- دور المثقف في علاقته بالسلطان
- الرؤية الثقافية للغرب الاستعماري


مالك التريكي: مع بروز أكاديميين عرب من أمثال المحقق التراثي وخبير تيارات الإسلام الإصلاحي والإحيائي الدكتور رضوان السيد حدثت في حقل الدراسات الإسلامية في معظم الجامعات العربية تطورات معرفية أصبحت دانية القطاف من جمهور المثقفين وطلاب العلم منذ رسخّت أصول الجمع بين التخصص في الكلاسيكيات الإسلامية وبين درس حضارة الإسلام وواقعه الاجتماعي والسياسي من منظور أحدث المناهج البحثية وبما أن الدراسات الإسلامية قد تطورت أكاديميا في جدلية الصراع والحوار مع ما كان يُعرف تقليديا بمجال الاستشراق فإن رضوان السيد الحائز على الإجازة العالية من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر وعلى الدكتوراه في الفلسفة من جامعة كيوبنج الألمانية يرى أن الطريقة الأنجح للتصدي لكتابة تاريخنا العقّدي والثقافي بالفهم والاستيعاب والتجاوز إنما تتمثل في المشاركة الفاعلة والقوية في الدراسات والمناهج المعاصرة مع ما يقتضيه ذلك من تعميق المعرفة بالعالم والعصر ووقائع الحداثة وما بعدها في العلوم الاجتماعية والإنسانية، على أن ما يميز رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية والأستاذ الزائر بجامعات هافد وشيكاغو وسالسبيرغ هو أنه بقدر ما يحرص فكريا على التجديد في المباحث والمناهج فإنه يحرص أسلوبيا على إخراج مؤلفاته مخرج الجمال المتأتي من فصاحة النص وجزالة البيان.


دور المثقف في علاقته بالسلطان

"
مناهج العلوم الاجتماعية أمر مختلف تماما عن مناهج النقد التاريخي ونقد النص والعلوم التاريخية بشكل عام وهي تتطلب حسا حقيقيا وهذا لا ينتج عن المعلومات فقط
"
رضوان السيد- محقق التراثي وخبير تيارات الإسلام الإصلاحي والإحيائي: عندما عدت عام 1977 من ألمانيا بدأت أشتغل على مشروع لإعادة قراءة المفهومية للفكر الإسلامي الكلاسيكي.. يعني تقديم وتفسير أعتقد.. اعتقدت وقتها أنه جديد ويعتمد على قسمين، القسم الأول نشر النصوص كلاسيكية مهمة في علم الكلام وفي الفقه والفكر السياسي وفي أصول الفقه وهذا من جهة ومن جهة أخرى القيام بهذه الدراسات المفهومية على أساس توافر الوثائق هذه التي تعين على الدراسة، أرغمتني على الخروج من هذا المجال أو تطوير الاهتمامات جاء من إرغامات الإحيائية الإسلامية والأصولية الإسلامية ومقتل الرئيس السادات وقيام الثورة الإسلامية في إيران فبعد أواسط الثمانينات اضطررت تحت وطأة هذا الإرغام.. وطأة هذه الإرغامات أن أبدأ بالعمل في مجال الإسلام المعاصر وهو أمر ما كنت أحبه أو أفضله ثم.. يعني أدى إلى كتابة ثلاثة أو أربعة كتب في هذا المجال طبعا ومئات المقالات، مع أن المنهج مكلِّف وصعب لأنك تتبع المنهج التاريخي ومنهج نقد النص في الفكر القديم، عندما تصل إلى الحقل المعاصر ليست هناك إلا مناهج العلوم الاجتماعية، مناهج العلوم الاجتماعية أمر مختلف تماما عن مناهج النقد التاريخي ونقد النص والعلوم التاريخية بشكل عام ثم إنها تتطلب حسا حقيقيا وهذا لا ينتج عن المعلومات فقط، بدور الدين وأهمية الدين وما معنى إبسمولوجيا كيف تعرف هذا الدور المتجدد للدين؟ يعني تتعرض لإشكاليات مختلفة عن الإشكاليات التي.. منهجيا وفعليا عن الإشكاليات القديمة، أعتبر أنني متميز في المجال الأول في معرفة النصوص وفي القدرة على قراءتها وهذا علم شديد الصعوبة نسميه علم التحقيق والتحرير ولكنني واحد من آلاف فيما يتعلق بالدراسات الحديثة عن ظواهر الإسلام المعاصر ويشاركني فيها كثير من الغربيين.

