سلطت حلقة 11/10/2014 من برنامج "الواقع العربي" الضوء على الجدل المثار بشأن المقترح التركي بإقامة منطقة عازلة وفرض حظر جوي في شمال سوريا، والمعايير الدولية لإقامة مناطق عازلة والسياق السياسي لطرح الفكرة.

وفي هذا الشأن، أوضح أستاذ القانون الدولي علي مراد أن ميثاق الأمم المتحدة لم يأت على ذكر مناطق عازلة، لكن يمكن فرضها إذا طلبتها دولة بعينها أو مجموعة دول في ما بينها، أو عندما يتدخل مجلس الأمن تحت الفصل السابع دون موافقة الدولة التي توجد بها المنطقة المعزولة مثلما حدث في ليبيا.

ويرى أن الجانب التركي يعتبر أن إقامة منطقة عازلة وحظر جوي هي بهدف الدفاع عن النفس وحماية اللاجئين السوريين الموجودين على أراضيه.

كما يعتقد أن فرض منطقة عازلة ومنطقة حظر جوي سيستغرق شهورا وغير قابل للتنفيذ دون إقحام قوات برية.

وأضاف أن هدف تركيا من فرض الحظر الجوي هو تفويت الفرصة على النظام السوري من الانقضاض على الأراضي التي توجد تحت سيطرة المعارضة.

video
السياق السياسي
من جهة أخرى، يعتقد فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية ومدير مركز الشرق الأوسط بجامعة لندن أن واشنطن تنظر إلى إنشاء منطقة عازلة في سوريا كاستثمار إستراتيجي على قدر كبير من الأهمية لأنها تتطلب تواجد آلاف الجنود وتتيح التوغل داخل التراب السوري لمسافة 35 كيلومترا، لكنه لفت إلى أن النظرة التركية تختلف عن نظيرتها الأميركية بهذا الخصوص.

وقال إن أنقرة تريد مواجهة متوازية مع تنظيم الدولة الإسلامية والنظام السوري، لكن الإدارة الأميركية ترفض الدخول في مواجهة مع النظام السوري وتراعي التوصل لاتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي في الفترة المقبلة.

ويعتبر جرجس أن الأولوية ليست لعين العرب (كوباني) وليست لسوريا بالنسبة لواشنطن وإنما للعراق.

وأشار إلى أن الأولويات الأميركية في الشرق الأوسط لم تتغير، وإنما السياق هو الذي تغير وأنها تسعى لإعادة هيكلة الدولة العراقية، مضيفا أن واشنطن لا تريد إسقاط النظام السوري، بل الضغط عليه من أجل دفعه لقبول تسوية سياسية.

وفي السياق، أوضح جرجس أن الموقف الفرنسي بشأن إقامة منطقة عازلة هو الأقرب إلى تركيا، لأنها ترى في سقوط النظام السوري خدمة للأمن الإقليمي، وأن ذلك يصب في مصلحتها.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: المنطقة العازلة بشمال سوريا.. الدوافع والسياقات

مقدم الحلقة: عبد الصمد ناصر

ضيفا الحلقة:

-   علي مراد/أستاذ القانون الدولي

-   فواز جرجس/مدير مركز الشرق الأوسط بجامعة لندن

تاريخ الحلقة: 11/10/2014

المحاور:

-   المنطقة العازلة برؤية دولية

-   توقعات بتكرار مذابح البوسنة

-   أنانية أميركية واضحة

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم في هذه الحلقة من الواقع العربي والتي سنُسلّط خلالها الضوء حول الجدل المثار بشأن المقترح التركي بإقامة منطقةٍ عازلة وفرض حظرٍ جوي في شمال سوريا، نبحث أيضًا في المعايير الدولية لإقامة مناطق عازلة والسياق السياسي لطرح الفكرة.

