لا تخلو الدساتير العربية من نصوص تؤكد أن الجيوش ملك للشعوب ومهمتها حماية الحدود والحفاظ على أمن البلاد وسلامة أراضيها، لكن منذ أكثر من ستة عقود لعبت الجيوش العربية أدوارا مختلفة في الحياة السياسية، وشارك بعضها في انقلابات غيرت نظم الحكم، وتربع قادتها على رأس السلطة في أكثر من بلد لعقود حتى تفجرت ثورات الربيع العربي.

وقد تباينت مواقف قادة هذه الجيوش من هذه الثورات المطالبة بالحرية والديمقراطية.

وحسب أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة التونسية المولدي لحمر، هناك نقطة فاصلة بين الجيوش العربية، بين دول صنعت جيوشا وجيوش صنعت دولا. وفي الحالة التونسية فإن الدولة التي صنعتها نخب مدنية ونقابات وأحزاب هي التي صنعت الجيش وحددت له وظيفته المتمثلة في حماية الدولة وحدودها.

وبخلاف الجيش المصري الذي هو قوة ردعية وأيضا قوة اجتماعية وسياسية وحتى اقتصادية، لا يلعب الجيش التونسي -يواصل لحمر- أدوارا سياسية ولم يتدخل في ثورة 2010 و2011. وأضاف أن الجيش مؤسسة تخضع للدستور، وأن النخب السياسية قادرة على التوصل إلى توافقات في حال الأزمات، مما يمنع تدخل الجيش.

أما الخبير العسكري والإستراتيجي العميد المتقاعد محسن خصروف فيقول إنه على عكس تونس، فإن المجتمع المدني في اليمن ضعيف، وهناك قوة النزعة العسكرية التي تؤثر على المجتمع والتي شجعت القوى السياسية على أن تتمادى في اختراق المؤسسة العسكرية.

وأكد أن الولاءات تعددت داخل الجيش اليمني بعد ثورة 2011 وأنها شتت ولاءه، حتى إن الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي عجز عن السيطرة عليه، لكنه شدد على أن الجيش اليمني ليس ضعيفا، وأن ما حصل في المدة الأخيرة في العاصمة صنعاء كان عبارة عن "تسلم وتسليم باتفاقات محلية وإقليمية ودولية".

ويذكر أن الحوثيين سيطروا في 21 سبتمبر/أيلول الماضي على معظم المقار الرسمية في صنعاء من دون مواجهة تذكر مع الأجهزة الرسمية.

ودعا الخبير اليمني في حلقة 1/10/2014 من برنامج "الواقع العربي" إلى إعادة هيكلة الجيش في اليمن وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس دستورية وقانونية ووطنية.  

وكانت وحدات من الجيش اليمني دعمت الثورة على نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح فيما ساندته وحدات أخرى.

من جهته، ركز رئيس منتدى الحوار الإستراتيجي لدراسات الدفاع اللواء عادل سليمان على اختلاف ظروف وسياق تكوين الجيوش العربية، فالجيش المصري على سبيل المثال قديم يعتمد على التجنيد الإجباري، بينما التونسي هو بعيد عن المجال السياسي، واليمني يعتمد على القبائلية.

غير أن نقطة التوافق بين الجيوش العربية هي أنها أمينة حريصة على الوطن وعلى الحفاظ على كيانه طبقا للمفاهيم السائدة لديه. 

أما الجيش المصري فهو يعتقد أنه حامي الدولة والوطنية المصرية، وأنه يتدخل في حال شعوره بتهديد، واعتبر سليمان أن هذا الجيش لم يلعب دور الحكم مطلقا على مدى ستين عاما، وأن شريحة من المجتمع المصري لجأت إلى الجيش ليؤيدها لا ليحكم عندما اختلفت مع تيار سياسي.

