- طه حسين.. الاتهامات والمقاصد
- اللغة.. التراث.. الهوية



مالك التريكي: من أبرز علامات التألق في مسار ناصر الدين الأسد أن اسمه قد ارتبط باسم طه حسين، حيث حفظ التاريخ لكليهما أنهما صاحبا أشهر كتابين عن الشعر الجاهلي في القرن العشرين، هذا فضلا عن المودة التي ربطت بين الرجلين وعن الإعجاب الذي يُكنُّه ناصر الدين الأسد لطه حسين ولموهبته الأدبية الفذة ولشجاعته في رفع لواء التحرر الفكري والنفسي. وبمثل ما كان ناصر الدين الأسد وفيًا لطه حسين أثناء حياته حتى بعد أن ذهب عنه الجاه وانفض الناس من حوله فإنه قد بقِي وفيا له بعد وفاته وذلك على كثرة الشبهات التي لا تزال تحوم حوله، فقد بلغ من كثرة هذه الشبهات أن الناقد الأدبي الدكتور علي شلش رحمه الله قد أصدر قُبيل وفاته عام 1993 كتابا بعنوان طه حسين مطلوب حيا وميتا، بحث فيه ما رُمي به عميد الأدب العربي من اتهامات تتراوح بين الانتساب للماسونية والدعوة للشيوعية والعمالة للصهيونية، فبماذا يفسر ناصر الدين الأسد تعرُّض طه حسين لكل هذه الاتهامات الغريبة؟

طه حسين.. الاتهامات والمقاصد

ناصر الدين الأسد– أديب ومفكر: الحديث في هذا الموضوع يحتاج إلى شيء من الأناة وتجميع الفكر، أنا لم أقرأ كتاب علي شلش رحمة الله عليه ولكني سمعت عنه منك أنت والشكر لك على هذا، أنا يخيل إليّ أن الأمر يحتاج إلى دراسة نفسية عميقة للدكتور طه حسين، الدكتور طه حسين كان أشد الناس ضيقا بالقيود وهذا جعله أكثر الناس دفاعا عن الحرية، دعوة إلى الحرية، هو يضيق بالحرية إذا وصلت إلى شخصه لكن الحرية للآخرين هو من أكبر دعاتها فهو رجل حر الفكر وهو في الوقت نفسه حر المعرفة أيضا لا يلتزم بقالب معين في المعرفة ويريد أن يتحرر الآخرون وأراد أن يضرب مثلا في هذا ببعض كتاباته فهذا جرّ عليه كثيرا من الاتهامات لكني أحب أن أقف عند جزئية لم يقف عندها غيري فيما أتصور وتحتاج إلى بحث، أن القضية قضية أيضا مصطلحات استعملها الدكتور طه حسين في بعض كتبه لم يحددها ولم تُفهم على حقيقتها، مَن يقرأ مستقبل الثقافة في مصر يذهب به الظن إلى أن الدكتور طه حسين كان معاديا للعروبة وللعرب وللثقافة العربية..

مالك التريكي [مقاطعاً]: وهذا هو الشائع بين الجمهور.

ناصر الدين الأسد [متابعاً]: الشائع بين الناس، مع أن الدكتور طه حسين ليس شيئا بغير الثقافة العربية، يعني كيان الدكتور طه حسين قائم على الثقافة العربية الإسلامية والأدب العربي فكيف يهدم نفسه عن طريق إنكار الثقافة العربية؟ اللغز هنا الطلسم هنا أنه استعمل كلمة الشرق وأنكر على مصر أن تذهب إلى الشرق وطلب منها أن تذهب إلى البحر الأبيض المتوسط وإلى أوروبا إلى الغرب، الشرق هنا لا يُقصد به العروبة والبلاد العربية وقد شرحها عَرَضا في ثنايا الكلام شرحها عرضا إنما قصد اليابان وقصد الصين وقصد الشرق الأقصى وتصور.. هو تصور أن هذه البلاد ليس فيها ما يمكن أن يفيد مصر ولم يقصد سوريا ولا يقصد فلسطين لم يقصد العرب ولا البلاد العربية..

مالك التريكي: لم يقصد الحجاز.

