- الثقافة السياسية العربية
- الحداثة من منظورها العربي

مالك التريكي: يرى مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في باريس برهان غليون أن المضمون الأساسي للتاريخ الحديث عند جميع الأمم هو انخراطها في عملية التحديث وسعيها الناجح أو المخفق إلى استيعاب الحداثة سواء من حيث هي وسائل إنتاج أم نظم سياسية أم قيم إنسانية ويعتقد برهان غليون أن المشكلات الأساسية في المجتمعات العربية أن هي ناجمة عن الأخذ بحداثة رثة استعمالية واستهلاكية ومن مظاهر هذه الحداثة الممسوخة أن الثقافة السياسية لدى الشعوب العربية قد أصبحت تُستَخدم عاملا تفسيريا بل وسلاحا تبريري لاستمرار الاستبداد وذلك بزعم أن الثقافة الشعبية لا تقتضي الحرية ولا تشعر أن بها حاجة إلى الديمقراطية.

الثقافة السياسية العربية

برهان غليون- أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون: هذا اللي بيدفع.. بيجعل بعض النخب الحاكمة تقول إنه أنتم تتحدثون هذه مطالب مثقفين، أنتم تريدون الحرية لكن شعبي يريد الخبز وهذا ليس خطأ الشعب.. القيم الرئيسية التي تحرك الشعوب العربية هي قيم لأنه يعيش في ظروف اقتصادية سيئة جدا هي ظروف مادية، الإنسان قبل ما يحلم بالحرية.. حرية التعبير وخاصة هو لا يعبر عن شيء وليس لديه شيء يعبر عنه بسبب أيضا فقر الثقافة وفقر التربية الثقافية والفكرية فصحيح أنه مطلب الحرية ليس مطلب أولي في الثقافة السياسية العربية كما هي موجودة اليوم على الأقل عند الرأي العام لكن أنا بدي أميَّز بين نوعين من الثقافة السياسية.. فيه ثقافة سياسية يعني مجموعة القيم العميقة التي تحرك الرأي العام، الإنسان العادي، العربي العادي وفيه ثقافة سياسية بمعنى الثقافة العالمة، الثقافة المنظمة، الثقافة الفكرية، الفكر السياسي اللي يحرك النخب..

مالك التريكي: ثقافة النخبة.

برهان غليون: وهذا له تأثير كبير لأنه يؤثر على السياسي، يؤثر على المناضل الإداري، يؤثر على النخبة اللي بدها تسيير البلاد فبالتأكيد أنه ثقافتنا السياسية على مستوى الرأي العام يعني العامة هي ثقافة مازالت كثير مرتبطة بخمس قرون من السيطرة أو أكثر من السيطرة السلطانية التي كانت تقوم على تعقيم الوعي السياسي عند الناس.. ممنوع حدا يتكلم بالسياسة وعلى كل لم يكن لم تكن السياسة موضوع شعبي في ذلك الوقت لكن كان فيه قهر للفرد وكان فيه تربية تمحو الشخصية وتنمية تمحو.. تربية تمحو الإرادة وتراهن على الاندماج الأعمى للفرد بالقبيلة بالعشيرة بالطائفة بالطريقة الصوفية فنحن ليس لدينا ثقافة فرد بمعنى أنه مشكلتنا الرئيسية عند العامة هو أننا ليس لدينا ثقافة فرد وعندما أقول ثقافة فرد ما بأحكي عن الأنانية والفردية مالها علاقة أيضا، فيه ناس يفكروا.. إطلاقا بهذا الموضوع، الفرد بمعنى كل إنسان يشعر كما قلت باحترام نفسه، بمسؤوليته، بكونه عضو فاعل ومشارك في مصير في الجماعة وهو ليس إمعة.. الفرد عكس ما نسميه باللغة العربية إمعة يعني تابع لغيره، يمشي وراء الآخرين ويقلدهم وليس له رأي ولا موقف.