عدد القتلى يقترب من 200 ألف، ملايين اللاجئين والنازحين، هجماتٌ بمختلف الأسلحة ودمارٌ متزايد، هكذا يمكن وصف الواقع في سوريا اليوم، المعارك الشرسة في عين العرب كوباني هذه المدينة الحدودية السورية، وغارات التحالف الدولي داخل المدينة وفي محيطها أصبحت تتصدّر عناوين الأخبار مؤخرًا ومعها جدل حول اقتراحٍ تركي بإقامة منطقةٍ عازلة في شمال سوريا، نتعرف بدايةً علي فكرة المنطقة العازلة والسجال الدولي حولها في التقرير التالي.

[تقرير مسجل]

مريم أوبابيش: المنطقة العازلة في سوريا مطلبٌ مثيرٌ للجدل والخلافات هذه الأيام بين تركيا والحلفاء الآخرين في النيتو، ولكن ما المقصود بها؟ هي منطقةٌ تفصل بين طرفي نزاع وتُحظر فيها الأسلحة تكون بريّةً ويمكن أن تقترن بحظرٍ جويّ من أجل حماية المدنيين من الصراع، يُشترط قبل إقامة منطقةٍ عازلة إصدار مجلس الأمن الدولي قراراً تحت الفصل السابع وإشراف قوةٍ دوليةٍ على تأمينها، هناك أمثلةٌ كثيرة لمناطق أُقيمت في الماضي كما حدث في الجولان بين سوريا وإسرائيل وبين الكوريتين وبين أريتريا وأثيوبيا، وكانت المعارضة السورية وتركيا طالبتا بمنطقةٍ عازلة وحظرٍ جوي منذ 2011، بيدا أنّ الأطراف الأخرى في المجتمع الدولي لم تحبذ الفكرة مع العلم أنّ الفيتو الروسي لن يسمح بإصدار القرار من مجلس الأمن، ومنذ المعارك في عين العرب كوباني جدّدت أنقرة هذا الطلب بل واشترطت تحقيقه مقابل دخولها في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، تُرشح بعض التحليلات أن تكون المنطقة التي تريدها تركيا في شمال سوريا على عمق 40 كيلومتراً كما يجب أن تشمل ضريح سليمان شاه الذي يخضع فعلياً للسيادة التركية، رسمياً تقول أنقرة إنّ الهدف هو حماية المدنيين وتخفيف موجات اللجوء بعد أن تجاوز عدد اللاجئين السوريين عندها أكثر من مليون ونصف مليون، بيد أن الأكراد يرون نوايا أخرى، يتهمون أنقرة بمحاولة حماية حدودها ومنع قيام أي دولةٍ كردية في الشمال السوري، يعززون اتهامهم برفض تركيا استخدام السلاح على غرار بقية أطراف التحالف الدولي الحالي لمحاربة مسلحي تنظيم الدولة في عين العرب كوباني الواقعة على حدودها، نظرياً الوضع في سوريا يستوفي شروط إقامة مناطق وليس منطقةٍ عازلة، ولكنّ الواقع يقول إنّ موسكو لن تسمح بذلك وواشنطن غير متحمسة للفكرة والأكراد يعترضون بشدة. سيطول إذن انتظار المدنيين لقرارٍ أو  تحرّكٍ دولي إنساني تحميهم من سلاح المعارك ومن معارك الأطراف الإقليمية المتورطة في الحرب السورية.

[نهاية التقرير]

المنطقة العازلة برؤية دولية

عبد الصمد ناصر: وينضم إلينا من بيروت الدكتور علي مراد أستاذ القانون الدولي، مرحباً بك دكتور، دكتور في النزاعات والصراعات المسلحة خاصةً التي يستخدم فيها نظامٌ حاكم القوة المفرطة ضد المدنيين، في هذه الحالة ألا تُصبح إقامة منطقة عازلة وفرض منطقة حظر جوي واجبة على المجتمع الدولي كأحد الآليات المطلوبة لحماية المدنيين؟

