سلطت حلقة 10/10/2014 من برنامج "الواقع العربي" الضوء على حصاد الصراعات الأهلية بين مكونات المجتمعات العربية، ومدى نجاعة التسويات السياسية في طي صفحة الماضي وتحقيق الاستقرار، وسبل ترسيخ ثقافة المصالحة والتسامح بين مكونات المجتمعات العربية.

وفي هذا الشأن يرى الكاتب والمحلل السياسي سعد الله مزرعاني أن المجتمعات العربية تفتقر لدينامية ذاتية لإدارة شؤونها بشكل متوافق عليه يتيح التوصل لتفاهمات وكذا التداول على السلطة.

ويعتقد مزرعاني أن التدخلات الخارجية ما زالت تؤثر على سياسات العديد من الدول، وبالتالي هي غير قادرة على إنتاج قرار ذاتي لإيجاد حلول لمشاكلها.

من جانب آخر يرى أن تعاظم الأزمات وجنوح بعضها إلى العنف يدفع الفرقاء السياسيين إلى اللجوء إلى التسويات عبر تقديم تنازلات متبادلة.

التجربة اللبنانية
ولفت مزرعاني إلى أن تسوية أزمة الحرب الأهلية في لبنان أنضجتها ورعتها القوى الخارجية من خلال اتفاق الطائف، وأنها نجحت في إنهاء الحرب الأهلية, لكنها لم تلغ برأيه مصدر الشكوى، بل فقط عدلت موازين القوى بين الفرقاء ولم تعالج الأزمة من جذورها.

ويعتقد أن التوازن الذي نشأ بمشاركة جميع الأطراف جاء عبر تكريس قانون العفو الذي شمل جرائم الحرب استنادا لتوازنات سياسية وليس من خلال شمولية المحاسبة.

في السياق أقر مزرعاني بأهمية التسويات المؤقتة، لكونها تتيح وقف العنف والحرب والقتل, لكنه أعرب عن قناعته بأن هذه التسويات المؤقتة تؤجل النزعات ولا تحلها من جذورها.

ويعتبر أن ترسيخ ثقافة الحوار والمصالحة والتسامح والتنازل عما هو خاص من أجل ما هو للصالح العام هي الكفيلة بنزع فتيل الأزمات التي باتت يشهدها العديد من الدول العربية.

وقال إن أوروبا شهدت حروبا طائفية ودينية ثم حربين عالميتين، لكنها تجاوزت أوضاعها المتأزمة عبر وضع أسس لتداول السلطة والحريات وقوانين يحترمها الجميع.

ويرى مزرعاني أن الاستقرار الذي تعيشه الدول الغربية ناتج عن تسويات يحترمها الجميع. وأضاف أن التونسيين يقودون تجربة قد تكون الأنجح في العالم العربي بفضل التنازلات التي قدمتها حركة النهضة والتوافقات التي توصل إليها الفرقاء السياسيون.

اسم البرنامج: الواقع العربي                         

عنوان الحلقة: هل تضع التسويات السياسية حدا للصراعات الأهلية العربية؟

مقدم الحلقة: حسن جمّول

ضيف الحلقة: سعد الله مزرعاني/كاتب ومحلل سياسي

تاريخ الحلقة: 10/10/2014

المحاور:

-   أزمات عربية تستعصي على الحل

-   السلم الأهلي يحتاج ما هو أبعد من الحلول السياسية

-   الصراع السياسي في أوروبا مضبوط بمؤسسات تحتويه

حسن جمّول: أهلاً بكم مُشاهدينا في هذه الحلقة من "الواقع العربي" والّتي نسلّط خلالها الضوء على حصاد الصراعات الأهلية بين مكونات المجتمعات العربية ومدى نجاعة التسويات السياسية في طي صفحة الماضي وتحقيق الاستقرار وسُبل ترسيخ ثقافة المُصالحة والتسامح بين مكونات المجتمعات العربية.

