- الحضارة الإسلامية والعقلانية الحوارية
- الحق وتعدده والهوية والغيرية

- فلسفة المنطق وفلسفة اللغة والاهتمام بالتداوليات


مالك التريكي: بينما عمل كثير من الباحثين المعاصرين في التراث العربي الإسلامي على عقلنة هذا التراث أو تنقيته أو استصلاحه باعتبار أن قسما قليلا منه فقط ينسجم في رأيهم مع روح العصر، فإن المفكر طه عبد الرحمن الذي يرى أننا في التراث كما نحن في العالم لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه قد آل على نفسه أن يدرس التراث العربي الإسلامي في كليته دون تفضيل جانب على آخر وأن يستخدم في تقويمه منهجية مستمدة من داخله أي منهجية مأصولة حسب تعبيره لا منهجية منقولة منزّلة عليه من خارج سياقه الحضاري وإذا كان اهتمام معظم الدراسات المعاصرة منصبّا على دراسة مضامين التراث باعتبارها أهم ما فيه فإن اهتمام هذا المفكر المجتهد الذي يلقّب في المغرب الأقصى بأبي المنطق قد انصبّ على الوسائل والآليات التي تم بها إنشاء هذه المضامين، لأنه يرى أن لابد أن يقام النظر المضموني على النظر الآلي حتى يثمر نتائج لا فساد فيها ومن هذه الآليات التي يسميها مأصولة آلية المناظرة أي المحاورة الفكرية التي استخرجها من التراث وجدّد العمل بها وصاغها بأدوات المنطق الحديث فصار يُعرَف بهذا العمل التجديدي خاصة منذ صدور كتابه في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ذلك أن طه عبد الرحمن الذي يعلّق أهمية بالغة على الحوار ويذهب إلى حد تنزيله منزلة الحقيقة قد توصل إلى قناعة هامة هي أن الحضارة الإسلامية قد ابتدعت عن طريق المناظرة عقلانية خاصة بها يسميها بالعقلانية الحوارية.



الحضارة الإسلامية والعقلانية الحوارية

"
أهمية الحوار الآلية تكمن في أنه يعطي حقوقا ويوجب واجبات، أما الأهمية الداخلية فهو أن الحوار يعود بك إلى الأصل أي أن حواري مع الآخرين هو حوار لمعرفة الذات
"
طه عبد الرحمن - أستاذ المنطق وفلسفة اللغة في جامعة محمد الخامس بالرباط: أولا الأصل في الكلام هو الحوار، الكلام الأول كان كلاما حواري كان حوار، فكما كان هذا الحوار كما قلت سابقا أنه موصول بالفطرة وموصول بالوجود وموصول بالروح هذه هي حقيقة الحوار في الكلام الأول للإنسان ولكن دخلت بعد ذلك على الحوار تهديدات وضبط وما إلى ذلك، سنذكر بعض هذه الضوابط ولكن من وجهة نظرنا اليوم الحوار له أهميات، له الأهمية.. أهمية آلية وله أهمية داخلية وله أهمية خارجية، أولا الأهمية الآلية الحوار يعطي حقوقا ويوجب واجبات يعطيك حق الاعتقاد أن تقول ما تريد أن ترى الرأي الذي تريد ويعطيك حق الانتقاد، هذا الرأي وهذا الاعتقاد ولكن أيضا يوجب واجبات من اعتقد شيئا عليه أن يستدل عليه، لابد من تقديم الأدلة على الاعتقاد ولابد للمنتقد الذي يطالب بالأدلة أن يستمع إلى الأدلة بمعنى آخر الحوار هو مجال لممارسة القوة الاستدلالية للإنسان، طريق الحوار تستطيع أن تظهر قوتك العقلية وقوتك الاستدلالية وبقدر ما تستطيع تملك الحوار تكون.. تملك الاستدلال تتملك سير الحوار، فإذاً الحوار هو الهبة الإلهية للإنسان على أن يطور أساليب الاستدلال على الأشياء، فهذا الجانب يعني حقيقة هو الذي أسميه بالجانب الآلي للأهمية الآلية، ثم الأهمية الداخلية هو أن الحوار يعود بك إلى الأصل، كيف يعود بك إلى الأصل؟ يعود للأصل أن الإنسان ليس مفردا هو جمع هو ذات وآخر في نفس الوقت بدليل أن الإنسان قد يحاور ذاته، فمعنى هذا أن العملية الحوارية متوافقة مع أصل الإنسان من حيث أنه جمع وليس فرداً كما اشتهر وكما رسخّ المحدثون في عقولنا الإنسان جمعاً وليس مفرداً وليس فرداً، فإذاً الحوارية موجودة لوجود الجمع الإنساني في المظهر الفردي للواحد، فإذاً بقدر ما أمارس الحوارية مع الآخرين من خارج الذات ففي الحقيقة أتعرف على الآخرية الموجودة في الذات، بمعنى آخر أن الحوار الذي أطالب به مع الآخرين والذي يعطينا فرصة للاستدلال ولتقوية هذا الاستدلال ولتنمية هذا الاستدلال هو في الحقيقة ممارسة لمعرفة الذات نفسها، حواري مع الآخرين هو حوار لمعرفة الذات، فهذه نقطة هذه الأهمية الداخلية، الأهمية الخارجية وهي معلومة وهو الحوار مع الآخرين.. الآخرين كيفما كان هؤلاء الآخرين، إلا إن هناك فئة من الناس أو من العلماء يرون أن الحوار ينبغي أن يبقى محصوراً مع فئة مخصوصة، مثلاً يحاور فقط.. لنفرض مسلم يحاور المسلمين والمسيحي يحاور المسيحيين وما إلى ذلك ولكني أرى شخصياً أن الحوار واجب إنساني ينبغي أن يعم كل الفئات كيفما كانت هذه الفئات، ليه لأن في تحقيق هذه الحوارية وتوسيعها مع جميع الأطراف زيادة في معرفة الذات وزيادة في تحقيق الإنسانية وزيادة في تحقيق القوة الاستدلالية للإنسان.