علي مراد: نعم بداية تحية لك وللضيوف الكرام، بدايةً يبدو من الواضح أنّ علينا أن نوضح بعض المفاهيم في القانون الدولي أو في ميثاق الأمم المتحدة لم يأتِ أحد على ذكر منطقة حظر جوي أو منطقة منزوعة السلاح أو منطقة عازلة، حتى هذه الأمور كلها جاءت في تفاصيل كاستنتاجات لمواد عامة، هذه المفاهيم الثلاثة قد تختلف، يمكن فرض المنطقة العازلة بعدّة طرق: أولاً يمكن فرضها إذا الدولة طلبت كالحالة العراقية اليوم من خلال دولة تطلب أن تتدخل الأمم المتحدة، حالة ثانية أن تطلب الدول في اتفاق فيما بينها أو في تسوية سلام كما جاء في الجولان أو في كوريا أو حتى في المناطق العازلة أو منزوعة السلاح بين المملكة العربية السعودية والكويت، أو بين المملكة العربية السعودية والعراق، والحالة الرابعة التي يمكن أن تكون في حالتها الحالية عندما يتدخل مجلس الأمن من تلقاء نفسه وهناك هذه الحالة كما جرى في العراق في العام 91 عندما فُرض حظر جوي، في هذه الحالة يجب أن يكون تحت الفصل السابع، لتحديد الفصل السابع هو عندما تتحرك الأمم المتحدة دون موافقة الدولة المعنية أو دون موافقة طرفي النزاع لحفظ الأمن الدولي، ولتطبيق المادة 42 من الفصل السابع التي تتحدث عن اتخاذ كافة الإجراءات العسكرية البرية والبحرية والجوية، يجب أن يوافق مجلس الأمن بمعنى أن لا يكون هناك اعتراض لا روسي ولا صيني في هذا المجال..

عبد الصمد ناصر: طيب..

علي مراد: ولكن الجانب التركي في هذا..، تفضل..

عبد الصمد ناصر: يعني أنت جئت على ذكر نقطة مهمة جداً وهي مسألة تحرّك مفترض من المجتمع الدولي من الأمم المتحدة دون موافقة الدولة المعنية ودون موافقة أطراف النزاع حمايةً للسّلم والأرواح، ولكن هل كان هذا الأمر حالة في جميع النماذج التي فُرضت فيها مناطق عازلة وفرض فيها حظرٌ جوي؟

علي مراد: كلا ليس هذه الحالة، لننظر مثلاً للحالة الليبية، الحالة الليبية تم هناك تدخل وغطاء دولي تعتبر روسيا والصين أنّ التحالف الدولي الذي تحرّك في ليبيا ذهب أبعد مما كان متاحاً وبالتالي هي تكون حذرة في هذا المجال، ولكن الموضوع أبعد من ذلك لأنّ أي عملية حظر جوي وهنا نتحدث عن منطقة منزوعة السلاح يمكن أن لا تترافق مع حظر جوي نتحدث عن الاثنين معاً، سيؤدي إلى سقوط داعش وتدخل قوات تركية وتقدم قوى المعارضة المتحالفة مع تركيا أو المتقاطعة مع تركيا ويؤدي إلى إضعاف النظام السوري، ما يعني أن روسيا وهي الحليفة مع النظام السوري تعتبر أنّ أي منطقة حظر جوي بالإضافة إلى إيران هي خرق للاستاتيكو القائم حالياً وتصعيد ستواجهه بتصعيدٍ آخر، ولكن في كل الأحوال الجانب التركي ينظر إلى الموضوع بطريقة أخرى من زاوية القانون الدولي، النظام التركي يعتبر أنّ منطقة حظر جوي ومنطقة منزوعة السلاح بعمق 40 كيلومتر على مدى الحدود التركية السورية هو بدأ بمنطق الدفاع عن النفس والدفاع عن المواطنين السوريين، بمعنى أن تركيا تعتبر أنّ المسألة السورية باتت تشكل تهديداً داخلياً تركياً لأسباب عدّة، أولاً عدد اللاجئين الكبير، ثانياً إمكانية اضطرابات وإمكانية وصول قوات كردية لتسيطر على الحدود التركية السورية، وثالثاً إمكانية تقدم قوات داعش في هذا المجال، إذن تركيا حتى الآن أستبعد التصعيد التركي أن تذهب مباشرةً إلى فرض حظر جوي منفرد لأن ذلك لديه مستتبعات عسكرية لا تقدر تركيا لوحدها أن تفرض حالة، قد تفرض منطقة عازلة ولكن على طول الحدود بعمق 40 كيلومتر لا يمكن أن تفرض حظراً جوياً كاملاً لدعمٍ دولي..

