- مستقبل التضامن الأوفروآسيوي
- فائض القيمة التاريخي والانغلاق الحضاري العربي

مالك التريكي: من الشخصيات النادرة من تبلغ بهم رفعة المقام الفكري والأخلاقي درجة أن تتركز فيهم أجَلُ السمات التي يتسم بها أبناء جيلهم, حتى لكأنك إذا لقيت الشخص مفردا فقد شهدت الجيل أجمع, فكذلك الأمر بين البروفسيور أنور عبد الملك وبين ما يمكن أن يسمى بجيل التفاؤل التاريخي, ما إن جلست إليه في بيته القاهري شعرت أنك تجالس كامل الجيل الذي تشكل وعيه الثقافي والسياسي في مخاضات الألم والأمل، ألم وأمل الكفاح من أجْل قضايا التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي, حيث أن هذا الشاب الثمانيني الذي كان قد استرعى إنتباه طه حسين وحظي بمحبة عبد الرحمن بدوي قد بدأ الانخراط الفعلي في جيل التفاؤل التاريخي, الذي يسميه هو الجيل الذي كان على موعد مع القدر, منذ قرر عام 1944 وقد كان آنذاك في العشرين من العمر تأجيل طموحاته الجامعية خدمة لقضية النضال المصري ضد الاحتلال الإنجليزي, ثم ما لبست تصاريف الزمن السياسي أن أرغمت أستاذ الفلسفة على اللجوء إلى باريس حيث انضم لقسم علم الاجتماع في المركز الوطني للبحث العلمي مبتدئا حياة أكاديمية متألقة, حيث سرعان ما ذاع صيته في الأوساط الأكاديمية الغربية إثر نشره مطلع الستينيات بحثا مدوية عُدَّ بمثابة الطلقة الأولى في معركة نقد الاستشراق.

مستقبل التضامن الأوفروآسيوي

أنور عبد الملك- مفكر عربي: لما تواجدت في باريس عام 1999 بدأت أتفاعل مع الورق وجدت أنه النظرة إلينا دائما إن إحنا استثنائيين.. استثناءات, الأمة ليست كأمة لكنها حالة استثنائية, الجيش ليس كجيش لكنها كحالة استثنائية, الفكر عندكم فكر بس مش ده فكر, طيب لماذا هذا التهميش؟ فبمطالعة أو معاشرة الذين درسوا أو ما زالوا يدرسون العالم العربي والإسلامي والشرق بوجه عام, وجدت أن الاستشراق.. ساحة الاستشراق تنظر إلينا من أجل التهميش واستمرارية الركود والخضوع, فية جزء دراسات جادة موضوعية لكنه أقلية وبالتالي أصبح خبراء المستشرقين في عصر النهضات القومية بعد الحرب العالمية الثانية عاجزين عن فهم أو عاجزين عن قبول الظواهر الجديدة, لما يفهموا قبل ذلك اليابان قبل الحرب العالمية الثانية, حقدوا على صعود الصين, العالم العربي والإسلامي تُنِكِرَ إنْ جاز التعبير, أميركا اللاتينية هامشية ناس لا وجود لهم, آسيا شحاتين, يعني أفريقيا إذا جاء ذكرها.. يعني العالم أين العالم, فأزمة الفهم الغربي لتغيير العالم هو كان مدعاة كتابة هذا البحث عن الاستشراق في ازمة, الاستشراق لم يعد يفي بما يمكن أن.. لابد من إقامة ساحة واسعة للجلسات المقارنة والاجتماعية والإنسانية من مختلف نوعيات المجتمعات, هناك أمَة أوروبا غربية,أمَة جديدة في أميركا,أمَة مختلطة أميركا اللاتينية, أمة قبائلية لم تتكون بعد في أفريقيا, أمة قديمة حضارية في العالم وهكذا, يعني كان الهدف هو إحداث أو الدعوة إلى تكوين ساحة واسعة جديدة من الفهم المقارن بالظواهر الإنسانية والمجتمعية في عالم جديد دون استثناء ثلاثة أرباع العالم لأنه شرق هامشي غير مفهوم ورفع الأيدي أين هو ده النظام؟ طيب ما هو كله نظام, أين كان الآخر قبل القرن الثالث الميلادي؟ أين كان الغرب قبل القرن السادس عشر قبل الإمبراطورية الرومانية كان.. ماذا كانت الدنيا؟ الدنيا كانت عوالم ثانية, صعود الحركات القومية التحريرية ومحاولة استعادة وجود قومي حول دول ثابتة بل وسعي نهضة كطبيعة الحال أيام محمد علي ثم في مصر ثم في الصين الآن مرفوض, لكن هي دي الأرضية التي أحاطت بهذا المقال هذه الدراسة التي أحدثت دوي كبير جدا.. ويعني انتقال كبير وكان لها طبعا توابع كثيرة بعد كده.