مالك التريكي: والغريب أن هنالك حديثا مشهورا.. حديثا نبويا شريفا للرسول صلى الله عليه وسلم أنه ينصح أصحابه من المسلمين ألا يكون أحدكم كالإمعة.

برهان غليون: تماما ولكن المسلمين تحولوا بسبب النظم السلطانية القهرية اللي هي مبنية على القهر حقيقة وإلغاء التفكير النقدي وإلغاء الفردية إلى إمعات، يعني حولوا مجتمعات كاملة إلى إمعات ونحن نشاهد هذا يوميا أمام أعيننا اليوم كيف تحول النظم الراهنة الناس إلى إمعات، عندما أمنع الناس من التفكير، من التنظيم السياسي، من الكتابة، من التعبير عن الرأي، من المشاركة في وسائل الإعلام، عندما أفرض عليهم الصمت المطلق إذا كانوا مخالفين إلا إذا كانوا يريدون التصفيق للحاكم وللحزب الحاكم إلى آخره، عندما ألغي حتى منتديات صغيرة يجتمع فيها عشرات وأحيانا أقل من المثقفين في منزل وفي صالون أو منزل خاص من أجل تبادل الرأي حول ما يجري في البلاد.. عندما أمنع كل هذا أنا أحول الناس لإمعات، أطلب منهم ألا يفكروا.. أنتم ليس عليكم أن تفكروا.. هناك زعيم ملهم..

مالك التريكي: يتولى مسؤولية التفكير.

برهان غليون: هو يتولى التفكير ويتولى القيادة ويتولى العمل مكانكم وبالحقيقة نحن خلقنا شعوب ومجتمعات عاطلة فكريا ولأنها عاطلة فكريا وعاطلة سياسيا ستكون عاطلة عن العمل أيضا، نحن يعني نعيش أكثر الشعوب تعاني من البطالة.. العطالة والبطالة الاقتصادية اليوم لأنه قتلنا شعوبنا فعلا عندما قتلنا كل فرد، شعور كل فرد بذاته كفرد فاعل مسؤول حر قادر مشارك، هذه على المستوى العام ينبغي النقاش فيها على مستوى يعني الثقافة العامة موضوع أساسي يستحق التحليل والتفكير من قبل المثقفين، الآن على مستوى الثقافة العالمة اللي سميتها العالمة اللي هي الثقافة النظرية.. بالحقيقة حتى اليوم عندما يفكر الإنسان بالكتب التي.. السياسية التي تربي المجتمع والنخب على الديمقراطية أو على رؤية سياسية جديدة أو على مضمون القيم الحديثة السياسية.. قيم الحداثة السياسية، مهم نشوف في مؤلفات كثير يعني في بعض المؤلفات اللي هي تلخيص لأفكار غربية مفكرين غربيين لكن تفكير عميق من قِبلنا نحن كعرب بمسائلنا مش موجود والحقيقة الثقافة هي مرتبطة بالتجربة مثل البحث العلمي البحث العلمي ما ممكن أنا أخترع نظريات إذا ما كنت عم بقوم ببحث علمي ولا يمكن أن نخترع لثقافة سياسية نظرية حديثة عميقة إذا لم نمارس نحن تجربة ديمقراطية حديثة..

مالك التريكي: تراكمية.

برهان غليون: تراكمية وفقرنا بها الموضوع هو سبب فقرنا في الممارسة الديمقراطية أيضاً على مستوى مجتمعاتنا لذلك أنا أعتقد إنه هذه الصعوبة اللي تواجهنا واللي بتلقي مسؤولية كبيرة أكثر من أي يمكن منطقة أخرى على عاتق المثقفين الديمقراطيين واللي عندهم شعور بمصير يعني بدورهم في مساعدة مجتمعاتهن على التقدم، ربما تبدأ ثقافتنا السياسية اليوم.. نحن نبني ثقافة سياسية جديدة، ليس لدينا ثقافة سياسية نظرية حقيقة، لدينا الفقه السياسي القديم اللي لا يفيدنا اليوم في سيئ لكن ثقافتنا تبدأ اليوم الحديثة من نقد الاستبداد ونقد النظم الشمولية ونقد الممارسات القمعية القائمة في المجتمعات العربية وأعتقد إنه إذا كان في شيء حدث بالمجتمعات العربية في الخمسة عشر أو العشرين سنة الماضية وإيجابي ويستحق الذكر هو بروز وانبثاق هذه الروح النقدية العميقة.. هذا الفكر النقدي العميق فيما يتعلق بالوضع السياسي العربي، أعتقد إن هذا أكثر وجه إيجابي وبراق اليوم من الفكر العربي هو نقد تجربة الدكتاتورية لأنه عشناها ونحن نقدم الكثير في هذا الموضوع لأنه عشنا وعانينا وأنا لازلت مصر على أنه الفكر مرتبط بالمعاناة يعني ليس هناك فكر عميق بدون معاناة عميقة وأعتقد إن شعوبنا عانت..