مالك التريكي: لأنك تربط بين اكتشاف الآخر القومي فالكوني وبين تعدد طرق الوصول إلى الحق، بما أن طرق الوصول إلى الحق متعددة فلابد من أن بعض تتفاعل مع بعض..

طه عبد الرحمن [مقاطعاً]: بالضبط.

مالك التريكي [متابعاً]: لكن لك قولا آخر مثير ومن أشهر أقوالك أنك لا تقول بتعدد طرق الوصول للحق فقط بل إنك تقول إن الحق نفسه متعدد.

طه عبد الرحمن: أولاً حق ما قلتم وقلت هذا وقد لقيت منه عناءً..

مالك التريكي: نعم معاناة.



الحق وتعدده والهوية والغيرية

طه عبد الرحمن: عناءً من الجمهور ومعاناة لأني طبعاًَ الحق أو الحقيقة ينبغي أن نفهم أولاً معناه ما معنى الحقيقة أو الحق، الحق المعنى الأول الحقيقة أو حينما نقول الحقيقة هو واقع يعني أي واقعة كيفما كانت كمجلسنا هذا حقيقة وهذا الأمر لا يختلف فيه اثنان أنه متعدد لأن الوقائع متعددة فإذاً الحقائق بمعنى الوقائع متعددة ولا إشكال في هذا الأمر، الإشكال يبدو في الحقيقة بمعنى الشيء الثابت اليقيني الذي لا يتغير، في نظري لو رجعنا إلى المثال الأول الذي قلنا بأن الحقائق متعددة بمعنى الوقائع أو المعنى الأول بمعنى الوقائع، تعددها من جانبين؛ تعددها في ذاتها من حيث هي وقائع وتعددها أيضاً من حيث حكم الإنسان عليها، فأنا أرى.. تقع حادثة مثلاً فأنا أبلغها بشكل ويبلغها الآخر بشكل آخر، فإذاً هناك تعدد فضلاً عن تعددها، فإذا قلنا بأن الحقيقة ده معناها الشيء الثابت فقد يجوز البعض أنها ممكن أن نقول متعددة من حيث أن الناقلين لهذه الحقيقة متعددين وأنهم لا يمكن أن يتوافقوا على في نقلها فأنا أقول أكثر من هذا بل إن الشيء الثابت هو متعدد في ذاته كيف ذلك نأخذ أمثلة لكي نوضح، لو قلت نأخذ ذاتي، فأنا من جهة الحكم عليها فإني أحكم على ذاتي بما لا يحكم به عليها غيري، فإذاً هناك تعدد، نأتي إلى ذاتي من حيث هي كذلك هل هي متعددة؟ أقول لك أني إذا قلت الآن أنا لست أنا فكلامي صحيح، كيف كلامك صحيح؟ صحيح باعتبار أن الزمن يخرق ذاتي، فأنا الأول زمن، أنا الثاني أنا لست أنا، ليس هو زمن أنا الأول، فإذاً معنى هويتي لا وجوده له، كل ما هو موجود هو غيريتي لأني باستمرار أتغير وهويتي هي جمع لهذه التغيرات بحيث تكون ذاتي هي جمع لهذه التغيرات المختلفة على ذاتي.