مالك التريكي: آنذاك كان يسميه الدكتور محمد عبده الجابري بفكر الوقت.. الفكر المؤقت الذي يقذف بقضايا إلى الساحة الفكرية ليس بالضرورة يختارها المفكر..

رضوان السيد: وبخاصة أن الواحد منا والدكتور الجابري أستاذنا بدأها قبلي، نحن نكتب في الصحافة اليومية أيضا..

مالك التريكي [مقاطعاً]: في بعض الأحيان في نفس الصفحة.

رضوان السيد [متابعاً]: وفي بعض الأحيان في نفس الجريدة، فلذلك.. يعني التحديات مختلفة وكان عندما بدأت أكتب في الإسلام المعاصر كان هناك زميل رحمه الله اسمه حسن حمدان مهدي عامل كان ماركسيا وكان يحب دراساتي الكلاسيكية.. يعني ماذا أكتب في الإسلام المعاصر وأشتغل على تفسير الحركات الإسلامية المعاصرة وعلى علاقتها بالحركات الماركسية وكذا فهو انزعج.. يعني من طريقة الكتابة فكان يسمي فكري الفكر اليومي.

مالك التريكي: نعم وهذه مرتبطة بالفكر الراهن.. الفكر المؤقت، مما يلاحظ في عملك التحقيقي أنك حققت عدة كتب للمواردي والمواردي مشهور بالأحكام السلطانية.. كتاب الأحكام السلطانية وبأنه مُنّظر..

رضوان السيد: للكلاسيكية السُنية.

مالك التريكي: للكلاسيكية السُنية، هل هذا يعتبر موقف مُسبق من مسألة دور المثقف في علاقته بالسلطان؟

رضوان السيد: أنا اتخذت من.. الحقيقة المواردي درسته في نطاق معرفة كيف.. يعني الفقه والسلطة، كيف كان الفقيه السُني السُنني أيضا يتعامل مع السلطة؟ لأن الفقه مؤسسة والسلطة مؤسسة وليس صحيحا ما كتبه هاملتون غيب أو كتبه الآخرون عن الإستتباع إنه تابع.. لا إنها مؤسسة قوية ولها.. هي التي تهب المشروعية للسلطة السياسية التي كانت قد ضعفت وقت الخلافة وظهرت السلطنات وإمرة الأمراء وما شابه، كيف كان يتعقل ويتصرف حتى في كتابه الكبير الحاوي في الفقه؟ كيف كان يتعامل مع نفسه باعتباره سلطة دينية وأخلاقية وكيف كان يتعامل مع السلطان؟ أكثر الفقهاء لم يكونوا يتعاملون مع السلطة بالمعنى المباشر، هذا المواردي يتميز بأنه فقيه كبير وكان يتعامل مع السلطة بشكل مباشر، ليس باعتباره قاضي أو أقضى القضاة كما كانوا يسمونه بل أيضا لأنه اشتغل وسيط بين البويهيين والسلاجقة وبين الخليفة والبويهيين وبين خليفتين والسلاجقة الذين كانوا قد بدؤوا يَرِدون إلى بغداد.. يعني كانوا صاروا في ضواحيها، فالمواردي ليس مهما فقط من أجل أن كتاباته السياسية والفقهية بقيّت وعنده كتاب مهم في تفسير القرآن بل لأنه أيضا مارس عملا سياسيا مباشر ومن موقعه باعتباره فقيه.

مالك التريكي: لكن الشائع أنه لم يكن من موقع مستقل.. الشائع عن المواردي أنه لم يكن مستقل.