اسم البرنامج: الواقع العربي

عنوان الحلقة: الجيوش العربية.. الدفاع عن الحدود أم حماية النظم؟

مقدم الحلقة: عبد الصمد ناصر

ضيوف الحلقة:

-   المولدي لحمر/ أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة التونسية

-   محسن خصروف/ خبير عسكري وإستراتيجي

-   عادل سليمان/ رئيس منتدى الحوار الاستراتيجي لدراسات الدفاع

تاريخ الحلقة: 1/10/2014

المحاور:

-   دور المؤسسة العسكرية في التحول الديمقراطي

-   انخراط الجيش في الحياة السياسية

-   إستراتيجية الجيش في ضوء المتغيرات الجديدة

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم في هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي التي نرصد فيها حال الجيوش العربية، أين كانت وإلى أين انتهت في السنوات الأخيرة؟ ونطرح فيها تساؤلاتٍ عن دور الجيوش تحديداً في تونس ومصر وسوريا واليمن بين الدفاع عن الحدود والشعوب وحماية نُظم الحكم.

نظرياً لا تخلو الدساتير العربية من نصوصٍ تؤكد أنّ الجيوش ملكٌ للشعوب ومهمتها حماية الحدود والحفاظ على أمن البلاد وسلامة أراضيها، لكن منذ أكثر من 6 عقود لعبت الجيوش العربية أدواراً مختلفةً في الحياة السياسية وشارك بعضها في انقلاباتٍ غيّرت نُظم الحكم وتربّع قادتها على رأس السلطة في أكثر من بلد لعقود حتى تفجّرت ثورات الربيع العربي، وقد تباينت مواقف قادة هذه الجيوش من هذه الثورات المطالبة بالحرية والديمقراطية، نرصد بعضاً منها في التقرير التالي.

[تقرير مسجل]

تعليق صوتي: درع الوطن، أليس هذا ما رأيناه دوماً في كل جيشٍ من جيوش العرب؟ لا عيب في ذلك فالمهمة الرئيسية للجيوش تنصرف أساساً إلى حماية الأوطان من الأخطار الخارجية، لكنّ تلك الأخطار القائم منها والوهمي طالما فتحت شهيّة الجيوش لأدوارٍ لا تقع في دائرة اختصاصها، وليتها اضطلعت باختصاصاتها على الوجه الأكمل إذاً لكنّا شهدنا سيلاً من الانتصارات العربية على إسرائيل، فبدل الاكتفاء بتحقيق شعاراتٍ من قبيل التحرّر ومقاومة الاستعمار والرجعية انصرفت جيوشٌ عربيةٌ بعد تحرير الأوطان إلى حكمها، فباكراً عرفت الدول العربية ظاهرة الانقلابات العسكرية حتى بلغت 41 انقلاباً في الفترة بين عامي 1936 و 1970 من القرن الماضي ومع انخراط العسكر في لعبة الحكم استُنزفت موارد بلدان وقُمعت حريّات أبنائها وتجدّد السؤال عن الحد الفاصل بين حماية الشعوب والأوطان وحماية الأنظمة، ومع تفجّر ثورات الربيع العربي وُضعت تلك الوظيفة أمام امتحانٍ عسير، فهل أعادت رياح الربيع العربي تشكيل الجيوش العربية؟ وهل عدّلت وظائفها؟ كانت الثورات في جوهرها تتطلّع لتأسيس جمهورياتٍ جديدة تقوم على حكم الشعب، ومع أنّ القوات المسلحة في كل بلاد الثورات العربية قد وجدت نفسها في مواجهة الاحتجاجات فإنّ جيوشها أخذت منها مواقف متباينة، لكنّ الأكيد أنّ بعض الجيوش لعب دوراً محورياً في إنجاح الثورات أو ربّما إفشالها، فمنها ما تحوّل إلى أداة قتلٍ في يد الأنظمة الاستبدادية فظهرت مثلاً العقيدة الحقيقية للجيش السوري الذي بدا أنّ أفراده حماةٌ للنظام لا الديار، حتى طبيعة الانشقاقات في صفوف الجيش السوري عمّقت الاعتقاد بطائفية تركيبته، كيف لا وقد سيّسه نظام البعث منذ ستينات القرن الماضي وهدم روحه الاحترافية وسخّره لحماية طائفةٍ ونظام. سقمٌ مشابه ألمّ بالجيش اليمني الذي حكم البلاد بانقلاباتٍ منذ الثورة على حكم الأئمّة في ستينات القرن الماضي وصولاً إلى حكم الرئيس علي عبد الله صالح، وبعد تفجّر الثورة على صالح انقسم الجيش تتنازعه ولاءات قادته القبلية والسياسية، النتيجة جيشٌ تبدّد ضاعت صنعاء من بين يديه لمصلحة الحوثيين. أمّا مصر فوضعها مختلف انحاز جيشها لثورة يناير وعجّل برحيل الرئيس مبارك، لكنّ الأحداث كشفت لاحقاً أنّ الجيش الذي اتصل منذ الخمسينات بالسلطة السياسية لا يتخلّى عن النظام فهو النظام، فرؤساء مصر قدموا جميعاً من المؤسسة العسكرية إلا واحداً انقُلب عليه، صار الجيش هو المهيمن على الحياة السياسية والاقتصادية في البلد وأفلح في شطر المصريين إلى فريقين معه وضدّه. وحدها تجربة الجيش التونسي مع الثورة بدت مُبشّرةً مُطمئنة، فالجيش الذي لا دور سياسياً تاريخياً له والخاضع لسلطةٍ مدنية عانى هو نفسه من التهميش، ولعلّ ذلك ما عجّل بحسمه الموقف لصالح قوى التغيير فوقف مع الشعب، وإلى اليوم لا يزال الجيش التونسي يرقب المشهد السياسي من بعيد، إنّه كما يبدو مُصرًّ على لعب دور الحارس الضامن للعملية السياسية.