تُثير خريطة الصراعات الراهنة في أكثر من بلدٍ عربي بأبعادها السياسية والطائفية وحتى العرقية تُثير تساؤلاتٍ مُختلفة عن مُسبباتها وهل تكمن في الموروث الثقافي لمكونات تلك المجتمعات أم في طبيعة نُظم الحكم فيها كما تفرض احتمالات المستقبل البحث عن سُبلٍ لتسويةٍ ما إلى جانب مساراتٍ لترسيخ قيم المُصالحة والتسامح في مجتمعاتٍ لم تزل آلام الصراع حية في ذاكرتها الجمعية.

[تقرير مُسجل]

مريم أوباييش: معركة عين العرب كوباني على الحدود السورية التركية ليست المعركة الوحيدة في صراعٍ سوري يطول زمنياً ومن حيث تعداد الضحايا والمفقودين، ومهما طال الصراع سينتهي يوماً وربما كما يُرجّح بعض المُراقبين بتسويةٍ بين من ومن؟ ومتى؟ وهل ستنهي الأسباب الّتي أدت إلى نشوب الصراع؟ كُلها أسئلةٌ مُلحة ولكن أكثرها إلحاحاً هل من تسويةٍ تُرمم الجراح وتردم الهوة الّتي ولدتها الحرب بين مكونات المجتمع؟ هل من تسوية تكرّس لثقافة كشف الحقيقة بكل تفاصيلها المؤلمة ومُحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والعفو إذا أمكن عن بعضهم، كم من سنة سينتظر أهالي المفقودين لمعرفة مصير ذويهم؟ العدد التقريبي للمفقودين في سوريا حتى اللحظة يتجاوز 98 ألفاً استناداً لتقديرات مجموعةٍ من اللجان المحلية، الأطراف الّتي توجه إليها أصابع الاتهام بارتكاب جرائم بحق المدنيين وتحت شعاراتٍ مُختلفة ليست قليلة، سوريا ليست بؤرة التوتر الوحيدة على خريطة الوطن العربي، نيران الصراع الحالي في العراق هي نتيجة فشل المرحلة الانتقالية الّتي أملتها الولايات المتحدة بعد غزو بغداد وإسقاط نظام صدام حسين، تغيير الحُكام على أساس المُحاصصة الطائفية لم يُحقق العدالة لأي مكونٍ في المجتمع العراقي بل على العكس تماماً خلق شرخاً كبيراً أدى إلى حربً طائفية يدفع الشعب ثمنها حتى اليوم، دائرة الحرب اتسعت بظهور جماعاتٍ متطرفة مثل تنظيم الدولة الّذي غيّر قصراً ديمُغرافية مدنٍ بكاملها، اُخرج المسيحيون من ديارهم في الموصل وشرّد اليزيديون بعد فرارهم من سنجار، هل الحل السياسي المرجو سيكون قادراً على إصلاح الضرر الّذي أُلحق بكل مكونات الشعب دون استثناء ثم من سيحاسب من على ما آل إليه العراق من تقسيمٍ غير مُعلن؟ بالعودة على بعض الأمثلة في الوطن العربي لمرحلة ما بعد الصراع الداخلي لم تنجح أي دولةٍ في تجاوز الأحقاد وتحقيق العدالة الانتقالية بمعناها الصحيح، قد يكون النظام الجزائري مثلاً نجح في إقناع بعض المسلحين بالنزول من الجبال ضمن قانون الوِئام المدني لكنه فشل في الكشف عن كل تفاصيل ما حدث خلال العشرية السوداء وتقديم كل المسؤولين عنها إلى العدالة، مصير ما لا يقل عن 25 ألف مفقودٍ مجهولٌ ولا يُشكل أولوية لأي مسؤولٍ في السُلطة السابقة والحالية، تجربة جنوب أفريقيا الناجحة بعد سقوط نظام الفصل العنصري لم تجد لها مكاناً في أي من الدول العربية الّتي تحتاج أن تتعلم كيف تواجه أخطاءها قبل أن تفتح صفحةً جديدة خاصةً وأن الصفحات الجديدة في منطقتنا ليست دائماً ناصعة أكثر ولا أفضل.