"
ليس في كتاب طه حسين هجوم على الثقافة العربية إنما الهجوم كان على الشرق الأقصى الذي يرى حسين أننا لن نستفيد منه، لذا علينا أن ننهل من ثقافة البحر المتوسط
"
ناصر الدين الأسد: أبداً، قصد الشرق بمعنى هذا الشرق الأقصى وهو قصد أن الحضارة الحالية هي متمركزة الآن في الغرب في أوروبا في البحر.. حوض البحر الأبيض المتوسط فكلمة الشرق هي التي أُسيء فهمها، هو لم يهاجم العرب في الكتاب إطلاقاً ليس في الكتاب هجوم على الثقافة العربية وكلمة عرب وإنما الهجوم كان على الشرق وتصور منه أن الشرق ليس فيه ما نستفيد منه ولذلك علينا أن نتجه إلى البحر الأبيض المتوسط وأن ثقافة مصر هي ثقافة البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، طيب ثقافة البحر الأبيض المتوسط يعني ما اعتراضي على المصطلح أنا لأنه أيضاً مبهم يدخلنا في أشياء كثيرة لكن البحر الأبيض المتوسط هو أيضاً سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والمشرق العربي..

مالك التريكي: متنوع، نعم.

ناصر الدين الأسد: حتى العراق داخلة في البحر الأبيض المتوسط والمملكة العربية.. يعني الجزيرة العربية أيضاً فهذه كلها التي أصبحت بعد ذلك والعياذ بالله تسمى بالشرق الأوسط..

مالك التريكي: نعم.

ناصر الدين الأسد: نعم هذه هي البحر الأبيض المتوسط، فأنا تصوري أن مصطلح الشرق الذي استعمله هو الذي فُهم منه العرب والمسلمين ولذلك اتهموه بهذا فهذان أمران، الأمر الأول الذي أشرت إليه هو دراسة نفسية لنفسيته أنه هو كان حراً متحرراً وأراد الحرية للجميع وأراد أن يطبق هذا في بعض كتاباته، غيَّر مستقبل الثقافة في مصر ففُهم منه أنه يتهجم على.. الشيء الثاني قضية مصطلحات لابد من الوقوف عندها والتدقيق في المقصود منها والله أعلم.

مالك التريكي: نعم.. نعم.

ناصر الدين الأسد: والله أعلم، لكن أنا أعتقد أن الدكتور طه حسين في كتابه على هامش السيرة وفي كتابه أو مقالاته التي جُمعت بعد ذلك..

مالك التريكي: حديث الأربعاء.

ناصر الدين الأسد: في كتاب حديث الأربعاء.. مقالاته حديث الأربعاء وفي دفاعه المستمر دافع عن الإسلام ودافع أيضاً عن الأدب العربي..

مالك التريكي: طبعاً.

ناصر الدين الأسد: كل هذا يمحو عنه تهمة أنه عادى العروبة وعادى الإسلام ولا أدري إذا كان الأستاذ علي شلش رحمة الله عليه تناول هذه الأمور أو لم يتناولها.

مالك التريكي: هو تناولها وبيَّن أن كل الاتهامات باطلة.

ناصر الدين الأسد: نعم.

مالك التريكي: مسألة حرية الفكر وحرية التعبير كانت هامة بالنسبة لطه حسين وتحدث فيها مرات عدة.. كتب عنها مرات عدة إلى درجة أن الكتاب الذي نُشر قبل سنوات وقام فيه مؤلفه أو جامعه جامع مادته بتجميع كل المقالات أو أكثر المقالات التي كتبها الدكتور طه حسين باللغة الفرنسية وعرَّبها وسمى الكتاب من الشاطئ الآخر، جمع حوالي 23 مادة، أحد هذه المقالات يقول فيه الدكتور طه حسين إن كتاب في الشعر الجاهلي وكتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق أكدا الانتصار النهائي لحرية التعبير في البلاد العربية حرية الفكر وحرية التعبير وكان هذا موضوع نضال من قبل موضوع كفاح لكن الآن تحقق هذا الفتح وهذا يفتح مجالاً للكُتاب الآخرين لكي يبحثوا ويفكروا بمنتهى الحرية التي لابد منها لأي تقدم، أنت حضرت كثيرا من مؤتمرات الأدباء العرب أحدها كان يتناول هذه النقطة ولو كان بطريقة غير مباشرة، كان المؤتمر الثالث للأدباء العرب الذي عُقد في القاهرة في ديسمبر عام 1957 وكان موضوع المؤتمر هو الأدب والقومية العربية..

ناصر الدين الأسد: صحيح.

مالك التريكي: الأدب العربي والقومية العربية..

ناصر الدين الأسد: سنة 1975..

مالك التريكي: سنة 1957..

ناصر الدين الأسد: وتسعمائة وألف، نعم.

مالك التريكي: وتسعمائة وألف نعم وكان للكلمة التي ألقاها المرحوم الكاتب التونسي محمود المسعدي..