[نهاية التقرير]

عبد الصمد ناصر: ولمناقشة هذا الموضوع ينضم إلينا من تونس المولدي لحمر أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة التونسية، ومن صنعاء الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد مُحسن خصروف، وعبر الهاتف من القاهرة اللواء عادل سليمان رئيس منتدى الحوار الاستراتيجي لدراسات الدفاع، نُرحّب بكم ضيوفنا الكرام، لواء عادل سليمان يعني التقرير الأخير الذي قدمناه قبل قليل عرض تجربة الجيوش العربية الأربعة خلال السنوات الثلاث الأخيرة بعد اندلاع الربيع العربي، نسأل هنا هل هناك كما تُتابع فوارق أو نقاط مشتركة بين هذه الجيوش سواءٌ من حيث النشأة سواءٌ من حيث التشكيل سواءٌ من حيث العقيدة القتالية، وكيف أثّرت هذه العوامل في نظرة هذه الجيوش إلى ما حدث بعد ثورات الربيع العربي وإلى أيضاً علاقتها بالشعوب التي خرجت ثائرة؟

عادل سليمان: في حقيقة الأمر هناك توافق في نقطةٍ معينة واختلاف وتباين في نقطةٍ أخرى، النقطة التي تظهر فيها التباينات بشكلٍ واضح هي طبيعة تاريخ تكوين الجيوش الأربعة المختلفة، كل منها نشأ وتطور في ظروفٍ تختلف تماماً وفي سياقٍ مختلفٍ عن الآخر كما اتضح حتى من تقريركم، الجيش السوري نشأ بشكلٍ مختلف تطور بشكلٍ مختلف، الجيش اليمني بنيته الأساسية قبائلية، الجيش المصري جيش قديم عمره يتجاوز 200 سنة هو جزء من نسيج المجتمع المصري حيث أنّه يعتمد على التجنيد الإجباري من كل أبناء مصر، الجيش التونسي كان بعيداً عن المجال السياسي بشكلٍ كبير هذا هو التباين الرئيسي، أما التوافق ما بين كل هذه الجيوش أنّ لديها مفهوم أنّها هي الأمينة والحريصة على الوطن أنّ مسؤولية الوطن يقع على عاتقها، ليس فقط الدفاع عن الوطن وحمايته ضدّ التهديدات الخارجية ولكنّها أيضاً الحفاظ على كيان الوطن وتماسكه وبنيته الداخلية طبقاً للمفاهيم السائدة داخل الجيوش، هذا هو التوافق أو الاتفاق ما بين المفاهيم في الجيوش الأربعة الإحساس بأنّهم مسؤولون عن بنية الوطن، فإذا أخذنا المثال المصري على سبيل المثال الجيش المصري يعتقد أنّه الحامي للوطنية المصرية والحامي للدولة المصرية فإذا شعر أنّ هناك تهديداً لبناء الدولة وبنيتها فعليه أن يتصدّى لهذا التهديد، هذا هو المنطلق الذي انطلق منه..