مالك التريكي: هذه غيرية وتعددية ناتجة عن الزمنية فيك أنت.

طه عبد الرحمن: بالضبط ناتجة عن الزمانية، بحيث إذاً بالنسبة للأشياء في ذاتها فهي ليست هي الأشياء، هي غير أشياء، هي غير نفسها، فالغيرية أصل في نظري أنا والهوية فرع..

مالك التريكي: عن الغيرية..

طه عبد الرحمن: عن الغيرية فهي تابعة للغيرية، هي تجريد للغيرية كما قلت لكم الإنسان جمع الفردية هي تجريد بأن الإنسان جمع والجمع أصل والفردية هي تجريد لهذه الجمعية وهكذا فإذا يبقى الأمر.. أستاذ طه ما تقول ماذا تقول في الحقائق الدينية..

مالك التريكي: نعم في المطلق نعم..

طه عبد الرحمن: أنت تكلمت في الحقائق العادية فنأتي إلى الحقائق الدينية..

مالك التريكي: التي تعرف بأنها الحق.

طه عبد الرحمن: بأنها الحق، فالشرائع متعددة، فإذاً هي حقائق متعددة في الشريعة وبدليل آية {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً} يعني أن هناك تعدد للشرائع وهذا التعدد يدل على أن الحقيقة الدينية متعددة.

مالك التريكي: رغم أن مبعثها وأصلها واحد.

طه عبد الرحمن: أصلها واحد ولكن يبقى أن.. أنها هي في ذاتها كحقائق دينية حقائق متعددة.

مالك التريكي: بسبب زمنيها؟

طه عبد الرحمن: لا بسبب.. هنا السبب طبعا الحقائق دي نزلت في الزمن لا يمكن ولكن هي متعددة من حيث الوحي نفسه، فأوحى بها الله على أساس أن الاختلاف الديني والتعدد الديني يعني إرادة إلهية في الكون ولا يمكن أن ننكرها، فلذلك ينبغي الإنسان أن يقبل بتعدد الحقائق الدينية أي تعددها.

[فاصل إعلاني]

مالك التريكي: هل كان هذا التعدد في الحقائق واضحا لدى علماء المسلمين القدامى عندما أسسوا لهذه الآلية التي جددتها أنت وخصصت لها وقتا طويلا من جهدك الفكري آلية الحوار وآلية المناظرة؟

طه عبد الرحمن: حقيقة المسلمون في يعني المتقدمون كانوا عين في نظري بهذا التعدد ويعني مجالسهم الكثيرة في المناظرة تشهد بذلك، يعني بحيث عقدوا مجالس بين.. ليس فقط بين أهل الكتاب، بل بين المجوس والمسلمين وبل كانت هناك مجالس في عهد بعض مثلا ما يعرف بالكاتب المشهور يعني الأديب المشهور يقول أديب الفلاسفة وفلاسفة..

مالك التريكي: أبو حيان التوحيدي..

"
ينبغي أن نفرق بين الحوار ككلام وبين المناظرة، لأن المناظرة كانت لها قواعد تضبطها ضبطا كاملا ولها أخلاقيات ومن يخرج عن هذه الأخلاقيات ويخرج عن هذه الضوابط يقال عنه كلامه غير مقبول
"
طه عبد الرحمن: فيلسوف أبو حيل التوحيدي يعني يروي لنا يعني مجالس اجتمع فيها كل العقائد الممكنة وكان الحوار قائما بينهم وعلى أسس وقواعد مضبوطة ولذلك ينبغي أن نفرق بين الحوار ككلام يعني إرسال الكلام وبين المناظرة، لأن المناظرة كانت لها قواعد تضبطها ضبطا كاملا ولها أخلاقيات ومن يخرج عن هذه الأخلاقيات ويخرج عن هذه الضوابط يقال عنه كلامه غير مسموع ما معنى كلامه غير مسموع؟ غير مقبول يعني كل من خرج عن هذه بحيث كانت المناظرة عبارة عن طريقة ليس فقط لتصحيح المعرفة بل لتحصيلها..

مالك التريكي: لتحصيل المعرفة.