عبد الصمد ناصر: لو افترضنا أنّ المجتمع الدولي مثلاً وافق وتوافق على مسألة منطقة عازلة، ألا ربّما قد يقتضي ذلك نشر قوات دولية في المنطقة؟

علي مراد: هذا أحد الأسئلة الجدية في هذا المجال، وهذه أحد الإشكاليات الكبيرة، أولاً حتى لو أُخذت النوايا اليوم لنفترض أن الأمور كلها معالجة وروسيا وإيران والصين غير معترضة والقرار أُخذ وهناك حتى قرار  بإنزال قوات برية، فرض منطقة عازلة إضافةً إلى منطقة حظر جوي بعمق 40 كيلومتر داخل الأراضي السورية بحاجة لأشهر، الآن نتحدث هنا عن أجهزة اتصال علينا أن نؤمن أولاً منع تحليق الطيران الذي لا يحصل على إذن من القوات التي تفرض هذا الأمر، من سيقوم بذلك القوات التركية أم قوات التحالف؟ حتى الآن الولايات المتحدة وبريطانيا أعلنت تريثها بهذا المجال، فرنسا أعلنت دعمها للفكرة ولكن لم تتحدث إن كانت تدعمها خارج إطار الأمم المتحدة ونحن نعرف الموقف الفرنسي الثابت في هذا المجال، والنقطة الثالثة وهي الأهم، نحن بحاجة أيضاً إلى ضمان عدم استخدام سوريا النظام السوري للدفاعات الجويّة، من يضمن عدم القيام بذلك؟ وبالتالي نحن بحاجة إذا أردنا فرض هذا الأمر بحاجة لأسابيع طويلة ولا يمكن الذهاب إلى فرض هذه منطقة الحظر الجوي بدون دخول قوّات برية لضمان هذا الأمر، إذن هناك صعوبات قانونية بالنسبة لقانون الدولي وكذلك هناك صعوبات عملية وعسكرية لتطبيق هذا الأمر..

عبد الصمد ناصر: نعم، في حال إذا فشلت القوة الكبرى في مجلس الأمن الدولي في استصدار قرار مثلاً تحت الفصل السابع بهذا الخصوص، هل سيكون أمام المجتمع الدولي أو أصحاب مؤيدي هذه الفكرة بدائل أخرى لربما تطبيقها؟