دور المؤسسة العسكرية في التحول الديمقراطي

عبد الصمد ناصر: ولكن لواء عادل سليمان هذا الموضوع يفتح لنا أيضاً النقاش حول مسألة الدور الحقيقي الذي يُفترض أن تضطّلع به المؤسسة العسكرية أو الجيش في حياة المجتمعات وحياة الدول، لماذا لم تتخذ المؤسسة العسكرية مثلاً في مصر دور الحكم حينما تختلف القوى المشكّلة للمشهد السياسي بمعنى حينما ترى أنّ العلاقات بين هذه القوى قد وصلت إلى نفق مسدود أو إلى حالٍ يمكن أن يُهدّد الدولة وقتها يمكن أن يتدخل الجيش؟

عادل سليمان: لأنّ هذا يرتبط بطبيعة دور الجيش على مدى أكثر من 60 سنة، طبيعة دور الجيش عندما قام التغيير السياسي الرئيسي في يوليو 1952 من ذلك الوقت وضع في عقيدته وفي مفهومه أنّه الحامي لبنية الدولة وللنظام وللوطن هذا هو المفهوم، لم يلعب دور الحكم مطلقاً على مدى 60 عاماً هذا الدور كان غائباً، وربّما تمّ التساؤل عنه مؤخراً في أعقاب 25 يناير وثورات الربيع العربي وبدأ يظهر كطرحٍ جديد غير معتاد عليه لا داخل الجيوش ولا حتى في المجتمع، فنجد أنّ هناك شريحة من المجتمع المصري على سبيل المثال عندما اختلفت مع تيار سياسي آخر التجأت إلى الجيش لا ليحكم بينهما ولكن ليؤيدها وليناصرها.

عبد الصمد ناصر: شكراً لك اللواء عادل سليمان رئيس منتدى الحوار الاستراتيجي لدراسات الدفاع من القاهرة، نتحوّل إلى ضيفينا في تونس واليمن نبدأ بدايةً مع العميد المتقاعد محسن خصروف الخبير العسكري والاستراتيجي في صنعاء، العميد المتقاعد محسن خصروف الكل تساءل في ضوء التطورات الأخيرة أين اختفى أين تبخّر الجيش اليمني حينما سقطت صنعاء بيد الحوثيين وخاصةً الحرس الجمهوري؟

محسن خصروف: أنت تتكلم عن عرب ما تتكلم عن السؤال هذا، الجيوش العربية بشكل عام قيادتها صنفان أو ضُباطها صنفان كبار الضباط وصغار الضباط، كبار الضباط هم دائماً جزء من بنية النظام السياسي وهم حماة النظام باستمرار، وحين يصل فساد الفئة الحاكمة إلى الدرجة التي تُهدّد بقاء النظام يتدخل هؤلاء الكبار ليُغيّروا فئة بفئة أخرى ويحافظوا على النظام كما هو ويعودوا إلى الثكنات وهم دائماً مطيعون للقيادة السياسية، صغار الضباط هم الفئة التدخلية التي إن تدخلت تسعى إلى قلب النظام قلبه من جذره واستبدال فئة أو طبقة حاكمة بأخرى، هذا الحال في الوطن العربي منذ الخمسينات بل منذ الأربعينات في سوريا وهو حال الجيش المصري وحال أي جيش في الوطن العربي، الجيش اليمني نفسه مرّ بهذه التجارب الجيش اليمني في عهد الإمام غيره في عهد السلّال غيره في عهد إبراهيم الحمدي غيره في عهد علي عبد لله صالح غيره في الحال القائمة الآن، الجيش قبل الثورة كان جيش الإمام وضابط إمام وعسكرية إمام وسواق إمام وكله تبع إمام والطاعة مطلقة لا حدود لها، في عهد بعد الثورة مباشرةً رُبّي الجيش على أساس وطني انحيازه للشعب ولائه للوطن، بعد حركة 5 نوفمبر 1967هجم على المؤسسات العسكرية القوى القبلية فجزّأت الجيش إلى مناطق نفوذ وأصبح المشايخ وحدات وتشكيلات قتالية، جاءت حركة 13 يونيو 1974 لتعيد الجيش هويته الوطنية وتتخلّص من مراكز القوى وتعيد الإعداد المعقول والقتالي من جديد ليصبح هذا الجيش..

عبد الصمد ناصر: طيب حتى نختصر الوقت لا ندخل كثيراً في السرد التاريخي العميد المتقاعد..