طه عبد الرحمن: لتحصيل المعرفة، ليس فقط لأقول لتصحيحها بل لتحصيل المعرفة والزيادة فيها وقد أخطأ الكثيرون إذ خلطوا المناظرة بعلم الجدل للانتصار يعني طلبا للنصرة والغلبة بينما هنا المناظرة هي أصلا البحث المشترك طلبا للصواب سواء ظهر هذا الصواب على هذا الجانب أو ذاك ينبغي قبول هذا الصواب، فإذاً المسألة لم تكن تكن ولكن..

مالك التريكي: ما هي هذه القواعد؟

طه عبد الرحمن: يعني علمية..

مالك التريكي: نعم لو ما يسمح به الوقت..

طه عبد الرحمن: علم مثلا أعطيك..

مالك التريكي: أهم القواعد..

طه عبد الرحمن: أعطيك قاعدة تُخرَق في يومنا هذا يعني مثلا..

مالك التريكي: بسبب انعدام أخلاقية الحوار عندنا..

طه عبد الرحمن: أخلاقية وانعدام الأخلاقيات بل إنعدام العلم علم الحوار يعني القواعد العلمية للحوار مثال هناك آفة تكاد أن تعم كل المناقشات الحوارية التي الكبرى والعليا والتي حضرتها أنا كثيرا في لا برلمانية ولا غيرها، يعني ويتم هذه الآفة بآفة الغصب أو الاغتصاب وهو وتقوم هذه الآفة أن يأتي شخص أو فيقول قول..

مالك التريكي: يأتي معتقد..

طه عبد الرحمن: معتقد يأتي يقول قول أو يرى رأيا فيقوم له غيره..

مالك التريكي: المنتقد..

طه عبد الرحمن: المنتقد فيقول له لا رأيك غير صحيح فالرأي الصواب هو كذا وكذا هذا عبرة عن ما يسمى غصب، لماذا؟ لأن المنتقد كما عنده حق الانتقاد عنده حق الاستماع..

مالك التريكي: واجب..

طه عبد الرحمن: واجب الاستماع العفوي واجب الاستماع إلى الأدلة التي يأتي بها صاحب هذا الرأي على رأيه، فكان ينبغي عليه أن ينتظر حتى يسمع أدلته كاملة ولا يقول برأيه حتى يبطل هذه الأدلة واحدا واحدا، حتى إذا أبطلها أمكنه آنذاك أن يعرض رأيه النقيض وهذا لا يحصل نهائيا، فكل ما يحصل في الحديث وربما في الكتابات يكون بعض الاعتبار لهذه القاعدة ولكن في جل المحاورات التي نسمعها هو أن الأشخاص يعترض بعضهم على بعض من دون أن يستمعوا إلى أدلة بعضهم على بعض وهذا يعتبر.. الذي يقوم.. ذلك الذي يقوم ويعرض رأيه المعارض للرأي الذي سمعه انه يغصب وظيفة الذي عرض الرأي الأول، بمعنى هناك انتهاك لحرمة، لذلك مهمة الحوار هو الدليل، يعني لماذا ندخل حوار لنبين الأدلة، هو ليس للكلام لمجرد الكلام فبعضهم يرى اليوم الحوار تدخل الحوار هو أن لا تبدي أن لا إذا قلت شيئا تترك للآخر أن يقول ضده أو إذا أجبت على النقد فأنت لا تقبل الحوار وما إلى ذلك من الأمور تعرفون هذا الإخلال الذي نجده في كل تقريبا في مجالات مختلفة ويا للأسف أنا كنت منذ سنوات عرضت على بعض المؤسسات الجامعية الاهتمام بهذا العلم منذ ما يزيد عن عشرين سنة حتى نقوّم عقولنا من حيث هذا العلم لأن هناك فكرة أساسية، اسمحوا لي يعني أقولها بإيجاز، أن المسلم ينبغي أن لا يخشى نهائيا الحوار على الإطلاق، لماذا؟ لأسباب كثيرة متعددة؛ أولها هو أن القوة الاستدلالية الموجودة في النص الديني الإسلامي وأقصد النص الأول والمصدر الأول لا نجد نظيرها في نصوص دينية أخرى، بمعنى أن المسلم يحتاج لو يضبط هذه القوة الاستدلالية ويملكها فإنه سيكون قادرا على مواجهة أي حوار مع أية جهة كيفما كانت متدينة أو غير متدينة، يستطيع بالقوة بالرصيد الاستدلالي الموجود في بناء النصوص الشرعية قادر على أن يواجه أي تحدي منطقي يمكن أن يواجهه.