مالك التريكي: الكثير.

برهان غليون: وربما ستعاني الكثير من القهر ونظم القهر الراهنة وهذه بداية بناء الفكر السياسي والثقافة السياسية العربية الحديثة.

مالك التريكي: ولذلك سميت أزمة الدولة العربية بمحنة الدولة العربية.. استعمال كلمة المحنة له مدلول وتتصور أن ما يُنتَج الآن فكرياً في هذا المجال.. مجال نقد الاستبداد سيؤدي إلى إنتاج نصوص تأسيسية يكون لها دور في تكوين الثقافة الشعبية مثلما كان مثلاً لجون ستيوارت ميل وكتابه الشهير (On Liberty) لتوماس بين وألكسيس دي توكفيل وتكوينهم للثقافة السياسية الشعبية في الديمقراطية الغربية.

برهان غليون: أنا أعتقد أن نقد الاستبداد يفتح مباشرة على مفاهيم جديدة هي المواطنية.. هي الحرية اللي تجاهلناها خلال فترة طويلة أو اعتبرناها قيم ثانوية على قيم السيادة الفرد، الشعور بأن هو سيد مصيره وليس إمعة وتابع، على مسالة الدستور، على مسألة القانون، على مسألة العقد الاجتماعي والعقد الوطني.. أنا أسميه العقد الوطني بمعنى مش فقط مسائل تتعلق (كلمة بلغة أجنبية) التقليدي مفهوم جديد، العقد الوطني بمعنى الرؤية الشاملة لمجموعة القيم التي ستحرك هذا المجتمع وتوحده فيما بينه.. فيما بين أفراده فأعتقد إنه نقد السياسي يفتح نقد النظم التسلطية.. يفتح مباشرة نحو بناء ثقافة سياسية إيجابية متعلقة بالديمقراطية والديمقراطية كما نفهمها نحن ونأصلها في ثقافتنا وفي تفكيرنا ولكن في هيك الأساس بتجربتنا من أجلها.. من أجل.. بتجربة النضال من أجل الديمقراطية ستولد نظرية الديمقراطية العربية، ليست لا تقليد للآخرين ولأن نظرية الديمقراطية العربية هي ليست كتالوج للمطالب الديمقراطية أو قائمة مطالب.. نظرية الديمقراطية العربية تعني نظرية إقامة الديمقراطية في وضع اسمه الشرق الأوسط للدول الغربية مصالح كبري فيه، موجود في صراع وطني عميق مع الإسرائيليين ومع أيضاً نظام شبة استعماري يحاول أن يسيطر عليه، مع ثقافة عامة ضعيفة فيما يتعلق بموضوع الحرية، مع نخب أيضاً لا تزال تعيش إلى حد كبير أقدامها مغروزة قدم في الماضي وقدم في الحاضر ولم تستوعب وتستبطن قيم الحداثة كلها، كيف سنحل جميع هذه المشاكل؟ إذا نجحنا في حل جميع هذه المشاكل نوجد نظرية في الديمقراطية العربية، هذه هي النظرية يعني كيف أبني الديمقراطية في هذا الوضع وهذه الظروف الجيوسياسية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة، أيضاً لازم ما ننسي دور الريع النفطي في تخريب الحياة السياسية وفي إطفاء وفي إعطاء الدولة أو النخبة الحاكمة قدرة استثنائية على شراء الناس وعلى استتباعهم وعلى بناء أجهزة قمع وسيطرة قوية جداً لسحق أي إرادة تحرر داخل هذه المجتمعات.