محسن خصروف: نختصر الوقت، عشان أوصّل لك للسؤال الذي سألته أنت الآن..

عبد الصمد ناصر: إلى واقع الجيش اليوم ودوره في الحياة السياسية.

محسن خصروف: من الصعب أن تتكلّم عن واقع الجيش دون أن تعرف ما الذي حصل، في عهد الزعيم علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية السابق وهو الآن زعيم المؤتمر الشعبي العام تحوّل حال الجيش من حال إلى حال، أُختُصر الوطن والولاء للوطن في شخص وفي فئة معينة وتم تدمير تقاليده العسكرية وقواعد الولاء وقواعد الأقدمية والمؤهل العلمي والخبرة والتخصص وصار أهل الثقة في القوات المسلحة هم الذين يتبوءون المناصب بغض النظر عن إمكانياتهم وأقدميتهم حتى وصل الجيش إلى ما وصل إليه الآن، الجيش اليمني في الحالة التي تسأل عنها أنت ليس جيشاً ضعيفاً ولم يُسلّم صنعاء ولم تسقط العاصمة، العاصمة اليمنية جرى فيها تسليم وتسلُّم دور وتسليم باتفاقات إقليمية ومحلية ودولية بدأت في عُمان وانتهت يوم 21 مارس بدخول بضعة أفراد   أو أشخاص أو إلى مفاصل القوات المسلحة..

عبد الصمد ناصر: هل معنى ذلك أنّ الجيش..، اسمح لي يعني أنت..

محسن خصروف: والسيطرة على مقرّ القيادة العُليا..

عبد الصمد ناصر: نعم، نعم، هل معنى ذلك أن الجيش كان متواطئاً منذ البداية حينما قال أنّه يلتزم الحوار من بدايات الصراع حينما كان هناك صراع بين الحوثيين وبعض القبائل حينما قال بأنّه يلتزم الحياد؟

محسن خصروف: اسمح لي أنا أريد أن أُسجّل نقطة هنا، أنّه يُفترض في النظم السياسية الديمقراطية التعدّدية ذات الألوان السياسية المختلفة أن تبتعد كل الأحزاب السياسية تماماً عن المؤسسة الدفاعية، أن لا تحاول أن تخترق هذه المؤسسة وتخلق ولاءات، مشكلة الجيش اليمني أنّه بعد ثورة 2011 تعدّد الولاء الداخلي، مراكز القوى والنفوذ المتنازعة على السلطة صارت تتنازع على النفوذ داخل القوات المسلحة حتى شتّتت ولائه وأضعفت إمكانياته وقدراته القتالية، الأحزاب السياسية وأنا أعني على وجه الخصوص حزبين رئيسيين: المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح صار كل حزب منهما يحافظ على نفوذه في المؤسسة الدفاعية وكان هناك كتلتين قتاليتين رئيسيتين في القوات المسلحة اليمنية: الفرقة الأولى مدرّع والحرس الجمهوري، الفرقة الأولى مدرع يقودها اللواء حرب علي محسن صالح وميولها أو هواها إلى التجمع اليمني للإصلاح أكثر من الجانب المهني الحرفي، والحرس الجمهوري هواه وولائه لعلي عبد الله صالح، حتى أنّ الرئيس عبد ربه منصور هادي حاول أن يلم هذا الشتات عجز عن أن يُسيطر على المؤسسة الدفاعية بالقدر المهني المطلوب حتى صار إلى ما صار إليه، أخيراً الذي صار لا تظن أنّه لا هزيمة للجيش اليمني ولا عدم قدرة قتالية ولم يقاتل الجيش اليمني اتفاق القيادات العسكرية الكبرى في القوات المسلحة اليمنية مع القيادات السياسية مع القوى الإقليمية مع القوى الدولية اتفقت على أن يحصل ما حصل يوم 21 مارس بدون قتال والباقي مسرحية علنية عبثية لا يعلم خفاياها إلا مَن يعرف خفاياها.