رضوان السيد: كان همه بقاءه.. كان يعتبر أن مشروع الإسلام هو مشروع الدولة، أن الدولة جزء من مشروع الإسلام وعلى هذا الأساس كيف نحفظ وحدة هذه الدولة، هذه كانت إشكاليته وإلا يقول في كتابه اللي حققته وهذا كتاب عظيم تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق المَلك وسياسة المُلك، فكان يقول قال لي السلطان فلان كذا وقال لي السلطان فلان كذا وقال لي أمير الأمراء فلان كذا وقال لي الخليفة كذا والحقيقة أن أعذارهم كلها معتّلة ولا يحبون إلا دنياهم، فهو كان كاشفهم ولكن.. ثم يقول لكنني أريد الحفاظ على وحدة الدولة كيف يمكن الحفاظ على وحدة الدولة، فليس صحيحا.. ليس عميل الرجل وكان يتعامل بوعي، هلا في نفس الوقت زميله إمام الحرمين الجويني كان يشتمه وكتب كتابا في.. نظريته السياسية تختلف عن نظرية المواردي مع إنه الاثنين هم سنة وشافعية أسم كتابه غياث الأمم في اغتياث الظُلّم.

مالك التريكي: غياث الأمم اغتياث الظُلّم.

رضوان السيد: يقول فيه أنه وجَد المواردي سواء في تأليفه أو في سلوكه السياسي لم يكن سليما، تعامل مع السلطان بطريقة غير ملائمة، إنما عندما تنظر إلى سيرة إمام الحرمين يكتب مقالات.. يكتب فصولا في كتبه في مدح السلاجقة هذا لم يفعله المواردي أبدا، يكتب يقول إن نظام المُلك.. وزير السلاجقة لأنه كان يحبه وكان صديقه يستطيع أن يكون أميرا للمؤمنين ما الداعي للخلافة العباسية كلها، ففي الوقت الذي ينتقد زميله الأصغر منه المواردي..

مالك التريكي [مقاطعاً]: يأتي كما هو..

رضوان السيد [متابعاً]: يأتي فيعمل يحاول أن.. ما حدش طالب منه وهو يريد أن يقول ما دام السلاجقة فعالين فلنتبعهم ولندع العباسيين، يعني لا يهتم لا بالنسب القرشي ولا بالتقليد التاريخي.. المشروعية التاريخية للخلافة، فما أقصده لا الجويني عميل ولا المواردي عميل أو وكيل، لا هذه مؤسسة هائلة وضخمة ومفتوحة هذه المؤسسة الفقهية.. يعني مؤسسة الإسلام وأولئك الحكام يبدون بالنسبة.. صغار بالنسبة لهؤلاء الناس فكان عنده مشروعات مختلفة للحفاظ على وحدة الدولة وسط تلك الأزمة، ما الأهم المشروعية التاريخية أم القدرة على الفعل؟ عند المواردي المشروعية التاريخية هي الأهم، عند إمام الحرمين الجويني الأهم القدرة على الفعل، مَن الذي يدافع عن الإسلام الآن ويحمي حوزته؟ السلاجقة، يصبحون هم خلفاء الإسلام لماذا لا؟ المواردي بيقول له هذا ظرف مؤقت قد نقسم كلمة المسلمين إلى غير رجعة إذا نقلنا الخلافة إلى الترك وخرجنا من ديار الإسلام الأساسية من بغداد ودمشق وكذا، فرؤى مختلفة، نظريات مختلفة.. رؤى مختلفة الحقيقة وتطبيقات مختلفة أو محاولات مختلفة لمعالجة الواقع، فأنا درست هذه العلاقة ستة أو سبعة أو ثمانية كتب عندي في.. نشرت نصوصا سياسية ثم حاولت في كتاب الجماعة والمجتمع والدولة وفي مقالات أخرى قراءتها قراءة بناء على علاقة فكرة الدولة بالمجتمع والمشروع الإسلامي بشكل عام وفي فصول متعددة علاقة الثقافة بالسلطة الفقه بالسلطة.

مالك التريكي: سيداتي سادتي أنتم تشاهدون برنامج مسارات سوف يكون لنا عود للحوار حول المسار الفكري للدكتور رضوان السيد بعد الفاصل.