ناصر الدين الأسد: رحمه الله، نعم.

مالك التريكي: دور في إذكاء النقاش حول هذه النقطة لأنه في كلمته قال كلاما فُهم منه أنه لا يرى أن الالتزام بأي أيديولوجيا سياسية وخاصة بالقومية العربية التي كانت آنذاك الأيديولوجيا السائدة وجها مقبولا لإنتاج أدب رفيع، ما هو رأيك في هذه المسألة؟ وما هي ذكرياتك عن ذلك المؤتمر؟

"
كلمة الأستاذ محمود المسعدي عام 1957 بيّن فيها أهمية أن يكون الأدب أدبا وليس بيانا سياسيا أو دعوة أخلاقية أو قومية
"
ناصر الدين الأسد: نعم، أنا كنت ممن شهد هذا المؤتمر وشهد أيضا الضجة التي صارت على الأستاذ محمود المسعدي رحمه الله وربما كنت من المشاركين فيها بيني وبينه ولم تكن علنا هذه المشاركة، أنا أعتقد أن كلمة.. والآن بعد أن مر هذا الوقت الطويل يقرب من نصف قرن الآن على هذا أستبين الصورة على حقيقتها دون أن أنفعل بجو الحدث نفسه، أرى أن كلمة الأستاذ محمود المسعدي كلمة متقنة غاية الإتقان وليس فيها ما يمكن أن يرَد به عليه، كانت تتضمن نقاطا محددة، النقطة الأولى إنه يجب علينا جميعا ونحن في مؤتمر للأدباء أن نحرص على توضيح أن يكون الأدب أدبا وليس بيانا سياسيا وليس دعوة أخلاقية ولا دعوة قومية هنا المشكلة التي فيها، فإذاً الأساس عنده أن نحرص أن يكون الأدب أدبا حقيقيا بعد ذلك أن يحقق ما يراد له من الدعوات لكن بعد أن تتحقق فيه صفات الأدب الحقيقي، النقطة الثانية هي الدعوة إلى حماية الأديب وحماية حرية الأديب حق الأديب في التفكير وفي التعبير، هاتان النقطتان في سنة 1957 في القاهرة في ذلك الوقت بحضور مجموعة من الذين كانوا يتجهون اتجاها معينا أثارت كثيرا من الردود عليه وردوا عليه.. ردوا عليه علنا وناقشوه في هذا وهو لم يناقشهم لم يرد عليهم في شيء وخاصة أنهم فهموا أنه ينكر أن يكون الأدب وسيلة لتوعية الناس قوميا وفي وقت أن عنوان المؤتمر هو الأدب والقومية العربية وفي وقت ذروة القومية العربية في زمن الزعيم جمال عبد الناصر رحمه الله تعالى حينئذ فكان لابد أن تكون.. بعض الردود لم تكن لوجه الله بعض الردود خشيت من أن تصل إلى الجهات المختصة فيقال إنه فلان والله تصدى وفلان رد كعادة الكثيرين أو بعض الناس في مثل هذه المناسبات..

مالك التريكي: ولهذا السبب.. إن سمحت لي دكتور بالمقاطعة لهذا السبب الأستاذ الأديب التونسي محمد المزاري الذي كان عضوا في الوفد التونسي يذكر أنه بعد نهاية تلك الجلسة التي تحدث فيها الأستاذ محمود المسعدي رحمه الله التفت الدكتور طه حسين عليه رحمة الله إلى الأستاذ محمود المسعدي والأستاذ محمد المزاري وقال لهما بالفرنسية والعهدة على الأستاذ محمود المسعدي وكان يعقِّب على كلام أحد هؤلاء فقال لهم بالفرنسية، إنه لم يتقاضى حتى مقابلا لما قاله، هذا تأكيد للنقطة التي ذكرتها.

ناصر الدين الأسد: نعم، هي هذه بعضهم يتصدر للرد لكي ترفع التقارير إنه فلان قال كذا وكذا أو لأن حتى الذي يرد يؤخذ عليه أنه لم يرد لم يتصد للرد وعلى أي حال هذا موضوع انتهى لكن هو متصل لأنه الدكتور طه حسين ألقى في المؤتمر نفسه محاضرة كما ألقى محمود المسعدي وهي لا تختلف بحال من الأحوال عن معاني محاضرة محمود المسعدي..

مالك التريكي: لأنهما من نفس المدرسة التي..

ناصر الدين الأسد: نعم، التحرر الفكري والتحرر النفسي..