انخراط الجيش في الحياة السياسية

عبد الصمد ناصر: نعم سنبني على هذا الكلام ربّما كلاماً آخر ولكن أريد هنا أن أُشرك معنا من تونس المولدي لحمر أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة التونسية، المولدي لحمر عادةً القرار العسكري أو المؤسسات العسكرية في الديمقراطيات الحقّة تخضع لقرار النخبة السياسية المدنية، ولكن السؤال هنا في الوطن العربي النخبة العسكرية هي التي بدأت تأخذ زمام الأمور في بعض البلدان وتتشبّث بكرسي الحكم، هل هذه النخبة أو المؤسسة العسكرية قادرة فعلاً على صُنع ديمقراطية حقّة، قادرة فعلاً أن تكون ذلك صمام الأمان الذي يمكن أن يبني حياة سياسية مدنية متوازنة لا يمكن أن يكون فيها تأثير كبير للمؤسسة العسكرية؟

المولدي لحمر: هناك نقطةٌ فاصلة بين الجيوش العربية، هناك جيوشٌ صنعت الدولة وهناك دولاً صنعت الجيوش، في الحالة التونسية الدولة هي التي صنعت الجيش في كثيرٍ من التجارب العربية الجيش هو الذي يصنع الدولة، وعندما يصنع الجيش الدولة يُصبح قوة سياسية في الحالات العادية تحكم من خلف الستار وفي أوقات الأزمات تتقدم إلى مسرح العمليات بشكلٍ مباشر وتتحكم في المسار السياسي الذي هو الموضوع التاريخي، بالنسبة للجيش التونسي الدولة التونسية صنعتها نخب مدنية قاومت الاستعمار الفرنسي لمدة 35 سنة، عندما أقول قوى مدنية معناها نقابات وأحزاب وجمعيات مدنية قادت العمل السياسي وصنعت الدولة وأسّست جيشاً حدّدت له وظيفته بالضبط وهو حامي الدولة التونسية وحدودها، لم يتدخل الجيش في الأزمات التي عصفت بتونس عندما كان الموضوع هو الصراع دون أن يصل إلى أزمة خطيرة، في وقت 2010- 2011 الموضوع الذي كان يهم الجيش التونسي هو الدولة التونسية، وأُصحّح نقطة هنا قالها الأخ اللواء من مصر الجيش التونسي وقف وقفته أثناء الثورة ليس لأنّه كان مهمّشاً من طرف الدولة بل لأنّ وظيفته في عقيدته السياسية لا يلعب دوراً سياسياً عكس الجيوش الأخرى، الجيش المصري لا يُمثّل قوةً ردعية فقط يُمثّل قوةً اجتماعية وسياسية وحتى اقتصادية وهذا معروف، أكثر من 30% من الاقتصاد المصري هو..

عبد الصمد ناصر: هل هذا أمرٌ طبيعي؟

المولدي لحمر: هذا أمرٌ غير طبيعي ولكنّه أمرٌ تاريخي هذا ما حدث، بالنسبة لتونس الدولة هي التي صنعت الجيش والجيش هو مؤسسة تخضع للدولة التونسية التي هي دولة مدنية، لهذا السبب في هذه المرحلة بالضبط في 2010 و2011 تصرف الجيش التونسي كمؤسسة من مهماتها حماية الحدود وحماية الدولة لم يتدخل في النظام الذي سيجري للحكم.

عبد الصمد ناصر: ولكن هنا السؤال أيضاً دكتور المولدي، ما هي الحدود الفاصلة بين دور الجيش الذي يُحدّده الدستور والذي يُخضعه كما في تونس للقيادة المدنية وبين الدور الذي قد يفرضه الأمر الواقع حينما تكون البلاد ربّما مهدّدة لاضطرابات وقلاقل؟

المولدي لحمر: هنا المحدّد هو قوة المجتمع المدني والثقافة السياسية للمجتمع، في تونس ليس مقبولاً أن يلعب الجيش دوراً سياسياً معناه هو مؤسسة تخضع للدستور وتخضع لدولة مدنية والمجتمع المدني التونسي قوته في أنّه أثناء الصراعات يصل غالباً إلى توافقات سياسية تمنع الجيش من الدخول أو لا تعطيه الفرصة في الدخول، عندما تفشل المجتمعات المدنية في علاقتها بالسلطة السياسية في العثور على حل توافقي عند ذلك يدخل الجيش وعادةً يدخل تحت شعار أُلبّي نداء الواجب الوطني، في التجربة التونسية كان هناك نخبة سياسية قادرة على أنّها تصل إلى توافقات وإلى تنازلات، وصلنا في مرحلة معينة في 2013 إلى ظرف صعب جداً وتتذكرون هذا، وهناك ربّما مَن كان من القوى السياسية التي ربّما خسرت مواقعها ربّما كان يتمنى على الجيش أن يتدخل، لم يتدخل الجيش وتوصل المجتمع المدني إلى توافقات سمحت لنا بمواصلة المسار دون تدخل الجيش ولم يُهدّد الجيش بالدخول.