[نهاية التقرير]

حسن جمّول: نُناقش موضوعنا اليوم مع ضيفنا من بيروت الكاتب والمُحلل السياسي سعد الله مزرعاني مرحباً بك سيد مزرعاني.

سعد الله مزرعاني: مرحباً بكم، أهلاً.

أزمات عربية تستعصي على الحلول

حسن جمّول: كما هو واضح في التقرير وكما هو معروف بؤر ملتهبة في العالم العربي من سوريا إلى العراق إلى ليبيا إلى اليمن ومناطق ودول عربية أُخرى، هل هذه الأزمات بالضرورة في نهاية المطاف ستنتهي بتسوياتٍ سياسية على غِرار ما يجري عادةً في التاريخ؟

سعد الله مزرعاني: لا شك أن دائرة التوتر تتوسع من بلد إلى آخر وهذه الأزمات الّتي تستعصي على الحلول لا تترك فقط تأثيرها في البُلدان الّتي تُعاني منها إنما هي تمتد أيضاً إلى بُلدان مُجاورة قريبة أو بعيدة خصوصاً في منطقة تتداخل فيها عوامل عديدة، تتداخل فيها بالتالي الأزمات وتؤثر في بعضها بشكل مُباشر وكما يقولون الصحة لا تُعدي الّذي يُعدي هو المرض بمعنى أن المشاكل يعني إذا حصلت تجربة جيدة في مكانٍ ما هي تكون محدودة التأثير ربما في ساحتها ليس من السهل أن تنتقل إلى ساحة أُخرى أمّا المشاكل فهي تنتقل للأسف بسرعة أكبر و...

حسن جمّول: نعم، بغض النظر عن توصيف ما يجري إنما ما يحصل في الدول العربية هو صراع بغض النظر عن أسبابه الخارجية والمصالح الدولية وغير ذلك إنما هو يتجلى بصراع بين مكونات المجتمعات العربية، في نهاية المطاف هل بالإمكان لهذه المجتمعات أن تستعيد وحدتها وأن تتصالح فيما بينها ويُسامح بعضها بعضاً فيما لو أتت التسويات الخارجية أو التسويات الكُبرى؟

سعد الله مزرعاني: خلينا نقول بدايةً أن هذه المجتمعات قد افتقرت إلى دينامية كافية مُتكاملة من الناحية الاقتصادية ومن الناحية السياسية على غِرار ما عاشته أوروباً خاصةً بعد الثورة الصناعية في القرن السابع عشر والثامن عشر وبعد أن تمكنت من مُعالجة المشاكل الإثنية والمشاكل القومية والمشاكل الدينية لمصلحة قيام أنظمة مُستقرة، هذا الأمر لم يحصل في البُلدان التابعة عموماً وهذه البُلدان افتقرت إلى دينامية ذاتية لإدارة شؤونها بشكلٍ متوافق عليه وبآليات يجري فيها تداول المسؤولية والسُلطة بشكل سلمي، هذا الأمر أضيفت إليه مجموعة كبيرة كما ذكرت من التداخلات الخارجية الّتي ما زالت تؤثر في مسار هذه البُلدان وكما هو معروف أن بعض البُلدان تُعاني من الافتقار إلى يعني هنالك جماعات تابعة لجماعات خارجية أقوى منها، مرجعيات تتنازع وتفتقر القوى المحلية إلى القدرة على إنتاج قرار ذاتي يُمكّنها من أن تتعامل مع مشاكلها بشكل..