مالك التريكي: وتعد هذه المقالة في كثير من الأدبيات أنها يقال أول طلقة في نقد الاستشراق.

أنور عبد الملك: هي أول طلقة لكن طبعا الآن هي الأساس.

مالك التريكي: طبعا تابعها الكثيرون وطور الحق.

أنور عبد الملك: طبعا.

مالك التريكي: يتزامن مع ذلك حدث مهم يتم الآن إحياء الذكرى الخمسين لحدوثه هو مؤتمر باندونغ عام 1955, وكنت تعلق أهمية كبرى على هذا المؤتمر الأفروآسيوي.

"
مؤتمر باندونغ لم يكن يستحق مجرد مؤتمر سياسي لأول مرة منذ القرن السادس عشر اجتمع زعماء من أهم دول العالم الشرقي المهمش في تجمع سُمِيَ الأفروآسيوي
"
أنور عبد الملك: أنا في تقديري مؤتمر باندونغ لم يكن يستحق، أنا عملت عنه دراسة طويلة اسمها المغزى الحضاري لمؤتمر باندونغ في إحدى كليات الشرق, مؤتمر باندونغ لم يكن مجرد مؤتمر سياسي, لأول مرة منذ القرن السادس عشر اجتمع زعماء عالم من أهم دول العالم الشرقي العالم المهمش في تجمع سُمِيَ الأفروآسيوي, لكن هو كان آسيوي في الواقع شرقي بقيادة الصين والهند وبورما آنذاك وإندونيسيا ومصر وكان الهدف هو إعلان أن عصر التهميش الشرق انتهى وإعلان أن النظام العالمي القائم على الغزوات والاستعمار والسلب والنهب لا مستقبل له, وإعلانه المبادئ الخمسة أنت عارف.. احترام السيادة التعهد.. المبادئ الخمسة المشروعة هي التي ستحكم.. ويمكن أن تحكم نظام عالمي جديد مستقبلي ليس سنة 1955, هذه الدعوة أيام باندونغ هي الآن التي نتعايش معها تحت شعار عالم متعدد الاقطاب.. هي دي دعوة باندونغ وبالتالي قيمة باندونغ الحضارية كبرى ليست بسيطة رغم التقلبات السياسية, ودائما النظرة عندنا نظرة هنسميها مسطحة شويه, تنظر إلى الأحداث في.. يعني في ناتجها المباشر, ليس في مغزاها الحضاري لأن المغزى الحضاري بعيد جدا.

مالك التريكي: الذي يحتاج إلى بعد زمني.

أنور عبد الملك: هو تخطي أزمات لتباين التوجه العام, ليس فقط الحدث الموضوعي الوضعي.

مالك التريكي: كانت فكرة التضامن الأوفروآسيوي من أهم نتائج هذا المؤتمر, الواضح الآن أن كثير من الدول الأفريقية وبعض الدول الأسيوية وخاصة الدول العربية مقارنة بالدول الشرق آسيا قد نحت منحا تنمويا مخالفا جدا، يعني التنمية في بلدنا توقفت وتباطأت إلى حد التوقف ربما وصرنا في تأخر بينما البلدان مثل كوريا ومثل الصين واليابان آنذاك كانت حاضرة في المؤتمر..

أنور عبد الملك: والبرازيل.