عبد الصمد ناصر: نعم، على ذكر التوافقات هنا يعني يُفترض أنّ هناك في تونس توافق بين النخبة المدنية والعسكرية، وسؤالي هنا كيف يمكن أن نصوغ علاقة قائمة على التوازن على التوافقات علاقة مدنية عسكرية بشكل تُحيّد الجيش وتمنعه من التدخل نهائياً في الحياة السياسية؟

المولدي لحمر: هذا مرتبط بقدرة المجتمع المدني، في تونس عنا أقدم نقابة في إفريقيا وعنا حزب استطاع ولو أنّه كان مُهيمَنا وكانت هناك معارضات غير مسموح بها ولكنّه كان يشتغل في إطارٍ حزبي، والثورة التونسية أرادت أن تنتقل إلى مرحلة أخرى بحيث تكون لدينا تعددية سياسية حزبية وربّما حتى نقابية وفي هذا الإطار نصنع التوافق وفي هذا الإطار بالضبط تبقى الثقافة التي هي ثقافة ورثناها عن تجربة النظام السياسي في تونس أن يبقى الجيش كمؤسسة بالعكس هي التي تحمي المجتمع المدني لكي يستطيع أن يصل..

عبد الصمد ناصر: المدني والحياة السياسية نعم، وهنا أريد أن أوجّه هذه النقطة بالذات..

المولدي لحمر: طبعاً، طبعاً.

إستراتيجية الجيش في ضوء المتغيرات الجديدة

عبد الصمد ناصر: اسمح لي، أوجّه هذه النقطة بالذات في الأخير للعميد المتقاعد محسن خصروف بناءً على ما قلت قبل قليل بأنّ الجيش لا ينقسم وأنّ هناك كما بدا لك صفقة إقليمية وداخلية هي التي أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، ولكن هنا سؤالي إذا كان هناك تيار في الجيش ربّما هو الذي كانت له الكلمة في الأخير على حساب تيار آخر كيف سيؤثر ذلك على شكل وتشكيلة وهيكلية الجيش اليمني في ضوء التطورات السياسية الأخيرة؟

محسن خصروف: شكراً لك، وأنا أشكر الأخ المتحدث من تونس قال كلاماً مفصلياً مفيدا ومهما، في المجتمع اليمني الحال على العكس تماماً مما هو في تونس، ضعف المجتمع المدني ومحدودية الثقافة السياسية ومحدودية تأثيرها في المجتمع وقوة النزعة العسكرية في المجتمع اليمني، قدرة العسكر على التأثير على قوى المجتمع السياسية هي التي جعلت النزعة العسكرية هي النزعة السائدة في المجتمع وشجّعت القوى السياسية التي يُفترض أنّها حديثة وأنّها مُعوّل عليها أن تبني نظام سياسي جديد تعددي على أن تتمادى في محاولاتها في اختراق المؤسسة الدفاعية..

عبد الصمد ناصر: طيب الآن المستقبل..

محسن خصروف: الآن القضية الأساسية هي..، الآن المستقبل يعني المطلوب الآن أن يكون للمجتمع المدني دور فاعل ومؤثر وقوي في الدفع بالنظام السياسي إلى إعادة هيكلية وبناء المؤسسة العسكرية على أُسس وطنية وقانونية ودستورية وعلمية بما يحفظ النظام السياسي التعدد الديمقراطي المزمع إنشاؤه هويته وقدرته على النمو والتقدم، ويُحرّم بالمطلق على كل القوى السياسية أن تقترب من القوات المسلحة وأن تكون الهيكلية على أُسس كما قلت دستورية وقانونية وعلمية، هذا هو الطريق الصحيح للوصول إلى المجتمع المدني.

عبد الصمد ناصر: نعم شكراً لك العميد المتقاعد محسن خصروف الخبير العسكري والاستراتيجي من صنعاء كما نشكر من تونس المولدي لحمر أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة التونسية، بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج الواقع العربي شكراً لمتابعتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.