علي مراد: يعني نحن نتحدث عن منطقة عازلة كما جاء في التقرير هي كانت على طاولة البحث الدولي منذ بداية تشكل المجموعات العسكرية التي عُرفت فيما بعد بالجيش الحر، منذ البداية تمّ الحديث على أن أي ضمانة لعدم استخدام النظام السوري للقوات الجوية التي تحدث اختراقاً لميزان القوة هو سيؤدي إلى سقوط هذه المناطق وإلى ترك المعارضين السوريين لمصيرهم، لم يتم النظر إلى هذا الموضوع، اليوم لتكن الأمور واضحة إن فرض حظر جوي هو مطلب تركي وفرنسي بهدف واحد هو عدم إعطاء القوة والفرصة للنظام السوري للانقضاض على المعارضة وعلى المناطق التي تسقط ويستعيد المناطق التي سيخسرها تنظيم الدولة ويستعيدها، إذن هناك بشكل واضح فلنكن صريحين داعش لا تملك قوات جويّة، من يملك قوات جويّة هو النظام السوري، والخطوة التركية هي مطلب تركي منذ أشهر لا بل منذ سنوات والتقي معها الموقف الفرنسي، ولكن في كل الأحوال فرنسا وتركيا ليسا قادران لوحدهما على القيام بهذا الأمر والأمور بدت أكثر تعقيداً مما كانت عليه في العام 2011 و 2012، هناك من جهة معارضة سورية ونظام سوري ولكن في كل الأحوال هناك تداخل مع عامل متداخل هو تنظيم الدولة الإسلامية وكذلك هناك تنظيمات حتى الآن لم تحسم خياراتها في هذا المجال.

توقعات بتكرار مذابح البوسنة

عبد الصمد ناصر: أنا يستوقفني هنا موقف يثير الدهشة صراحةً، سيفان دي متسورا وهو المبعوث الدولي بشأن سوريا دعا تركيا أمس للمساعدة في منع مذبحة في عين العرب كوباني، وقال بأن الأمر قد يتطور ليجد المجتمع الدولي نفسه أمام حالة أخرى لمذبحة سربرنيتشا في البوسنة في عام 1995 وقتل فيها الآلاف، وقال باللفظ حتى أنقل وأكون أميناً قال عندما يكون هناك تهديد وشيك لمدنين لا ينبغي أن نلوذ بالصمت، لماذا إذن لاذ المجتمع الدولي بالصمت حينما قُتل أكثر من مئتي ألف وشرد وهُجّر ونزح الملايين من السوريين ودمرّت البلاد؟

علي مراد: نعم علينا أن نعود هنا للقانون الدولي، خرجت نظرية في بعد نهاية الحرب الباردة وكان أحد المنظرين إليها بشكل أساسي برنار كوشنير وهو وزير الخارجية الفرنسي لاحقاً لكنّه كان مؤسس منظمة أطباء بلا حدود وكان وزيراً أيضاً للصحة في عهد ميتران وكوشنير كان يعتقد أن المجتمع الدولي عليه أن يتدخل وحتى يمكن للدول أن تتدخل وتخرق السيادة بقرار من الأمم المتحدة أو بدون قرار تحت منطق الحماية الإنسانية لهذه الدول وتأمين للأشخاص إن كان في حالة مجاعات أو في حالة مجازر أو في حالة حروب، هذا المنطق ما بعد العام 2003 وبعد التجربة الأميركية في العراق وبعد وصول الإدارة الأميركية والمسار الذي أخذته الحرب في العراق عندما ذهبت الولايات المتحدّة مع حلفائها دون غطاء دولي أدى إلى نوع من التوافق الدولي على عدم الذهاب والتدخل بدون غطاء دولي تحديداً في المناطق التي فيها تنازع ومصالح متضاربة، أن تتدخل فرنسا في مناطق نفوذها في أفريقيا مع غطاءٍ دولي مبهم هذا الأمر قد يمر،ولكن في منطقة متشعبة وهناك العديد من التدخلات كالشرق الأوسط ليس بالأمر السهل إضافةً إلى أنه علينا أن لا ننسى أنّ الولايات المتحدة من جهة تنظر بعين الملف السوري و لكن لا تريد أن تقطع شعرة معاوية مع النظام الإيراني لأن أحد أولويات الإدارة الأميركية هي ملف المفاوضات مع الإيرانيين ويعتبرون أنّ أي ذهاب منفرد لحلفائها أو للولايات المتحدة لفرض حظر جوي قد يُطيح بالملف النووي الذي يريد أوباما أن ينهي عهده باتفاقٍ مع إيران أو بتسويةٍ طويلة الأمد..