[فاصل إعلاني]

الحداثة من منظورها العربي

مالك التريكي: الريع النفطي بما أنك ذكرته هو مظهر من مظاهر الاقتصاد غير الإنتاجي الفسادي والإفسادي وله مظاهر كثيرة في مجتمعاتنا، هذا يندرج في إطار عدم القدرة على هضم الحداثة مما أنتج ما تسميه بالحداثة المشوهة وبقايا حداثة تقضي على إمكانية الدولة، أعمالك في السنوات الأخيرة تتركز على نقد الحداثة ليس من منظور غربي مثلما تُنقد الآن في نظريات ما بعد الحداثة وهذه الموضة والتقليعة لكن من منظور عربي.

"
جوهر التحدي التاريخي الذي تواجهه المجتمعات وخاصة العربية هو استيعاب التقدم التكنولوجي والعلمي والأخلاقي الذي نشأ مع الحداثة
"
برهان غليون: يعني أنا برأيي إنه جوهر التحدي التاريخي اللي تواجهه المجتمعات كلها والمجتمعات العربية كجزء منها هو استيعاب التقدم التكنولوجي والعلمي والأخلاقي إلي نشأ مع الحداثة، استيعاب الحداثة واستبطان الحداثة هو إلي يجعلنا نكون داخل العصر وليس خارج العصر وليس على هامش العصر وإذا بقينا على هامش العصر فلأنه لم نستوعب المكتسبات العلمية والتقنية والأخلاقية والسياسية التي أتى بها العصر، الآن أنا قلت إنه من دراسة ما حصل حتى منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم واضح إنه نحن لم نفهم من الحداثة إلا الطابع الأداتي لها ما يقال الأداتي يعني كأدوات وحتى إذا بدنا نرجع لأسئلة الريع وتوفر الريع عندنا صار يصورنا صرنا نشوف الحداثة من منظور اللي يسموه باللغات الأجنبية (Gadgets) يعني هي شراء شغلات غريبة.

مالك التريكي: آخر مقتنيات التكنولوجيا الترفيهية.

برهان غليون: لكن عقلنا وقيمنا وسلوكنا وتفكيرنا يبقى مرتبط..

مالك التريكي: في القرون الغابرة..

برهان غليون: وليس في القرون الغابرة إنما متخبط بين الماضي والحاضر يا ريت بقي لأنه لو بقي كما كان فكر أجدادنا كان عنده حد أدنى من الاتساق، ما هو الحداثة المشوهة هي حداثة.. الحداثة الرثة أنا سميتها، هي حداثة لكن هي حثالة الحداثة يعني الحثالة باللغة اللي تبعنا العربية الفصحى تعني ما يتبقى في الكأس من..

مالك التريكي: من أسوأ ما بقى من المشروب أو..

برهان غليون: فهي فعلا نحن أخذنا أسوأ ما بقي ما يمكن أن تعطيه الحداثة الغربية سواء في مستوى السياسة.. مستوى السياسة أخذنا نظم حديثة من حيث المظهر فيها في برلمانات أحيانا حتى النظم الشمولية عندها برلمانات وعند إدارة حديثة وعندها.. وتستخدم التكنولوجيا الحديثة والكمبيوتر بالإدارة لكن ما تفتقد إليه هذه الدولة الحديثة اللي اسمها الحديثة هو علاقتها بالشعب هو إنه الشعب اللي بيحركها، روح الشعب ومبادرة الشعب ومسؤولية الشعب اللي وكل فرد فيه اللي بتحركها الدولة وبتجعلها تخدم مصالح المجتمع ككل هو المفقود فجعلنا هذه اسمها حداثة سياسية منحطة ورثة يعني أداتية فقط تُستَخدم للسيطرة على الشعب بدل أن تكون أداة في تحريره، على المستوى الاقتصادي ما هي نمط الحداثة الاقتصادية طبعا اليوم نحن اقتصادنا لم يعد اقتصاد زراعي تقليدي إطلاقا ولا ببلد عربي.. اقتصاد صناعي في حد أدنى من الصناعات تجاري..