مالك التريكي: والبرازيل بلغت مستويات مشهودة ما هو تفسيركم؟

أنور عبد الملك: التفسير هنا أيضا تفسير بسيط لكنه في حاجة إلى رؤية تاريخية.. مسيرة تاريخية, المنطقة التي تتحدث عنها سيادتك.. المنطقة الوسطى, هي المنطقة التي كانت تكون حول مراكز الغرب المهيمنة في أوروبا ثم أميركا, تكون دائرة النظام العالمي التقليدي الإمبريالية.. سواء الإمبريالية والمستعمرات والتوابع اللي حولها هذه الدائرة لو ينظر إليها بدقة بدءًا من بداية القرن التاسع عشر لم تشمل آسيا إلا على مضد في جزء من الهند وقطاعات متناثرة في جنوب شرق آسيا, لم تشمل لا الصين ولا اليابان ولا كوريا وده أكثر من 40% من الإنسانية مش لعبة البلاد بين بلاد ولم تشمل أميركا اللاتينية، البعض بيقول إيه بقى ما كانش فيه والمنطقتين دائرتين الدائرة الأسيوية والأميركا اللاتينية التي تنوي اليوم تنمية باهرة بطريقة مختلفة طبعا, بينما المنطقة اللي كانت تحت السيادة الإمبريالية التقليدية هي التي ضربت وما زالت متأخرة ده التفسير, يعني فيه تفسيرات طبعا.. أنظمة الحكم ده طبعا مطروح إنما التفسير التاريخي هو ده.

مالك التريكي: مما يميز مسيرتك الفكرية دكتور أنور عبد الملك أنك كنت من أوائل وأكاد أقول أول مفكر عربي فكرت منذ الأربعينيات والخمسينيات إلى دعوة العالم العربي إلى ربط مصيره الحضاري بالدائرة الأسيوية وبدائرة أميركا اللاتينية وبالدائرة الأفريقية أيضا, هذا التوجه يبدو لم يحظى بأي اهتمام على الإطلاق, حتى الفترة الأخيرة عندما أفقنا على هذا النمو المهول والنهضة المشهودة..

أنور عبد الملك [مقاطعًا]: الحمد لله.

مالك التريكي [متابعًا]: أخيرا حدث هذا المؤتمر بين دول أميركا اللاتينية وبعض من الدول العربية التي..

أنور عبد الملك: وحتى باندونغ الاحتفال بذكرى الخمسين في إندونيسيا.

مالك التريكي: نعم لكن الحضور العربي لم يكن في..

أنور عبد الملك: في الاثنين.. لا في الباندونغ ولا في مؤتمر اللي دعت إليه أميركا الجنوبية العرب ده وده, مازلنا نعيش في التفاعل مع والانبهار بالقيادة المركزية في الدائرة التقليدية لأن العالم تغير, طيب قبل القرن السادس عشر قبل أن يتكون هذا النظام التقليدي أين كان العالم؟ وهناك مشروع بحثي هام جدا ظهر في إنجلترا في نهاية التسعينات اسمه صياغة النظام العالمي.. اسمه اكسفورد حاولنا نترجمه كذا مرة بالعربي ما اترجمش, المشروع ده بعد عشر سنين من البحث المشترك الأنجلوأميركي والعالمي, أما قبل القرن السادس عشر كان هناك خمس دوائر إقليمية كبيرة جدا على تفاعل نسبي منها كان فيه نظام عالمي لكن ما كانش على نوع التشابك اللي موجود أيام العولمة, الدائرة الأولى في الشرق طبعا الكبرى هي الصين ليس على هامش لكنها متماسكة, ثم دوائر أخرى هامة جدا الدائرة اللي نسميها مركزية العربية الفارسية الخلافة الدائرة المغولية في وسط آسيا وأصبحت من القرن الثاني عشر إسلامية, الدائرة.. دائرة ثقافات الهند وكان الثقافة فيه هندية والحكم مغولي إسلامي أيضا ده شيء غريب جدا, الثلاثة أربعة والدائرة الأوروبية التقليدية التي كانت لسه لم تظهر بعد كدولة مركزية عندما كانت بعد الإمبراطورية الرومانية في حالة تأرجح بين الكنيسة وبين بلدان ناشئة وكان فيه دوائر أخرى لم يتكون منها دوائر ثابتة مثل أميركا الوسطى الجنوبية حضارات قديمة انزوت ليس غيرها حتى ما بعد تحرر شعوب أميركا الوسطى والجنوبية من الغزاة الأسبان والبرتغاليين في القرن الثامن عشر بوليفار وما صاحب ذلك, ودائرة أسرة لذي.. على هامش الدنيا, إذاً كان هناك مجموعات إقليمية كبرى على تفاعل لكن لم يتكون منها نظام عالمي كامل إنما العالم كان موجود، العالم كان موجود ما كانش غير موجود أصبح متماسك حول دائرة مركزية قوية جدا بعد الاكتشافات البحرية والغزوات وحروب الفرنجة والاستعمار والإمبريالية وبقى عندنا نظام عالمي شاهدناه يقوم الصبح في استراليا سنة 1647 حتى يلتسين 1945 حتى انهيار القطبية الروسية الغربية.. سنة 1991 والآن عندنا هذا النظام متمحور حول الدولة العظمى واحدة لكن هل هو نظام عالمي أو نظام نسميه ما بعد النظام العالمي التقليدي, يحاول الإبقاء على أشياء جديدة اللي منها جاء نداء عالم متعدد الأقطاب.