[فاصل إعلاني]

الرؤية الثقافية للغرب الاستعماري

مالك التريكي: مجال تخصصك دكتور رضوان السيد الدراسات الإسلامية، طبعا من الناشطين فيه نشاطا كبيرا الغربيون الأجانب وحقل اختصاصهم يسمى عادةً الاستشراق ولكن هذا الحقل تطور وأنت ترى أنه تطور إلى حد أنه دخل في مجال الأنثروبولوجيا المندمجة مع اللسانيات، تشيد بدور الدكتور أنور عبد الملك في نقل الاستشراق على أن مقالته الأولى الاستشراق في أزمة كانت ريادية عام 1963 في مجلة جيوجيان، تشيد بدور عبد الله العروي بدور إدوارد سعيد ولكنك تقول إنهم لم يتنبهوا إلى أن هذا الحقل تجزأ إلى أربعة حقول وأهمها في العقدين الأخيرين حقل الأنثروبولوجيا، كيف تم هذا التطور؟

"
الاستشراق عندنا ملعون باعتباره يمثل الرؤية الثقافية للغرب الاستعماري لثقافتنا وتاريخنا ودينا وحاضرنا، وهذه الرؤية رؤية مشوهة تحمل على الإسلام وتظلم العروبة
"
رضوان السيد: الاستشراق عندنا ملعون باعتباره يمثل الرؤية الثقافية للغرب الاستعماري، الرؤية التي اصطنعها الغرب الاستعماري لثقافتنا وتاريخنا ودينا وحاضرنا وأنه هذه الرؤية رؤية مشوهة تحمل على الإسلام وتظلم العروبة وتظلم ثقافتنا وما شابه وقد تطور هذا النقد من نقد للرؤية الاستشراقية.. من نقد بدأه أنور عبد الملك بالمعنى التقدمي والرجعي.. يعني نقد الثقافة الاستعمارية وبلغ ذروته بإدوارد سعيد، المشكلة أنه في ذلك الوقت كانت تجري تطورات طبعا في داخل الحقل
نفسه.. في أوروبا وفي الولايات المتحدة في الوقت الذي كنا نحن دارسين الحديثين والإسلاميين نحمل على الاستشراق، كنا نحمل على ماض لم نكن ننتبه إلى أنه في طريقه إلى الزوال، حتى إدوارد سعيد كان يتحدث عن برنارد لويس وعن هاملتون غيب وعن.. كلهم باعتبارهم مؤسسة مستمرة، في الحقيقة هذه المؤسسة انتهت في السبعينات وما نشهده الآن بعض عظامها الباقية مثل برنارد لويس ومَن يشبهه، ضُربت هذه الـ.. تحت وطأة الثورة في العلوم الاجتماعية وتحت وطأة تغير علاقات الشرق بالغرب، ضعف في الشرق وضعف الإسلام وضعف المسلمين..

مالك التريكي [مقاطعاً]: يعني وجها الانتقاد انتهيا، الوجهة الاستعماري والوجه المعرفي القصور المنهجي الذي كان..

رضوان السيد [متابعاً]: القصور المنهجي أدى إلى ضعف الاستشراق وثورة العلوم الاجتماعية أدخلت.. لأنه الاستشراق كمان قراءة نصوص وليس قراءة واقع أيضا، كيف تقرأ النص بالعلوم الألسنية بالطريقة الفيلولوجية القديمة صفيّت وظهر طرائق جديدة شديدة الأهمية والشراسة فيما يسمى الاستشراق الجديد الأنثروبولوجية، كل الاستشراق الآن كل الذين تحت الخمسين يكتبون..

مالك التريكي: الأنثروبولوجيا.

رضوان السيد: الاستشراق.. يكتبون عن الإسلام باعتباره أنثروبولوجيا وقد استُخدم هذا المنهج الجديد من جانب النقديين الجذريين لتصفية الحساب مع كل تاريخنا ومع كل نصوصنا وأضيف إلى ذلك عامل نفسي أنه هذا الشرق مستضعف والآن محتل فلا.. ما عاد أحد يصدق أن عندنا ثقافة محترمة كما كانوا يصدقون في الأربعينات والخمسينات والستينات وهذا أمر نفسي أنه مادام المسلمون وضعهم كذا الآن والعرب وضعهم كذا إذاً وضعهم أيام محمد وأيام الخلفاء الأمويين كمان لم يكن أحسن.