مالك التريكي: خدمات.

برهان غليون: خدمات لكن كله اقتصاد ليس قائم إطلاقا على الإنتاج وعلى قيم العمل وتشجيع العمل وتكوين العمل بتأهيل العاملين من أجل زيادة الإنتاجية والدخول في المنافسة في السوق، نحن يقوم اقتصادنا أنا بأسميه اقتصاد (Speculative) بنقول نحن يعني..

مالك التريكي: مضاربي.

برهان غليون: على المضاربي، المضاربي بكل الميادين والثروات الحقيقة تنشأ بالمضاربي لا تنشأ بالإنتاج، ليس الغني اليوم يعني الملياردير هو اللي قام بصناعة أو أنشأ مصنع فيه إبداع تكنولوجي أو فيه سبق ما بالتنظيم وبالإدارة و(كلمة بلغة أجنبية) حتى جعل منه رائد في ميدان من الميادين وسمح لصاحبه إنه يراكم ثروة كبيرة.. هذا أقل شيء موجود ببلداننا العربية، الذي يراكم.. تراكم رأس المال الراهن ناشئ عن علاقة مع السلطة مباشرة ولذلك نشوف إنه أبناء المسؤولين هم الأغنى هم أصحاب الثروات، انتقلت الثروة خلال الأربعين السنة الماضية من الطبقات الإقطاعية التقليدية اللي استثمرت نفوذها بالأرض وبالدولة من أجل جني رأسمال استثمر قسم منه بالصناعة لرأسماليين إذا شئنا بين قوسين هم أبناء المسؤولين اللي نجحوا عن طريق نفوذهم في الدولة في أن يراكموا كل أو أن يعني يجنوا أرباح هائلة ليست تعبيرا لا عن نجاح تكنولوجي ولا نجاح إداري ولا بذل جهد استثنائي في نقل التكنولوجيا أو في العمل الصناعي، فهذا أيضا على المستوى الاقتصادي أنشأنا نظام قائم على رأسمالية المضاربة ولا يمكن أن يستمر إلا بقدر ما أن هناك ريع طبيعي نستطيع أن نبثه باستمرار في الاقتصاديات الملحية كما لو كان هناك مضخة.. يأتي الريع يدخل في الاقتصاد وبعض المسؤولين أو المرتبطين بالمسؤولين وليس فقط أبنائهم لكن أيضا المجموعات المرتبطة بالسلطة تجني أو تراكم رأسمال جديد، فليس هناك تقدم لا في التكنولوجيا ولا في الإنتاجية ومؤشرات المؤسسات الدولية بتدل على أنه العالم العربي يتراجع معدل نمو الإنتاجية يتراجع في العالم العربي بمعنى يتراجع أيضا التكوين.. التكوين العلمي والتأهيل المهني والتكنولوجي إلى آخره، فهذا هو نمط من الحداثة الرثة، اقتصاد حديث إلي يروح على أي بلد عربي بيشوف أنه نحن لا نختلف عن..

مالك التريكي: كل مظاهر الحداثة موجودة.

برهان غليون: لكن رثة، مدننا مدن حديثة، بناء حديث، لكن روح الشعب بالي بتسير البلديات وتنظم الأمور وتساعد المواطن وتخلق له فرص ليكون سعيد في المنطقة إلي هو عايش فيها غير موجود فالمدن أصبحت نوع من إلي يسموه هنا مدن صفيح حتى المدن الكبرى هي مدن صفيح لأنه مثل.

مالك التريكي: تريف المدن.