[فاصل إعلاني]

فائض القيمة التاريخي والانغلاق الحضاري العربي

مالك التريكي: علق دكتور أهمية على عصر الإكتشافات البحرية في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر وبداية صعود الغرب وهيمنته على بقيت أجزاء العالم وتلخص ذلك في مفهوم تحليلي مهم جدا تستعمله هو مفهوم فائض القيمة التاريخي.

أنور عبد الملك: طيب نبدأ بنهاية القصة لو سيادتك في سنة 1960 مثلا في إنجلترا في لندن أو في باريس أو في إحدى العواصم الغربية تدرس حالة الطبقة العاملة هتجد العامل المتخصص في الكيمياء أو غيره, العامل المتخصص يحظى بمرتب وظروف معيشية وعنده منزل ثانوي على البحر وعنده سيارة وبتاع, الله.. طيب ده الوزير عندك أنت ما كانش في السنوات دي عنده الكلام ده كله, من أين إذاً هذا؟ إذا كان العملية كلها أن الرأسمالية الغربية بتنهش لحم العمال الطبقة العاملة الأوروبية فائض القيمة, طيب الله رغم فائض القيمة ده كله موجود لسه.. من أين لك هذا؟ ثم تنظر إلى العالم الكبير المحيط في معظمه تجد أنه أحوال الطبقة العاملة والطبقة المتوسطة لا تصل إلى مستوى الطبقة المتوسطة توصل إلى مستوى الطبقة الدنيا من الطبقة العاملة, تقول الله.. من أين هذا إذاً؟ من أين هذه الظروف غير العادية لطبقة يقال أنها مضطهدة إن لم يكن من شيء موجود بيمّكن أصحاب رؤوس الأموال الطبقة العمالية أنها تمنح وتهادن وتريح؟ طيب من أين هذا الفائض من استغلال العمال دُوُلْ أو من حاجه ثانية, أنا في تقديري أنه الإكتشافات البحرية وغزو القارة الإفريقية وتهجير أكثر من عشرين مليون من شباب إفريقيا كعبيد إلى القارة الغربية ثم الغزوات الدينية التبشيرية الإسبانية البروتوكولية قبل ما يوصلوا مكِنِتْ مَن طلبها من استيعاب ثروات جبارة, معادن مواد خام منتجات نتيجة العمل العبودي استعباد الشعوب, فإفريقيا وأميركا يعني ضاعت بهذه الطريقة ثم جاء دور المنطقة بتعاتنا وبعد كده جاء الدور في القرن.. بدأ من القرن السابع عشر القطاع الجنوبي والجنوب شرقي من آسيا من السند حتى إندونيسيا ثم القرن الثامن عشر حاولوا غزو اليابان ما قدروش وغزوه في سنة 1958 فقط آخر دولة وفي بداية القرن الثامن عشر.. بداية القرن التاسع عشر ونهاية القرن الثامن عشر بدأ غزو المواني في الصين, فالصين واليابان وكوريا كان آخر من ألم بهم هذا.. إنما تجميع الثروات هو ده بنسميه فائض القيمة التاريخ, ده فائض قيمة سلب ونهب القارات اللي أصبحت القارات الثلاث علم الجنوب علم باندونغ هو دي.. هذه العملية التي مكنت الطبقة الرأسمالية في دول الغرب من هذه الثروة الهائلة التي مكنتها من تأمين سلطتها وشراء ولاء ورضاء جميع الرؤساء عن طريق الانتخابات.. النظام الديمقراطي الانتخابي, والتفوق حتى الآن ولو طبعا في ظروف مختلفة تماما على المجتمعات التابعة في الدائرة المركزية, لم يعد الأمر هكذا بالنسبة لا للصين ولا اليابان ولا كوريا ولا حتى الأميركتين انتهى الموضوع خلاص.. انتهى هذا الموضوع فائض القيمة التاريخي بدأ لا أقول يفنى يضعف في تأثيره.