مالك التريكي: ولهذه النقطة أهمية بالنسبة لمن يعرفون طه حسين ويعرفون المسعدي في نفس الوقت لأن المرحوم طه حسين كان له دور كبير في التعريف بالأدب التونسي عن طريق محمود المسعدي..

ناصر الدين الأسد: وهو الذي كتب مقدمة السُّد لمحمود وبهذه المناسبة السَّد والسُّد كلاهما فصيح هما لهجتان من لهجات العرب..

مالك التريكي: نعم لأنني كنت أظن أن السُّد هي الفصيحة والسَّد ليست فصيحة..

ناصر الدين الأسد: لا فصيحة..

مالك التريكي: السُّد هي الكلمة السائدة في تونس يقال السُّد ولا يقال السَّد..

ناصر الدين الأسد: نعم وهي فصيحة ولا يعني هذا أنكم فصحاء لكن هذه الكلمة فصيحة.

[فاصل إعلاني]

اللغة.. التراث.. الهوية



مالك التريكي: ارتباط هذه النقطة نقطة الحرية لها ارتباط بالهوية أيضا من أي وجهة أن المسعدي كان يعتبر أن كتابته باللغة العربية في العهد الاستعماري الفرنسي في تونس الذي كان يعمد إلى خنق ثقافة الوطنية والقومية..

ناصر الدين الأسد: ويحاصرها.

مالك التريكي: ويحاصرها محاصرة شديدة كان فعل مقاومة..

ناصر الدين الأسد: صحيح.

مالك التريكي: ولذلك هو كتب بلغة عربية فصحى قال عنها طه حسين نفسه إنها عسيرة وإنها أصيلة بشكل يبعث على الإعجاب.

ناصر الدين الأسد: حقيقة ولكنها لم تكن عسيرة كانت منسابة تماما لغة فصيحة منسابة، أي نعم.

مالك التريكي: التراث إذاً لابد أن يتجدد بربطه بحاجيات العصر وكان هذا ما فعله محمود المسعدي أحيا نوعا ما اللغة العربية في بلاده لأنها كانت موضع هجوم وأحس أنها تحتاج إلى إنقاذ بالعمل، أنت ترى أن أمة لا تدرك أهمية تراثها ولا تعرف كيف تحافظ على عناصر البقاء فيه لا يمكن لها أن تجدد ولا يمكن لها أن تبدع؟

"
إذا كان في التراث واللغة ثوابت ومتغيرات فإن في الهُوية كذلك ثوابت ومتغيرات
"
ناصر الدين الأسد: اللغة هي التراث، لا يستطيع أحد أن يفصل بين اللغة وبين التراث، اللغة هي هذا التراث الشعري والنثري والفقهي والتفسيري، هي حديث رسول الله صلي عليه وسلم وهي قبل هذا كله هي كتاب الله عز وجل الذي هو كتاب العربية الأكبر كما كان يعبر بعض أستاذتنا في هذا ومنهم الشيخ أمين الخولي رحمة الله عليه فاللغة وإن كان القرآن الكريم ليس تراثا بطبيعة الحال يجب أن نوضح هذه النقطة، لكن أحبابنا لنربط اللغة بالنبع الأساسي كتاب الله عز وجل، هي الشعر الجاهلي، التراث تجدد على مر الزمان فيه عناصر ثابتة وفيه عناصر متجددة ومتغيرة ككثير من أمور الحياة ولذلك لابد من الحرص على ثوابت التراث ولابد بعد ذلك من الانطلاق في تجديد المتغيرات في التراث، حتى اللغة نفسها فاللغة التي استُعملت في العصر الأموي يعني لغة عمر بن أبي ربيعة في العصر الأموي تختلف عن لغة طرفة وتختلف ليس اختلافا جوهريا في الأساس إنما في المتغيرات وكذلك لغة أبي تمام مختلفة بصوره وما أُدخل عليها أيضا من المجاز ومن التعبيرات البلاغية مختلفة عن لغة مَن قبله فاللغة أيضا متجددة ومما يقال في اللغة في ألفاظ اللغة هذا من الكلام المُمَات أي أنه مات وانتهى والتغلب في اللغة كلمات حية باقية هذه الكلمات الحية الباقية كالبذرة في النبات هي التي تورق بعد ذلك وتتفتح وتأتي بأشياء جديدة لم تكن معروفة وهذا يدخلنا في موضوع الدلالة اللغوية والدلالة الاصطلاحية للفظة وهذا أمر يطول فإذا كانت إذاً إذا كان التراث له ثوابت ومتغيرات وإذا كانت اللغة لها ثوابت ومتغيرات ولا يجوز إطلاقا أن نتعصب لبقاء التراث كما كان جامدا ولا للغة كما كانت لكن في الوقت نفسه لا يجوز أن نفرط فيما يطرأ عليها من تغييرات يُقصد منها سوء النية وليس التطوير الحقيقي، إذا كان في التراث وفي اللغة ثوابت ومتغيرات فإذاً في الهُوية كذلك ثوابت ومتغيرات يعني الهوية العربية تتكون من عناصر معينة لابد من مناقشتها على الخلاف الكبير فيها بل على كثرة المخالفين بوجود هُوية أصلا من حيث الأصل لكن إذا كانت الهُوية بمعناها البسيط السهل هي التي يكون الإنسان بها عربيا أو يكون الإنسان بها مسلما هذه هي الهُوية الصفات التي تجعل.. وبذلك يختلف عن الصفات التي يكون بها الإنجليزي إنجليزيا يعني هذا أبسط أنواع وبعد ذلك نستطيع أن نبحث موضوع ما هي هذه الصفات فإذا كانت الهُوية بهذا المعنى فإذاً الإنسان الذي كان يعيش في العصر الجاهلي وهو عربي.. عربي فيه من الصفات ما تغير في الإنسان الذي يعيش في القرن الحادي والعشرين الذي هو أيضا عربي.. عربي كامل العروبة فهذا تغير في الصفات التي يمكن أن تكون الهُوية وبغير اللغة لا توجد هوية لأي أمة من الأمم لا تستطيع أن تجرد الألماني من لغته ولا من تراثه سواء القديم أو حتى التراث القريب وبعد ذلك تقول هذا ألماني، بغير هاتين لا تكون الألمانية قائمة موجودة في الألماني.