حسن جمّول: ولكن لو سلمنا هنا، لو سلمنا جدلاً أن الاتفاق أو التسوية السياسية أتت من فوق يعني من الخارج وفُرضت على القوى السياسية المُرتبطة في الخارج بأي بلد عربي كان، هل المُجتمع بحد ذاته قادر على أن يستوعب هذه التسوية وبالتالي قادر أن يعيد اللُحمة إلى ذاته بعد الانقسامات الّتي شهدها في أثناء الحرب؟ هذا هو السؤال.

سعد الله مزرعاني: السؤال هذا يعني كما هو معروف أن القوى الخارجية بالفعل في مُناسبات عديدة تدخلت لنتحدث عن لبنان مثلاً واتفاق الطائف، التسوية أساساً أملتها أو نضّجتها التفاهمات الخارجية ورعتها لكن هذه التسوية وقعت على واقع لبناني لم يتمكن من أن يُترجمها في آليات جديدة هي مثلاً على صعيد لبناني أدت تسوية الطائف إلى تعديل التوازنات وليس إلى إلغاء الأساس الّذي يُشكِّل مصدر الشكوى وهو وجود تحاصص كما ذُكر في التقرير على أساس طائفي ومذهبي، يعني الآليات الداخلية لم تتمكن من أن تستفيد من المساعدة الخارجية عندما تحصل وأحياناً لا تحصل هذه المُساعدة الخارجية لأن المصالح الخارجية لا تُملي ذلك أولا تتفق مع ذلك، الآن يعني مطروح على هذه المجتمعات ولأسباب مُتعددة وبسبب تعاظم الأزمات وجنوح بعضها نحو العنف واستعصائها ومُراكمة مزيد من المشاكل، هذا الوضع يُملي على القوى المحلية أن تُفكر أن تعيد النظر أن تُراجع حِساباتها بحيث أن تجنح نحو التسويات والتسويات والمُصالحة تعني الاستعداد لتقديم تنازلات مُتبادلة على أساس الاعتراف بالآخر وبحقوقه..

السلم الأهلي يحتاج ما هو أبعد من الحلول السياسية

حسن جمّول: هذا ما حصل في لبنان كان هناك تسوية لكن رُغم ذلك ربما تجربة تكاد لا تكون مُشجعة كثيراً بما أنك أتيت على ذكر لبنان نريد أن نذكر أن تجارب شعوب مُختلفة تشير إلى أن الحلول السياسية لا تكفي لتحقيق السلم الأهلي بين مكونات أي مجتمع دون بنيةٍ ثقافية تُعلي روح التسامح، في لبنان مثلاً لم يطوي مرور 25 عاماً على توقيع اتفاق الطائف كافة ملفات الحرب الأهلية وعلى رأسها ملف المفقودين، التجاذبات السياسية تكشف أن روح التسامح لم تجد لها قدماً ثابتة بعد على الأرض، نُتابع هذا التقرير.

[تقرير مُسجل]

مازن إبراهيم: ربع قرنٍ أو يكاد مر على وضع الحرب اللبنانية أوزارها، سنواتٌ مضت وتسوياتٌ أُبرمت ومن كان بالأمس يُقاتل على المحاور أصبح اليوم جزءاً رئيساً من الطبقة السياسية الحاكمة، هكذا إذن تحول أعداء الأمس على أركان تسوية يراها الكثيرون هجينةً وما كانت لتقوم لولا سياسة إنكارٍ مُمنهجةٍ مارسها أغلب الساسة، إنكارٌ يرى ناشطون حقوقيون أن أبرز تجلياته ظهر في كيفية مُقاربة لبنان لملف المفقودين في حربه الأهلية، هم 17 ألفاً على أقل تقدير طُمست معالم قضيتهم ونامت ملفاتهم في الأدراج طويلاً، وحدهم أهالي المفقودين وقلةٌ من الناشطين طرحوا الصوت عالياً مُطالبين بنبش دفاتر الحرب ويومياتها ومآسيها فبنسبة لهم لا مكان للغفران بدون مُصالحةٍ مع فصولٍ أليمة من تاريخ لبنان.