مالك التريكي: بمثل هذا السوء.

رضوان السيد: إسلام أصولي الآن هو أصولي أيضا قديما وقلت إن هذه يتركز الآن في إحدى نظريتين بسبب ظواهر الإسلام المعاصر، في نظرية غيلنر ونظرية غيرتس ، نظرية غيلنر التي ترى أن الإسلام.. باعتبار النص والتقليد أن التقليد يقوده العلماء والنص هو مرجعية العلماء وأنه في الأزمات يعاد إلى النص ولكن النص نفسه لكن السلفية نفسها قد تكون طريقا للحداثة كما كانت البروتستنتية وبينما رؤية أخرى تقول أنه ليس هناك إسلام واحد هناك بين المغرب وإندونيسيا..

مالك التريكي [مقاطعاً]: وإندونيسيا..

رضوان السيد [متابعاً]: هناك إسلامات عند كليفورد غيرتس.

مالك التريكي: وهو عنوان كتاب الشرق..

رضوان السيد: وهذا ما يربط بين الإسلامات المعاصرة والإسلامات القديمة فقط الرموز التعابير مثل الجهاد ومثل العبادة ومثل الصلاة، هذه مسائل رمزية لا تشي بوحدة واحدة ولا تشي بإمكان أن يتوّحد الإسلام في وجه الغرب أو يكون هناك أصولية إسلامية واحدة أو ما شابه، هاتين الرؤيتين.. اليساريون يستخدمون رؤية غيرتس والليبراليون بينما المحافظون يستخدمون رؤية غيلنر وفي كلتا الحالتين لم يعد هناك استشراق بالمعني المتعارف عليه إلا في دوائر محصورة معزولة أكاديمية تقرأ بعض النصوص القديمة لكن وهي تقرأ بعض النصوص القديمة تقرأها بالعقلية الأنثروبولوجية والألسنية التي بدأت تسود.

مالك التريكي: نعم، مما ذكرته أيضا وأظن أن هذه إشارة مهمة أن الموقع في الحاضر يؤثر في طريقة نظر الأكاديميين الغربيين لحاضرنا ولماضينا، تقول أن هنالك فترة ما بين الخمسينيات والستينيات كان يُعتقد فيها وكانت فترة استقلالات وظهور الدولة الوطنية الحديثة بعد تصفية الاستعمار في منطقتنا، كان هنالك اعتقاد بأن العالم العربي مقبل على نهضة جديدة وعلى مزاوجة ناجحة بين التقليد والتحديث وعلى تصنيع وتنمية واعدة، المستشرقون الأجانب في ذلك الوقت بدؤوا يكتبون كتابات إيجابية عن الحاضر العربي وعن الماضي العربي، بينما عندما ساءت الأوضاع صار هنالك ربط بين حاضرنا وماضينا قولا بأن إذا كانوا بهذا السوء في الحاضر لا يكون.. مَن هم الكتاب الذين كتبوا كتابات إيجابية في ذلك الوقت؟

رضوان السيد: يعني مثلا هاملتون غيب.

مالك التريكي: هو نفسه شيخ.

رضوان السيد: أينعم.. شيخ الاستشراق الإنجليزي، فريدريش ايبرت المستشرق الألماني الكبير، يعني تعلمت عنده فيما بعد ولكنه كان في القاهرة في الستينات كان يكتب عن اشتراكية الإسلام، يعني اشتراكية جمال عبد الناصر يعتبر أنها اشتراكية إسلام، أن كل ما يفعله العرب والمسلمون هو تجديد في المجال العربي والإسلامي للمسائل الكلاسيكية القديمة وأن هناك خطا مستمرا للنهوض والتقدم وأن مسألة الحياد الإيجابي هذه دخول للعرب في العالمية، الدولة الناصرية والنظم التقدمية في العالم العربي والإصلاحات التي كانت تجرى هنا وهناك يدخلها هو ويدخلها هاملتون غيب في (Eslam Whither) إلى أين يتجه الإسلام، حتى في شبه القارة الهندية على أنها جزء من التحديث والحداثة والتجدد، بينما في الثمانينات نجدهم حتى شتيبات نفسه هاملتون غيب كان قد مات نجدهم يكتبون عكس ذلك يقولون بسبب هذا الصعود الهائل للأصولية الإسلامية والصراع العنيف بين الأنظمة القائمة والأصوليات الإسلامية حتى قبل إحدى عشر سبتمبر طبعا كان ظهرت.. بدأت أفكار جديدة تظهر أن لا هؤلاء المسلمين ضيَّعوا البوصلة وليسوا مثل الأمم الأخرى وهؤلاء الناس عالمهم عالم أخر، لماذا؟ لأن الإسلام نفسه متخلف، لنعُد شوفوا كيف كان يحكموا الأمويون وكيف كان يحكم العباسيون وكيف نقرأ القرآن من جديد وهل صحيح أن القرآن مأخوذ من التوراة والإنجيل أم كما كنا نزعم سابقا.. يعني حتى أرادوا أن يحرمونا من الخط الإبراهيمي الذي كانوا قد قالوا أننا جزء منه بمعنى أن القرآن مأخوذ..