مالك التريكي: لكن هو لتلخيصه ممكن أن نقول أن فائض التاريخ الغربي هو الوجه الآخر للبؤس والتخلف في دول الشرق؟

"
البؤس والتخلف في دول الشرق مفهوم في بلادنا العربية الموقرة يكاد يكون مرفوضا لا أحد يذكره إلا نادرا جدا
"
أنور عبد الملك: هو هكذا وبالتالي هذا المفهوم في بلادنا العربية الموقرة يكاد يكون مرفوض ما حدش يذكره إلا نادر جدا ونادرين جدا إنما نادر جدا من يذكره لأنه محرج, يعني هل أنت تريد أن تقول أن تفوق الغرب نتيجة السلب والنهب مما أصابنا وليس من تفوق الغرب نقول إزاي بالميلاد بالسليقة كده, أنا لا أقول التاريخ أنا أقول شيء.. يعني ضرب التوجهات الثورية في الحركة الوطنية التحريرية في الشرق العربي في الأربعينيات كان بحجة وتحت شعار كثرة التوجه إلى الشيوعية عن طريق الجبهات الوطنية المتحدة, تم هذا طيب اليوم ما أصبحتش دي.. سميناها إيه إرهاب إسلامي يعني بالتسمية التي تقال وهذا هنسميه إيه.. هنسميه ثورات عنصرية شرقية ما حدش عارف, يعني هي المسألة كيف تبعد هذا؟

مالك التريكي: من شروط صد هذه الهجمة وتحقيق النهضة ما تسميه بضرورة استقلالية القرار الوطني السياسي بانغلاق الدائرة السياسية نوع ما بحيث لا ينبع القرار السياسي إلا من إرادة الشعب بحيث يكون نوع من غلق مع الانفتاح الحضاري على الآخر بمطلقه يعني على آسيا وأميركا اللاتينية وإفريقيا وكل.. ألا تلاحظ دكتور أن المسألة معكوسة يعني الشرط الذي تضعه أنت حسب تصورك لشروط النهضة الحضارية معكوس عندنا الآن في الواقع العربي عندنا انغلاق حضاري نحن بالمعنى أنه ليس هناك اهتمام بالآخر، الآخر بالنسبة لنا هو من نعتبره متفوقا.

أنور عبد الملك: بدليل اجتماع سان باولو واجتماع باندونغ.

مالك التريكي: لم يحضره العرب, لكن عندنا في المقابل عندنا انغلاق أو بالأحرى انفتاح سياسي بمعنى تقديم التنازلات.

أنور عبد الملك: انفتاح يعني يبهر المتفرجين.. يعني لا يكاد يمر أسبوع حتى نرى البعثات وندوات وبتاع والمش عارف إيه ورجال.. أصبحت الحكاية يعني مش عادية بقى مش انبهار.. نسميه انحداف في أحضان شيء مش موجود, طيب كويس أنا لا أعارض هذا لأن ده شيء له إيجابياته وله مشروعية موقعية, طيب وبقية العالم لماذا هذا الموقف المخذي من أميركا الجنوبية كلها؟ لماذا تجاهل آسيا؟ أين أعراض.. مثلا لو أخذنا مصر أعراض مصر والهند المميزة كان يذكر أحد إخوانا.. كان بيذكر منذ أيام في الندوة أنه لم تتم زيارة واحدة رسمية مصرية للهند منذ عشر سنوات طيب إزاي الهند قريبة جدا لنا ثم نشكو أن إسرائيل تتعاون معها كيف نشكو أنا مش فاهم الموضوع..موضوع غريب جدا.