عبد الصمد ناصر: دكتور نعود إلى تفاصيل المشهد السوري، نحن الآن أمام حالة لم يعد فيها فقط طرفان يتقاتلان، هناك نظام وهناك معارضة وهناك ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، فرضاً لو تمّت الموافقة على فرض هذه المنطقة العازلة، كيف سيتم فرضها أمام تقدم لقوى تنظيم الدولة، أمام اعتراض الدولة السورية والنظام السوري وكيف سيكون الأمر أمام اعتراض تنظيم الدولة لوجود ليس فقط قوات المعارضة وليس فقط قوات النظام ولكن قوات دولية، كيف ستصبح المنطقة حينها؟  يعني سيكون هناك اختلاط الحابل بالنابل.

علي مراد: يعني أعتقد أنك استعملت المثل الذي كنت سأستعمله بعد ثوانٍ من استعمالك، نحن في لحظة اختلط فيها الحابل بالنابل على الساحة السورية، التدخلات جعلت المشهد معقدا جداً وأزعم أنه ليس  هناك من أحد يستطيع توقع المسار التي تذهب إليه الأمور، من جهة نجد أن الدولة الإسلامية قد تتقاطع مصالحها ظرفياً مع النظام السوري في حال فرض هذا الأمر، لا ننسى أن النظام السوري أيضاً لعب على التناقضات حيث من المعروف أنه لم يهاجم تنظيم داعش حتى يتقدم على المعارضة من جهة ثانية تمّ استخدام هذه القوات في أكثر من معركة من أجل..

عبد الصمد ناصر: نشكرك دكتور يعني نشكرك على كل هذه المعلومات القيّمة دكتور علي مراد أستاذ القانون الدولي من بيروت، إذن إقامة مناطق عازلة وفرض حظرٍ على الطيران كما قلنا قبل قليل أمرٌ غير مسبوق سواء في المنطقة العربية أو خارجها ولعلّ من أبرز النماذج ما حدث في العراق في مطلع التسعينيات من القرن الماضي حين فُرض حظرٌ للطيران في شمال العراق وجنوبه تحت عنوان حماية الأكراد والشيعة.

[تقرير مسجل]

وليد إبراهيم: تعد إقامة المناطق العازلة والتي تشمل حظر الطيران جزءاً من عقوباتٍ أممية نص عليها الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويشترط لتطبيق هذه العقوبات الحصول على قرارٍ واضحٍ من مجلس الأمن بسبب ما قد يُحدثه من أضرارٍ بمصالح البلدان التي يُطبق عليها القرار، طُبقت هذه العقوبات على العراق عام 91 من القرن الماضي بعد انتهاء حرب الخليج، وكانت حجة أميركا وبريطانيا وفرنسا هي حماية الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب مما كان يُعرف بالجرائم التي ارتكبها نظام صدام حسين آنذاك، باشرت هذه الدول الثلاث فور صدور القرار إلى إنشاء منطقةٍ عازلة بالقوة في شمال العراق ابتداءً من خط العرض 36 صعوداً، وفي الجنوب ابتداءً من خط عرض 32 وحتى حدود العراق الجنوبية، حكومة بغداد رفضت هذا الإجراء بقوة ووصفته بأنّه إعلان حربٍ عليها، بعد 5 سنوات من فرض حظر الطيران انسحبت فرنسا والسبب برأيها أنّ الحظر بدأ يأخذ منحى آخر غير الأهداف التي أُنشئ من أجلها والتي يُفترض أنّها كانت إنسانية، الكثير من السياسيين اعتبروا الحظر الجوي بدايةً فعلية لتقسيم العراق إلى 3 دويلات: شيعيةٌ في الجنوب وكرديةٌ في الشمال وسنيّةٌ في الوسط، ومن نتائج الحظر الجوي أنّ الأكراد تمكنوا وبدعمٍ من الولايات المتحدة من إنشاء إقليمٍ كردي عُرف فيما بعد بإقليم كردستان العراق، انتهى العمل بهذا القرار عام 2003 لكنّه لا يزال يعتبر جزءاً من ترتيباتٍ حاولت الولايات المتحدة من خلالها تغيير الخارطة السياسية للمنطقة.

