعيدا عن الاستقطاب الإقليمي الكبير الموجود وبالنسبة لأي من الطرفين إثبات وجوده هو مسألة جوهرية، بالتالي تدخل السودان إلى طرف وتدخل مصر إلى طرف آخر هذه قضية بالتأكيد تنعكس على العلاقات فيما بينهما، الّذي أتوقعه أن تتم مناقشة هذا الملف وهي قضية يعني أعتبر أنها مرحلية يعني سهلة يُمكن الوصول إلى توافقات حولها حتى ولو بمجرد إعلانات يعني سياسية، لا يوجد يعني أثر كبير لها على العلاقات المستقبل يمكن أن تُحسب على أي كان لكن هي كما قلت مرتبطة بالموقف الدولي الكبير المرتبط بالحرب ضد الإخوان المسلمين أو مع الإخوان المسلمين بالتالي هي تأخذ أهميتها من هذا الاستقطاب الإقليمي الأكبر وليست من العلاقة ما بين مصر والسودان.

خديجة بن قنة: لكن السودان مصنف من بعض المُحللين والمراقبين على أنه يعني يدخل ضمن خلينا نقول التيار القطري التركي الواقف مع ما يُسمّى بالإسلام السياسي أو ثورات الربيع العربي في وجه تيار آخر، تيار مُعاكس مُناهض لكل ثورات الربيع العربي وهو المصري المتحالف مع قوى أُخرى إقليمية لإحباط أو إسقاط أي ثورة من ثورات الربيع العربي، هل هذا التصنيف دقيق وسليم برأيك؟

حمد عمر حاوي: هذا التصنيف دقيق ولكن يعني على الأرض بالنسبة لمصر والسودان تعوقه صعوبات كثيرة جداً، السودان يحتاج إلى علاقاته الجيدة والممتازة مع الجميع، يحتاج إلى علاقاته مع الحلف الآخر سواء كان يدخل فيه الخليج أو تدخل فيه السعودية أو تدخل فيه دول أُخرى ويحتاج إلى علاقاته الدولية يعتبر هذه الدول أيضاً هي مفتاح لعلاقاته الدولية، هو أيضاً يحتاج إلى الطرف الآخر، يحتاج إلى مصر كثيراً، يحتاج إلى قطر، يحتاج إلى تركيا، لديه معها ترابط وعلاقات كثيرة، السودان لديه مشكلاته في العلاقات الخارجية ولديه مشكلاته الداخلية وهو يحتاج إلى الجميع ولا يمكن أن يستغني عن أي من الطرفين، تظل المعضلة هي كيف يستطيع السودان أن يوفق بينهم وكيف يدير هذا الاستقطاب الإقليمي المؤثر على علاقاته في المنطقة.

خديجة بن قنة: طيب ماذا بالنسبة لإيران وهي نقطة أيضاً خلافية في رؤية كل من مصر أو من القاهرة والخرطوم للعلاقة مع إيران؟

حمد عمر حاوي: المشهد العربي كله معقد، بالتأكيد تجد نفسك تعاملك مع إيران يضطرك أن تتعامل مع الموقف السوري مع القضية السورية بشكل مختلف، تعاملك يعني مع حماس يضطرك إلى التعامل.. هذه تعقيدات حقيقية وكثيرة جداً وصعبة بالنسبة لنظام لا يمتلك هو في نفسه استقلالية أو لا يمتلك حرية ولديه إشكالات كثيرة مثل السودان، بالتالي يعني صعب جداً، العلاقة مع إيران صحيح تجد على مستوى النظام تجد تأييدا صحيح هناك آراء كثيرة جداً تتحدث عن أنه لماذا يُصر السودان على العلاقات مع إيران إذا كانت هذه العلاقات مؤذية له أو مؤذية لعلاقاته مع دول أُخرى كثيرة في المنطقة تتحقق له من خلالها منافع أكبر، يعني التعاون السوداني مع إيران تعاون في مجال دعم حركات وتعاون في مجال أسلحة وتعاون في مجالات أخرى، يعني يرى مراقبون آخرون أن الأهم له هي علاقاته الأخرى مع دول المنطقة.

خديجة بن قنة: طيب برأيك ما التطمينات الّتي يُمكن أن يقدمها كل طرف للآخر من أجل إزالة الجليد في هذه الملفات كلها؟

حمد عمر حاوي: لطبيعة التناقض الأيديولوجي الكبير بين النظامين والاختلافات الجوهرية في التوجه وللاستقطاب الإقليمي الموجود لا نتوقع تأسيس علاقة إستراتيجية أو اتفاقا أساسيا على قضايا مشتركة بين البلدين، كل ما نتوقعه هو عبارة عن يعني اتفاقات مرحلية تكتيكية، تهدئات، كلام علاقات عامة، مجاملات لأنه أي من الطرفين سيخشى أن يأتيه الأذى من الطرف الآخر ويعني هو يشفق على حاجته للطرف الآخر لكن لا يمكن أن تتأسس علاقات إستراتيجية، ستتم هناك مقايضات فيما يتعلق بالنواحي الأمنية للبلدين، تبادل بعض المنافع الاقتصادية يمكن الاتفاق حولها، قضايا يعني بسيطة وقليلة ستجمد قضية حلايب لا نتوقع أيضاً أن يتم نقاشها، البيئة سواء أكانت الداخلية للنظامين والبيئية الإقليمية وحتى علاقاتهما الخارجية لا تمكنهم من تأسيس التناقض الأيديولوجي الأساسي بينهم، لا تمكنهم من تأسيس يعني تحالف إستراتيجي أو علاقات إستراتيجية فيما بينهم مستقبلية يمكن أن تدوم لكن في هذه المرحلة يمكن على الأقل أن يؤمن أي طرف الطرف الآخر فقط.

خديجة بن قنة: شكراً جزيلاً لك الدكتور حمد عمر حاوي أستاذ العلوم السياسية في جامعة بحري في السودان كنت معنا من الخرطوم ونشكر أيضاً ضيفنا كان معنا في الجزء الأول من البرنامج الأستاذ رجب الباسل، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج "الواقع العربي" نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقعي Facebook وTwitter نلتقي غداً بإذن الله في حلقةٍ جديدة، لكم منا أطيب المُنى وإلى اللقاء .