مالك التريكي [مقاطعاً]: من التوراة.

رضوان السيد [متابعاً]: حتى هذا بدؤوا يتخلون عنه ليقولوا لا هذا الإسلام ظاهرة خاصة.. يرتبط بهذه العقلية العربية وإلى حد ما بهذه العقلية المشرقية.

مالك التريكي: فالمشكلة إذاً هي ليست مشكلة صورة بل مشكلة موقع..ش

رضوان السيد [مقاطعاُ]: هي قوتنا في الحاضر..

مالك التريكي [متابعاً]: نعم مشكلة موقع..

رضوان السيد: قوتنا في الحاضر..

مالك التريكي: وأنت ترى أن من الواجب على الدارسين العرب أن يشاركوا مشاركة فاعلة دون خوف أو وجل في الدراسات الإسلامية المعاصرة وقد نذرت عمرك لذلك، ماذا تعتبر أنك حققت في هذا المجال؟

رضوان السيد: يعني هناك مسألة عامة وهناك مسألة خاصة، المسألة العامة أعتقد أن الصراع حُسّم مبدئيا ولو مؤقتا في إحدى عشر سبتمبر، خسرنا معركة الصورة التي عملنا عليها أكثر من مائة عام وأفنى مئات من المثقفين العرب والمسلمين عمرهم في الشغل باتجاه المشاركة وباتجاه الندية أنهتها هذه المسألة وعلينا أن نبدأ من جديد ولكن بمسألة الشخصية أعتقد أنني في الدراسات الإسلامية الكلاسيكية حققت دراسات مفهومية لا بأس بها تتسم ببعض الدقة، مفاهيم مثل الجماعة ومثل الأمة ومثل الفتنة ومثل السُنة ومثل البدعة كمفاتيح بتحليل دقيق بعضه ألسني للوصول إلى إعادة تشكيل الحقل التاريخي لظهور الأمة وظهور الدولة في الإسلام، بالنسبة للفكر الإسلامي الحديث والمعاصر أعتقد أنني حققت إنجازا لا بأس به بتحديد القطائع بمعنى أن الفكر الإسلامي الحديث غير الفكر الإسلامي المعاصر بسبب اختلاف الإشكاليات، الفكر الإسلامي الحديث قام من أجل الإصلاح وتحقيق التقدم واقترح مشروعات لذلك واقتبس من أجل ذلك، بينما الفكر الإسلامي المعاصر بقى طبعا فيه إصلاحيون ولكنهم بقايا ظلوا طوال أربعين سنة يعمل على تطهير الهوية وعلى ممارسة نقد لتحديات الهوية ونقد لتحديات الهوية الطهورية، طبعا في السنوات العشر.. الخمسة عشر الأخيرة دخلت بعض التعديلات على ذلك ولكن أعتقد أنني حققت هذا الإسهام في أنني ميَّزت الظواهر بناء على الإشكاليات.

مالك التريكي: وبهذا مشاهدينا الكرام تبلغ هذه الحلقة من برنامج مسارات تمامها، حتى لقاءنا في حلقة قادمة مع الدكتور رضوان السيد هذا مالك التريكي يحييكم دمتم في أمان الله.