[نهاية التقرير]

عبد الصمد ناصر: وينضم إلينا من باريس الدكتور فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية ومدير مركز الشرق الأوسط في جامعة لندن، مرحباً بك دكتور، دكتور لكل نزاع وصراع أسباب وسياقات وتفاصيل كثيرة، ولكن إذا نظرنا إلى حالات فُرضت فيها مثلاً مناطق عازلة وفرض فيها حظر جوي، هل السياق السياسي الذي تشهده الآن سوريا والنزاع الدائر فيها يختلف عن السياقات الأخرى التي فُرضت فيها مثل هذه المقترحات؟

فواز جرجس: أنا أعتقد أنّه أهم نقطة في هذا السياق هو الحقيقة إذا كانت هناك إرادة لقوة دولية أو للولايات المتحدة أو لديها الهدف الاستراتيجي لإقامة مثل هذه المنطقة العازلة، يعني دعني أضع النقاط على الحروف، إنشاء منطقة عازلة في سوريا أنا أتكلم من خلال أهمية فهم سياق السياسة الخارجية الأميركية، ترى القيادة الأميركية وخاصة العسكرية الأمنية والبيت الأبيض إنشاء منطقة عازلة في سوريا، يعني استثماراً استراتيجياً مهماً للغاية في سوريا، يعني إنشاء توغل في الداخل السوري حوالي 35 كيلومتر بالداخل السوري، يعني وجود عشرات الآلاف من القوات البرية لحماية هذه المنطقة العازلة، لأنّ الكلام عن المنطقة العازلة حوالي مليوني لاجئ سوري سوف يكونون في هذه المنطقة العازلة، يعني أيضاً الوجود دائم تدمير البنية الجوية والصاروخية للقيادة السورية، يعني مواجهة مفتوحة ليس فقط مع دمشق مواجهة مفتوحة مع حلفاء دمشق وخاصة إيران،  يوم الخميس وضع وزير الخارجية الأميركي الحقيقة بصراحة متناهية للغاية أنا تفاجأت بصراحة هذا التصريح لجون كيري في بوسطن، قال الحقيقة أنّ الإستراتيجية الأميركية من خلال هذا التحالف هو الأولوية ليست فقط للمسرح العراقي، الأولوية هي الآن لمساعدة الحكومة العراقية على تجهيز تدريب إعادة هيكلة قواتها العسكرية والأمنية من أجل مواجهة تنظيم داعش هو قال الأولوية ليست لكوباني الأولوية ليست لسوريا، المنطقة العازلة الخلاف بين القيادة التركية والقيادة الأميركية، المنطقة العازلة تجسيد لهذا الخلاف، ماذا تريد القيادة التركية؟ القيادة التركية وبسرعة تريد مواجهة متوازية مع تنظيم الدولة ومع النظام السوري هذه هي الإستراتيجية التركية، الولايات المتحدة لا تريد الدخول في مواجهة مع النظام السوري لأنّ المعادلة الآن في رأي القيادة الأميركية هو الوصول إلى اتفاق مع إيران وخاصة أنّهم يعتبرون أنّ الأسابيع القادمة هي أسابيع محورية من أجل الوصول إلى اتفاق بالنسبة للبرنامج النووي الإيراني، وأيضاً لأنّ الولايات المتحدة هناك اعتقاد بأنّ إيران مهمة جداً لمساعدة الولايات المتحدة في العراق، إذن الحقيقة السياق يختلف تماماً بين التسعينات من خلال إنشاء منطقة حظر فوق العراق والسياق اليوم، الأولوية ليست للمسرح السوري الأولوية ليست لكوباني، الأولوية هي للعراق ومن هنا السياق الأميركي لا يسمح بمثل هذا التفكير بهذه النقطة..