[شريط مسجل]

نزار صاغية/ ناشط حقوقي لبناني: هذا الانتظار سمح لنا برأيي أن يكون عندنا أجمل وأنبل وأجل قوة مقاومة ضد هذا النظام الّذي بُني على إنكار الماضي، على الصمت، على طمس الجرائم الّتي حصلت خلال الحرب وكل فظائعها وذكرنا دائماً بأن هذا النظام المُحاصصة الموجود بعد الحرب ليس مشروعاً.

مازن إبراهيم: هكذا إذاً يرى كثيرون أن المُحاصصة السياسية هي الّتي دفعت الطبقة السياسية الحاكمة إلى طمس ما جرى طيلة 15 عاماً من الحرب الأهلية راح ضحيتها الآلاف بين قتيل ومفقودٍ وجريح، فقد انتهى أحد أشكال الحرب الأهلية اللبنانية بعد إلقاء بعض المليشيات سلاحها جانباً وبات قادتها يحكمون بلاداً يرى مثقفون أنها تُعاني ثقباً إرادياً في الذاكرة، أمرُ دفع حكومات ما بعد اتفاق الطائف إلى إنكار حق أهالي المفقودين في المعرفة، حقٌ أصبح من وجهة نظر القانون الدولي مبدأً عاماً مكرساً في الاتفاقيات الدولية والقانون الإنساني وهو ما دفع حكومة تمام سلام إلى الكشف أخيراً عن ملفات التحقيق الّتي جاءت دون حجم التوقعات.

[شريط مسجل]

شكيب قرطباوي/ وزير عدل لبناني سابق: مش عم ندور على عقوبات عم ندور إنه الأهل حقهم بالمعرفة ليطووا صفحة بالنتيجة أليمة جداً في لبنان.

مازن إبراهيم: لكن العدالة الانتقائية وفق كثيرين لم تكن حكراً على التجربة اللبنانية بل وجدت ما يُماثلها في الواقع العربي فتعددت التجارب وإن تغيرت أنماطها، تجارب عجزت عن ترسيخ ثقافة التسامح والمُصالحة من خلال المُكاشفة والمُصارحة فبدت تجارب العادلة الانتقائية شاهداً على أوضاع عددٍ كبيرٍ من الدول العربية الّتي عجزت عن استلهام تجارب فريدة كتلك الّتي خبرتها جنوب أفريقيا والبوسنة والّتي أوجدت آليات للربط بين كشف الحقيقة وتحقيق العدالة سواءً عن طريق العفو أو المُلاحقة القضائية مازن إبراهيم- الجزيرة- بيروت.

[نهاية التقرير]

حسن جمّول: نعود إلى ضيفنا من بيروت الكاتب السياسي سعد الله مزرعاني، سيد مزرعاني بالحديث عن نموذج لبنان هل المُحاصصة فقط هي الّتي حالت دون الوصول إلى المُصالحة الحقيقية بين مكونات المُجتمع اللبناني؟     

حسن جمّول: سيد مزرعاني بالحديث عن نموذج  لبنان هل المحاصصة فقط هي التي حالت دون الوصول إلى المصالحة الحقيقية بين مكونات المجتمع اللبناني؟

سعد الله مزرعاني: التوازن الذي نشأ بموجب تسوية ومشاركة الجميع الحقيقة هو  يعني حال دون أن تفتح  الملفات لأن  الجميع سواسية في تحمل المسؤولية عما حصل من ارتكابات أثناء  الحرب الأهلية، هذا الأمر جرى تكريسه بقانون العفو وهو قانون شمل كل جرائم الحرب باستثناء بعض هذه الجرائم التي لم يجري متابعتها إلا بشكل انتقائي و بشكل محدود واستناداً إلى التوازنات السياسية وليس إلى شمولية المحاسبة للمتهمين أو المرتكبين، ضحايا الحرب كثر والاتفاق عزز من إمكانية طمس جزء كبير من الحقائق خصوصاً بملف المفقودين ليس في تقاليد  الأطراف المتنازعين في لبنان شيء من الشجاعة أو النزاهة فلنقل الأمور بشكل صريح.