برهان غليون: تريف ما فيها روح ما فيها الصلة ما في مواطن فيها ناس كل واحد يبحث عن بوسائله الخاصة بطريقته الخاصة وحسب قوته عن مورد يعيش فيه والضعيف يموت في المدن.. يموت حتى إذا بده يشتري عنده دكان حاجة إذا كان طفل صغير ممكن ينتظر خمس ساعات لأنه الآخرين يجيؤوا ويدوسوا عليه ويمدوا أيدهم من فوق رأسه ويأخذوا وهذه حصلت مرتين ثلاثة حاولت إنه تنرفزت عشان أعطي درس إنه في طفل عم ينتظر صار له ساعتين وما حدا يشوفه ولا..

مالك التريكي: غريب أنك تذكر هيك لأن هذا يذكرني طبعا بقصة ربما ليس لها ارتباط مباشر لكن يذكرني بقصة النبي موسى عندما هجر مصر وذهب إلى مدين ووجدت أن هنالك فتاتين تريدان أن تسقياه ولا تستطيعان أن تسقياه لأن الراجل يأتون يستسقون من البئر ولا تستطيعان أن تستسقيان فسقى لهما موسى، لها معنى أخلاقي في مبدأ الحضارة.

برهان غليون: مبدأ القوة، مجتمعات قائمة على القوة يعني قائمة على مبدأ القوي يأكل الضعيف.

مالك التريكي: ولأن القوي يأكل الضعيف ما تفضلت به عن تجمع الثروات لدى النخبة الحاكمة وما يرتبط بها من شرائح اجتماعية في نقد للمسار التاريخي الغربي.. مسار الحداثة الغربية في المسار التاريخي الغربي كانت الطبقة البرجوازية الإنتاجية التي أنتجت الثروات هي وصلت عبر نخبتها السياسية والفكرية إلى السلطة بينما عندنا أصبح الوصول إلى السلطة هو مفتاح لإنتاج الثروة.

برهان غليون: هو وسيلة طبعا هناك الإنتاج والمصانع والاقتصاد الحي ونجاح الناس في الاقتصاد، ما هو كل المشروع الرأسمالي ناجم عن إنه كيف تنجح أنت اقتصاديا عشان يصير لك مكانة في المجتمع وبالتالي أيضا مكانة في السياسة ومعظم الرؤساء الأميركيين والمسؤولين الأميركيين أصلا آتين من مشاريع رأسمالية من مؤسسات رأسمالية، اللي أنا بدي أقوله إنه الحداثة الرثة شو؟ إنه هي أيضا.. وهذا ذكرته، ضد الحداثة بمعنى ضد القيم العميقة للحداثة، يعني هي المظهر اللي يُستَخدم من أجل تكريس شيء لا له علاقة لا بالقديم يعني ليس له علاقة بثقافتنا نحن لا نعيش فيه وهذا هو اللي أنا أريد أؤكد عليه، ليس له علاقة بثقافتنا وليس له علاقة بثقافة الحاضر عن غيرنا.

مالك التريكي: لكي نشرحها دكتور برهان غليون لكي نشرحها بمثال مثلا من أفكار الحداثة الأساسية هي التعاقد.. مفهوم التعاقدية وليس علاقات القربة مثلا أن الاقتصاد العصري يقوم على التعاقد القانوني وليس على علاقة القربة، نحن نقيم العلاقات القربة والعشائرية والقبلية مقام العلاقات التعاقدية على أساس أن ابن عمي أولى بهذه الوظيفة إذا كان لي مجال لكن أخلاقية التضامن القبلي والعشائري والأسري ليست موجودة مثلا بالمعنى الحقيقي.

برهان غليون: ليس هناك قيم مدنية لكن هناك قيم زبائنية ونحن نعيش على النظام الزبائني..

مالك التريكي: تبادل مصالح.