أنانية أميركية واضحة

عبد الصمد ناصر: طيب دكتور فواز، يعني هذا فيه نوع من الأنانية الأميركية إذا شئنا أن نقول وخروج عن السياق، سياق النيتو، تركيا هي عضو فاعل في النيتو، تركيا الآن كعضو فاعل يقتضي على النيتو أن يُراعي مصالحها وأمنها القومي، الآن الأمن القوي للقيادة التركية مهدد، كيف للولايات المتحدة الأميركية أن تراعي كل حساباتها في علاقاتها مع إيران دون أن تراعي حسابات أمن قومي لدولة عضو فاعل في حلف شمال الأطلسي؟

فواز جرجس: يعني المنطقة العازلة كما تعلم طُرحت منذ حوالي سنتين ونصف وطرحتها القيادة التركية وبعنف، وعندها منذ أكثر من سنتين رفضت القيادة العسكرية مثل هذه النقطة، ولسبب رئيسي أنّ الولايات المتحدة ليست لديها لا الرغبة ولا الإرادة باستثمار استراتيجي في سوريا نقطة مهمة للغاية، طبعاً هناك اختلاف جوهري في الأولويات يعني نرجع على النقطة الرئيسية الأولويات الأميركية لم تتغيّر في المشرق العربي، ما تغير الحقيقة أنّ السياق في العراق تغيّر، العراق هو الأولوية، هيكلة الدولة العراقية هي الأولوية، هناك اعتقاد في قراءتي المتواضعة ويمكن أن أكون مخطئاً أنّ القيادة الأمريكية لا تريد لا إسقاط لا الدولة السورية ولا النظام السوري، يعني إذا كنت أستطيع تلخيص الإستراتيجية الأميركية إزاء سوريا..

عبد الصمد ناصر: ولا تنظيم الدولة الإسلامية لربّما كما يبدو..

فواز جرجس: لا الحقيقة أنا لا أعتقد أن الأولوية في سوريا لهزيمة التنظيم لأنّهم يعتقدون أنّه لا يمكن هزيمة التنظيم في سوريا هذا كمان اعتقاد راسخ هو احتواء التنظيم، ولكن الإستراتيجية الأميركية وأنا الحقيقة أحب أن استعرض نقطة سريعة هو الحقيقة إنشاء أوضاع متنامية من خلال مساعدة فصائل الجيش السوري الحر على زيادة الضغط على القيادة السورية من أجل دفع النظام السوري إلى القبول بتسوية سياسية تأخذ بعين الاعتبار مصالح الدولة السورية ومصالح المعارضة السورية.

عبد الصمد ناصر: طيب دكتور فواز، باختصار في الأخير، كان يمكن أن نقبل هذه القراءة لو كانت فعلت الولايات المتحدة الأميركية فعلاً كل السنوات السابقة ما يمكن أن يعزز إقامة دولة مؤسسات في العراق وقامت بواجباتها الإنسانية والسياسية والأخلاقية حيال المعارضة السورية، ولكن أريد أن أسأل هنا باختصار، كيف نفهم الموقف الفرنسي المؤيد للمقترح التركي باختصار؟

فواز جرجس: بالفعل فرنسا تختلف جذرياً عن الولايات المتحدة، فرنسا هي أقرب إلى تركيا تعتقد أنّ سقوط النظام السوري يخدم الأمن الإقليمي ويخدم مصالح فرنسا وأعتقد الحقيقة أنّ فرنسا تختلف عن الموقف البريطاني والأميركي لأنها تعتقد أنّ النظام السوري هو المسؤول عن الوضع.

عبد الصمد ناصر: شكراً دكتور، انتهى الوقت، أشكرك دكتور فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية ومدير مركز الشرق الأوسط في جامعة لندن من باريس، شكراً لكم وإلى اللقاء بحول الله.