حسن جمّول: هناك من يقول  يعني في مقابل ذلك هناك من يقول انه لو فتحت هذه الملفات من جديد أو لو حوسب من قام بها  لما بقيت طبقة سياسية ولربما تفجر الوضع من جديد علما أن قادة الميليشيات الطبقة السياسية  الموجودة هي التي تحمي هذا النسيج  اللبناني بغض النظر عن عيوبها.

سعد الله مزرعاني: المواطن وضع  أمام خيارات كلها صعبة لكن كان أقلها سوءا أن يتفاهم المتقاتلون، أن يتحاوروا، أن يجلسوا معا، أن يشكلوا معا أساس سلطة سياسية في البلد لوقف الحرب، الأخطر كان استمرار الحرب، هذا الأمر ترك ضحايا في كل الاتجاهات وبشكل خاص على مستوى المفقودين ثم أن تداخل الوضعين السوري واللبناني ترك هذا الوضع أيضاً جرحا مفتوحاً  بالنسبة لعدد كبير من المفقودين لأن الساحتين كانتا متداخلتين..

حسن جمّول: الآن عفواً هناك ما يشبه الحالة اللبنانية، يعني لو خرجنا من الحالة اللبنانية إلى الحالة العربية الأوسع هناك ما يشبه الحالة اللبنانية ولو بشكل ربما  أكبر وتداخلات أوسع في سوريا في العراق مثلاً، وأيضا في ليبيا وفي اليمن، هل في نهاية المطاف المحاصصة ستكون أمرا سيئاً لهذه الشعوب وبالتالي السؤال المطروح المحاصصة أفضل أم التقسيم أفضل، يعني التسويات التي تحافظ على وحدة هذه الدول مع المحاصصة أفضل أم التقسيم إلى دويلات يكون أفضل؟

سعد الله مزرعاني: لا بد من تسويات مؤقتة لوقف النزف والحروب و العنف و لكن لهذا الأمر ثمن هي اقل الاحتمالات  سوءاً إنما هذا لا يلغي ضرورة أن نستفيد من تجاربنا وان نجنح نحو الحوار والحوار يفترض الاستعداد لتقديم تنازلات، التخلي عن الخاص من أجل العام وعن الفئوي من أجل المشترك ما لم نفعل ذلك ويضاف إلى هذا الأمر أن نبقى عاجزين عن توليد المشتركات التي تؤمن وحدة بلداننا، نحن نفتقر إلى هذه المشتركات التي تساوي الوحدة الوطنية في هذا البلد أو ذاك هذه الوحدة مهتزة، إذا تحدثنا عن لبنان بشكل خاص نجد أن الخلافات كبيرة بشأن التاريخ والحاضر والمستقبل بشأن العدو والصديق يجتمع الجميع تحت سقف نظام المحاصصة، أتحدث عن القوى النافذة، لكن هذا حتى حين تحصل التسويات هو يؤجل المشكلة ولا يعالجها من جذورها، نحن سنبقى محكومين بهذا النوع من عدم الاستقرار ومن عدم التفاهم العميق بين مكونات شعوبنا طالما استمرينا باعتماد الفئويات والتحاصص والابتعاد عن المساواة بين المواطنين..

الصراع السياسي في أوروبا مضبوط بمؤسسات تحتويه

حسن جمّول: لكن هل البيئة العربية عفواً سيد مزرعاني البيئة العربية عبر التاريخ يعني هل فيها ما يدفع نحو يعني استيلاد  التسويات والتنازل المتبادل و بالتالي إنشاء حالة من الحوار ومن المصالحة والتسامح.