"
الحداثة الرثة هي نقل لشروط حياة جديدة لكن دون محركها الروحي الداخلي الرئيسي، وهي تخلق قيما مضادة للقيم الحديثة
"
برهان غليون: من فترة طويلة لكن أنا اللي بدي أقوله إنه الحداثة الرثة هي نقل فعلا لشروط حياة جديدة لكن من دون محركها الروحي الداخلي الرئيسي وهي تخلق قيم مضادة للقيم الحديثة، يعني الدولة بدل ما تخلق مواطنيها الدولة الحديثة هدفها تخلق مواطنيها، فرد حر، كل شيء معمول من أجل إنه الفرد يصير سعيد وحر وينبسط بوجوده ويساهم ويشارك، الدولة عندنا صارت موجودة فقط لإلغاء الحرية، هذا الواحد بيشوفه وعشان هيك هي حداثة مضادة وليس فقط مشوهة ويختلف الوضع عن الوقت اللي كنا بعهد السلطان، السلطان كان الناس ما لهم علاقة بالسياسة يعشوا حياتهم إلى آخره لكن هون الدولة تتدخل في حياتهم الشخصية وتتدخل في أفكارهم وتكونهم مش الجامع هو اللي بيكونهم وكل شيخ يُكَوِّن التلاميذ وكما يشاء كما كان في الزوايا والكتاتيب، اليوم الدولة تُكوِّن كل الأفراد يعني في أداة قوية جدا خلقت ظاهرة جديدة.. الحداثة الرثة ولا الحداثة المضادة أنا أسميها، هي نمط جديد وليست لا تقليد للماضي ليست محافظة، نحن ليس في إطار المحافظة ولسنا في إطار الحداثة، هو شيء هجين يعني بنية حديثة جديدة بالأحرى تأخذ من الحداثة أدواتها من أجل أن تحقق عكس أهدافها..

مالك التريكي: لتمسخ..

برهان غليون: حداثة مسخ، هي حداثة مسخ، الدولة لا تنتج مواطنيها وحرية وإنما تنتج العكس، الدستور هو أداة للتسلط وليس أداة لضمان حقوق الأفراد، القانون هو وسيلة بأيد القوي من أجل لأنه بيحسن يرشي ويفسد من أجل أن يُخضِع الضعيف وليس كما هو بالأصل دفاع عن.. القانون هو لحماية الضعيف..

مالك التريكي: ليس حكم العقل بل حكم الطبيعة.

برهان غليون: وليس حكم العقل وإنما حكم القوة لأنه في الماضي كان في حكم الدين لم يكن تاريخ المجتمعات الإسلامية في الماضي يقوم على حكم القوة.. كان قائم على حكم الدين إلى حد كبير.

مالك التريكي: كرادع قوي.

برهان غليون: كرادع الناس مؤمنين والشيوخ والوجهاء والفقهاء يتدخلون في حياة الأفراد وفي كل حي وقرية ففي نظام له اتساقه وله منطقه.

مالك التريكي: معقوليته.

برهان غليون: معقوليته ومنطقه، الآن لا عدنا لنظام القوة، الحداثة المضادة هي حداثة قائمة على تكريس مبدأ القوة يعني مبدأ الطبيعة، مبدأ الضعيف ومبدأ التوحش لذلك أنا أقول إنه نحن ظاهرة من الظواهر المجتمعات اليوم تعيش شروط قريبة جدا من اللي كنا نسميه البربرية الهمجية يعني البربرية بمعنى الهمجية.. الهمجية ليست شيء قديم، الهمجية هي عدم قدرتك على السيطرة على قواعد عمل النظام الراهن حال يصير فيه تخبط واقتتال بدون أي ضابط.

مالك التريكي: يعني حالة الطبيعة التي تحدث عنها توماس هوبز في كتاب (Léviathan) الشهير.

برهان غليون: الإنسان ذئب للإنسان، كل إنسان ذئب للإنسان الآخر، يمكن هذه القاعدة لا تنطبق اليوم على أي مجتمع آخر غير المجتمع العربي، الفرد ذئب لأخيه الفرد الآخر، العربي ذئب لأخيه العربي وهذا ينطبق حتى على العلاقات بين الدول.

مالك التريكي: شكرا جزيلا دكتور برهان غليون على استضافتك لنا في بيتك الفارسي شكرا.

برهان غليون: شكرا.