مالك التريكي: بالضبط.. وصلنا دكتور لسؤالي بالضبط هنا الصين والهند منذ مؤتمر باندونغ كانتا من الحلفاء الطبيعيين للعرب في كثير من القضايا وخاصة في القضية المركزية اللي هي القضية الفلسطينية فأبدعنا في التفريط في هذا الرصيد الهام بحيث أصبحت الصين والهند الآن من أهم شركاء إسرائيل فطبعا هنالك قضية التعاون العسكري بين إسرائيل والصين.

أنور عبد الملك: التعاون العسكري منذ الحرب الباردة لابد منه من أي قوة, تركيا ما هي علاقتنا بتركيا؟ حتى التقارب المحمود منذ شهور بين سوريا وتركيا, ما علاقتنا بتركيا؟ لماذا نرضى بأردوغان ونزوره؟ وقبل هذا كانت غير موجودة وتركيا دولة هامة جدا, أين علاقتنا بإيران؟ يعني أشياء غريبة جدا أشياء يعني بتثير ذهول.

مالك التريكي: هل توافق دكتور على رأي معروف للأستاذ غسان التويدي الدبلوماسي اللبناني المعروف ومدير جريدة النهار العربي والدولي الذي يقول أن الدولتين الوحيدتين فيما يسمى بالشرق الأوسط اللتين لهما مشروع حضاري وجادتان في انتهاج نهج نحو التقدم هما إيران وتركيا.

أنور عبد الملك: هو صحيح وقبل هذا كان مصر الدولة الثالثة من محمد علي إلى حرب أكتوبر, اليوم اعتكفنا لأسباب كثيرة لكن دي دول أمم خاصة مصر, طيب أين العلاقة بينهم؟ والعلاقة موجودة مع الهند موجودة مع الصين, الصين في علاقة طيبة جدا إنما هي علاقة لا تؤدي إلى تغيير.. يعني علاقتنا مع الصين متميزة جدا من كل النواحي والزيارات, ده كل موجود لكن لا تبدو أو لا تعرض كأنها بديل أو إضافة لما هو قائم.

مالك التريكي: بينما مثلا نحن نتذكر أن فرنسا وروسيا حتى في عهد يلسن الذي لا يعتقد أنه ذي توجه قومي قوي مقارنة ببوتين الآن, كان هنالك لقاء بين يلسن الرئيس السابق وشيراك وكان هنالك حديث عن التعددية القطبية قبل سنوات مما أثار غضب أميركا ترى أن هنالك..

أنور عبد الملك: أنا أرى أن فرنسا وشيراك أحييه أدركت مازالت تدرك دائما صالحها القومي, لم تبتعد أبدا عن كان يلسن كان بوتين كان غيره أيام ديغول, فرنسا دائما كانت تدرك أنه الشريك في حروب دي كلها يجب أن يكون إلى الشرق خاصة روسيا, الآن أصبحت روسيا وألمانيا وهذا خير, لكن هناك دائما أولوية تمنح للصالح القومي ودي من ميزات السياسة الخارجية في الثابتة.

مالك التريكي: ولذلك كان ديغول يصر على تسمية روسيا بروسيا ولم يسميها الاتحاد السوفيتي أبدا, اعتراف بالعامل القومي في هذا الإطار تذكر منذ الخمسينيات والستينيات أيضا.

أنور عبد الملك: لو أذنت لي؟

مالك التريكي: تفضل.

أنور عبد الملك: طيب ما هو الرئيس بوتين كان هنا في بلادنا المحروسة منذ أسابيع.. يعني ما شعرناش به عندما نزل من مطار القاهرة ذهب وزير الخارجية يستقبله, رئيس دولة روسيا يعني الشريكة الحليفة اللي اللي.

مالك التريكي: هذا طبعا نوعا من الفراغ أو عدم وضوح الرؤية على المستوى السياسي تربطه بعدم وجود استراتيجية حضارية وأنت تعلق أهمية كبرى على الاستراتيجية الحضارية.

أنور عبد الملك: يمكن أكثر من كده قد يكون مرده إلى عدم وجود إيمان بأن هناك من الممكن مع الإبقاء على المصالح والعلاقات القائمة السعي إلى بدائل إلى تكملة الصورة.