سعد الله مزرعاني: يعني لو قارنا بين البيئات الأخرى التي تعيش مرحلة من التسامح و من التفاهمات العميقة التي تحفظ وحدة المجتمع وتحيل التباينات إلى الصراع السياسي المضبوط عبر مؤسسات تحتويه هذا في أوروبا حصل مثلاً يعني كان هنالك حروب دينية وحروب بين الطوائف و حروب بين البلدان وحروب عالمية انطلقت من أوروبا بشكل خاص مرتان وانخرطت فيها كل أوروبا وكل العالم تقريبا ومع ذلك هذا التاريخ جرى وضع حد لنزاعاته عبر التأسيس لعلاقات تقدم الأهم على المهم و تقدم الوحدة الوطنية على الفئويات.

حسن جمّول: لكن عن ماذا تخلت تلك المجتمعات حتى وصلت إلى تلك النتيجة؟

سعد الله مزرعاني: أسست للمساواة بين المواطنين وضعت أسسا لتداول السلطة، وضعت أسسا للحريات، وضعت قوانين لتسيير المجتمع تحترمها السلطة كما يحترمها الفرد، طبعاً هذا أمر نسبي إنما بشكل عام هذا الاستقرار السياسي الذي تعيشه هذا البلدان ناتج عن تسويات يحترمها الجميع و يسعى الجميع لتطويرها بهذا القدر أو ذاك من النجاح، لا شك أن هنالك توترات في بعض البلدان إنما يجري استيعابها من قبل المؤسسات احتوائها،  عندنا عندما تتفاقم الأزمات تتعطل المؤسسات، خلينا نتحدث عن لبنان مثلاً يتعطل مجلس الوزراء ومجلس النواب و يتعذر تشكيل الحكومات وكما ذكرت هنالك نزاعات داخلية وهنالك تدخلات خارجية لأن هذه البلدان لم تتمكن من أن تعتمد دينامية وآلية وحيوية ما تمكنها من أن تحكم نفسها وتتعاطى مع الأزمات بما..

حسن جمّول: طيب سبب هذا العجز.

سعد الله مزرعاني: يضع هذه  الأزمات..

حسن جمّول:  سبب.

سعد الله مزرعاني: خارج تهديد وحدة المجتمع، نعم.

حسن جمّول: سبب هذا العجز ما هو؟

سعد الله مزرعاني: سبب هذا العجز هو عدم تبلور صيغ للحكم مناسبة بحيث أنها تكون فوق فئويات الجميع، لنأخذ قانون الانتخاب مثلاً، القانون لا ينطلق من حاجات المجتمع ومن مبدأ المساواة ومن مبدأ العدالة ومن مبدأ تكافؤ الفرص هو يوضع من أجل يعني هو يوضع للتوزيع بين المتحاصصين كما يسري الأمر على الإدارة وعلى الموازنة، لنأخذ تجربة تونس مثلاً الآن تخوض يعني يخوض التوانسة تجربة قد تكون الأنجح، حكمت حركة النهضة مع بعض الشركاء كانت هي الأساس لكنها قررت بشكل واعي أنها لا تستطيع أن تستمر وحدها، تشكلت حكومة برضا الجميع تشرف على الانتخابات، هذا نموذج جيد، هذا قرار اتخذته هذه القوى بشكل واعي يعني كان يمكن لحركة النهضة أن تتمسك بالحكم والسلطة.

حسن جمّول:  يعني نموذج برأيك يمكن أن يعمم.

سعد الله مزرعاني: أنا لا امتدح جهة بعينها.

حسن جمّول: شكراً.

سعد الله مزرعاني: لكن ينبغي أن نستفيد..

حسن جمّول: أشكرك جزيل الشكر لأن الوقت انتهى أشكرك جزيلاً سعد الله مزرعاني الكاتب السياسي حدثتنا من بيروت، بهذا تنتهي حلقتنا من برنامج الواقع العربي نرحب بتعليقاتكم على صفحة البرنامج على موقع فيسبوك وتويتر نلتقي غداً بإذن الله في حلقة جديدة إلى اللقاء.