مالك التريكي: لذلك تعد آلية الحوار والمناظرة وما سميته بالعقلانية الحوارية وهو تعبير جميل، العقلانية الحوارية تعد ذلك من أكبر عطاءات التراث العربي الإسلامي؟

طه عبد الرحمن: هذا رأي يعني وأن لا ننكر هذا من فضائل التراث الإسلامي أنه كان منفتحا يأخذ من الآخرين، فعلم المناظرة نجد أصوله عند أرسطو ولكن المسلمون ضبطوه ضبطا جيدا وأحكموا قواعده وأحكموا أخلاقه بما لا نجد له نظيرا عند أرسطو فهذه.. ونجد تطبيقاته العلمية بما لا نجد نظيره عند اليونان، تطبيقاته العلمية في مجالات مختلفة، ففي نظري هذه العقلانية اليوم نجد فلاسفة كبار ويعني أسماء معروفة ولهم حق تطبيبهم لا ننكر هذا مثل أبيرماس ماذا يقول أبيرماس اليوم..

مالك التريكي: هذا الفيلسوف الألماني يورغن أبيرماس..

طه عبد الرحمن: الألماني المعروف.. يقول يعني نحتاج اليوم إلى عقلانية حوارية يعني كل كتاباته يسميها تواصلية..

مالك التريكي: عن التواصل نعم..

طه عبد الرحمن: تواصلية.. هذا هو المقصود يعني والديمقراطية كلها قائمة على هذا المبدأ، فإذاً المسألة مسألة..

مالك التريكي: تواصل في الحيز العام..

طه عبد الرحمن: فنحن موصولون تاريخيا بالحوار لو دخلنا الحوار المعاصر، موصولون يعني لا منقطعين عن تاريخنا، يعني وسيلة من وصلنا بالماضي هو ندخل حوار العصر، يعني هو سيكون كأننا نواصل تاريخنا، هذه النظرة..



فلسفة المنطق وفلسفة اللغة والاهتمام بالتداوليات

مالك التريكي: تعلق أهمية كبرى لأنك مختص في المنطق وفي اللسانيات في فلسفة المنطق وفلسفة اللغة فتركيزك على هذين الأمرين أدى بك إلى الاهتمام بالتداوليات وهي مبحث من مباحث المنطق ثم في مباحث اللسانيات واشتهرت في اللسانيات ربما أكثر تقول أن الفلاسفة المسلمين ربما خسروا هذه معركة الحوار نوعا ما لأنهم في الجانب التداولي لم يكونوا أكفاء، يعني كانت لغتهم غير توصيلية لا تصل إلى الجمهور العربي لأنهم لم يتكلموا لغة العرب نوعا ما؟

طه عبد الرحمن: هو يعني أظن أني استدللت على ذلك بكثير من الأدلة يعني والعبارة الفلسفية كانت دائما عبارة ركيكة وقلقة وحتى يعني قصة معروفة يعني بين ابن رشد وابن طفيل من رفع قلق العبارة، فالعبارة قلقة والعبارة إذا لم تستقم فلا يستقيم الفكر معها، فكان دائما المخاطب العربي والمتلقي العربي يجد نفسه غريبا أمام ما يسمع من عبارات مركّبة تركيبا هو إسقاط على لغات مترجم منها، إما إسقاط على السريانية وإما إسقاط على اليونانية، مثلا نجد مثلا عند الفارابي عبارة مثل هذا النوع، الإنسان موجود عادلا ليقول الإنسان عادل، ليه؟ لأن اللفظة اليونانية العبارة اليونانية مركّبة هذا التركيب الثلاثي فكان يحتاج إلى إيجاد صيغة..

مالك التريكي: لأن اللغة اليونانية لها فعل الكينونة..

طه عبد الرحمن: كان فيها كين موجود هذا الفعل.. وكين تستعمل أيضا أحيانا في.. يعني أن المعنى اللفظ أن معنى العبارة لا يتم إلا بوجود رابطة تصل بين المبتدأ والخبر وكما يقولون بين الموضوع والمحمول وهذه الصلة يعني لا وجود لها في اللغة العربية، فالإسناد كافي، يعني إسناد مجرد تسند فالإسناد رابطة ذاته رابطة ولكن هذا الأمر لم يستوعب تماما من استيعاب كامل من لدن الفلسفة باعتبار أنهم كانوا ينظرون إلى الخطاب الفلسفي على أنه خطاب علمي.