مالك التريكي: بما أنك ذكرت الألماني هنالك مدرسة ألمانية بدأها المفكر هردر فيما بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر يقول فيها أن كل أمة تفكر مثلما تتكلم وتتكلم مثلما تفكر أي أن للخصائص اللغوية أثر كبير في هُوية الأمة ولذلك يربط بين اللغة.. بين خصائص اللغة وبين خصائص الأمة وحتى الجاحظ في البيان والتبيين له نص مشهور.. الشهرستاني نفسه.. في المِلل والنِحَل يذكر الفرق بين كلام العرب وكلام العَجَم ولو أنه يقرن بين العرب والهنود الشهرستاني لكن الجاحظ له النص الشهير الذي يقول فيه ألا أن كل كلام للفرس وكل معنى للعَجََم فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة ومشاورة ومعاونة وكل شيء عند العرب على أساس عطف عن أن وأن كل شيء عند العرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام.

ناصر الدين الأسد: نعم، يعني مهما اختلفنا في هذا الكلام يسرنا كلمة إلهام هنا.. يسرنا كلمة إلهام، أما موضوع الارتباط بين اللغة وبين الفكر أيضا هذا موضوع طويل في البحث حتى إذا استثنينا سيئي المقاصد الذين يريدون هدم اللغة وهدم التراث لهدم الهُوية إذا استثنينا موقف هؤلاء يذهب كثيرون إلى أن اللغة هي الفكر ومن جملة استشهاداتهم أنك لا تستطيع أن تفكر في شيء حتى في الغيبيات حتى في الأساطير والخرافات لا تستطيع أن تفكر في شيء إلا إذا كان له لفظ له اسم، أنت لو لم تكن موجودة كلمة الجنة لا تستطيع أن تتصور الجنة، حتى هؤلاء الذين نحتوا تماثيل وصوروا للشيطان ما كان ممكن لولا كلمة الشيطان فتمثلوه من خلال اللغة من خلال اللفظة التي أُعطيت له فربطوا بين الفكر واللغة ووحدوا ما بينهما قد يكون في هذا شيء من الغلو والمبالغة لكنه ليس بعيدا عن الحق.

مالك التريكي: لا فكر خارج اللغة..

ناصر الدين الأسد: نعم، لا فكر بمعنى لا تستطيع أن تفكر في شيء خارج اللغة إطلاقا..

مالك التريكي: وربما لهذا وجه اتصال بأن الله سبحانه وتعالى عندما خلق آدم علمه الأسماء على أساس أن الشيء الذي ليس له اسم ليس له وجود.

ناصر الدين الأسد: صحيح ولا يمكن العلم به..

مالك التريكي: فالتسمية مهمة جدا في معرفة الشيء..

ناصر الدين الأسد: معلوم طبعا.. يعني اللغة يعني اللفظ.