- جذور المعرفة الأولى

- من الصوفية إلى الفلسفة.. ثقافة التمرد

 

مالك التريكي: إذا كانت أسماء الكثير من الكتاب والمفكرين لا تصير معروفة لدى جمهور القراء والمثقفين إلا بعد أعوام طويلة من النشر والإنتاج فإن اسم الدكتور برهان غليون لمع بدون مقدمات في منتصف السبعينيات منذ صدور كتابه الأول بيان من أجل الديمقراطية ومنذئذ ظلت الجدارة الفكرية لبرهان غليون الذي صار فيما بعد أستاذ لعلم الاجتماع السياسي في جامعة السربون ومديرا لمركز دراسات الشرق المعاصر في باريس ظلت جدارته الفكرية تتأكد باستمرار عبر إنتاج غزير تناول مختلف أوجه الأزمة التاريخية التي يعانيها الوطن العربي نتيجة إخفاقه في جميع مشاريعه التحديثية وبما أن الوجه الأبرز لهذه الأزمة يتعلق بالنظام السياسي الفردي الذي رعى هذا التحديث فإن برهان غليون قد ركز معظم أعماله على تحليل ظاهرة الدولة العربية الحديثة التي يعرفها بأنها مصدرا للقدرة اللامتناهية على إنتاج السلطة بدل أن تكون مصدراً للحريات الفردية والعامة وقد مضى برهان غليون في فك آليات انقلاب الدولة العربية ضد شعبها وفي تبيان التنافي بين منطق الدولة الريعية أو الدولة الزبائنية وبين شروط المواطنية إلى حد يمكن معه القول بأن برهان غليون قد كاد يضطجع بمفرده بجميع أعباء التخصص الجراحي في تشريح جثة النظام السياسي العربي، على أن مسار برهان غليون الفكري الذي جعل منه أحد أبرز المفكرين في مجال النقد الجذري للعطالة السياسية العربية قد بدأ كأصل لما تكون البدايات الواعدة أصالة في بيئة شعبية سورية نشّأته على قيم حب المعرفة والإقبال الواعي والحر على المصير.

جذور المعرفة الأولى

برهان غليون- أستاذ علم الاجتماع السياسي- ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بفرنسا: أنا بأعتقد أنه مدين بقسط كبير من تكويني بالضبط للتربية العائلية للجو العائلي اللي كان موجود، يعني أنا منحدر من عائلة ليست غنية ماليا أو يعني بالعكس أوضاعها بسيطة إنما غنية كثيراً من الناحية الفكرية والخيالية يعني أنا أتذكر مثلا أول شخص أتذكره يمكن اليوم اللي هي ستي.. جدتي اللي كانت اللي عمرت 115 عام وكانت تعرف الإمبراطورية التركية بهذا الوقت وكانت زارت تركيا وحافظة تقريبا قصص لألف ليلة وليلة جميعا إذا ما أكثر منا ويعني أتذكر هذه الروايات المستمرة اللي كانت تروي لنا إياها واللي كانت مؤثرة فعلا وهي كانت بطلة على كل حال من الناس اللي ناضلوا لتحرير سوريا وأخذت جوائز وفقدت ناس من أخواتها فكانت شخصية أسطورية يعني هي نفسها كانت شخصية أسطورية، أتذكر أيضا والدي كان شخصية استثنائية بأمرين أولا كونه متدين وورع جدا وبنفس الوقت اللي نسميهم اليوم اللبرالي يعني ما عنده أي.. ما يحاول بأي شكل من الأشكال أنه يضغط كان على أولاده ولا يجبرهم على عمل شيء بما في ذلك ما يتعلق بالدين كان يقول ببساطة أنا هنا لفترة طويلة أنصحكم لكن أنتم اللي ستتحملون المسؤولية على عملكم، والدتي كانت يعني أيضا عندها نوع من اللي نسميه يعني السكينة والهدوء..

مالك التريكي[مقاطعاً]: الطمأنينة..

برهان غليون [متابعاً]: والطمأنينة والعطف الحقيقي يعني خلق جو كثير غني وبالنسبة لطفل، بالحقيقة أنه اللي بتذكره من الفترة أتذكر فترة غنى خيالي كثير وفترة تربية مبنية على مبدأين لليوم أنا أعتقد أنه مازالوا صالحين للتربية هو فكرة الاحترام المتبادل الاحترام للطفل الصغير حتى اللي عمره سنتين وثلاثة كنا نشعر بأن نحن محترمين وحطوا فينا هذا الشعور إن نحن محترمين وهكذا يصير يحترم الواحد غيره ويصير يتعامل مع الآخرين فعلاً على مستوى نوع من العلاقات السلمية وبنفس الوقت التفاعلية وتبادلية وتواصل، المبدأ الثاني اللي اليوم أنا أقول له كمان وأطبقه على أولادي هو مبدأ المسؤولية يعني وهذا كان والدي كثير بالرغم من أنه هو إنسان لم يتعلم كان يتيماً ولم يتعلم لكن كان دائماً يذاكر للأولاد ويأخذهم لمواقف لكي يقوموا بمسؤولياتهم مبدأ المسؤولية يعني أنت اللي تعمل أنت اللي لازم تفكر بمستقبلك أنت اللي لازم تقرر شو تعمل أنت قادر إنك تعمل أنت.. كان هو يشتغل أحياناً بالتجارة وبعدين اشتغل طبعاً بالخيول الخيول الأصيلة يعني الخيول العربية وكان هاوي للخيول ومحترف أيضاً من أحد يعني الفرسان المشهورين بالمدينة، فكان ونحن صغار عمرنا يمكن أربع سنين وخمس سنين يحطنا على الحصان اللي كان الناس تخاف منه طبعاً ويقول ما في أي مشكلة إنه واثق إنه ما فيه ما سيكون أي مشكلة أنا نفسي كنت أركب الخيل بالسبع سنين يعني كنت آخذ حصان أصيل وأطلع وما كان عنده أي شعور ما كان يشعرنا إن نحن غير قادريين ولا غير كفء أنه نعمل أي شيء يخطر على بالنا وبأعتقد إنه كان لهذا التفكير لهذا النمط من التربية تأثير كبير علينا في المستقبل على جميع أبنائه إضافة إلى التمسك ومحبة هائلة بقضية العلم بمسألة العلم والتعليم هو حُرم عنده كان شعور عن هو حُرِم لأسباب خارجة عن طاقته من التعليم فكان كل استمارة الحقيقي..

مالك التريكي: بتعليم أبنائه..

برهان غليون: بأبنائه بالتعليم وتشجيع على التعليم بس تشجيع مش مثلما يعملوا اليوم بالهدايا والإفساد وإنما بالعكس يعني بتأكيد المسؤولية وبتأكيد أهمية..

مالك التريكي: قيمة المعرفة..

برهان غليون: قيمة المعرفة فيبقى بأتصور إن هذه القيم الأساسية اللي كانت يعني ذات تأثير كبير على تكويني على الأقل بالفترة الأولى يعني أنا طلعت من فترة.. من هذه الفترة فترة الطفولة أفهم إنه ممكن يكون فيه دين وممكن يكون فيه تسامح وممكن يكون فيه فقر وممكن يكون فيه غنى كبير أيضاً فكري وخيالي ورمزي إضافة إنه نحن يعني دائماً كانوا يذكروا إنه العلاقة مع الجماعة علاقة الأسرة مع الأهل الآخرين وأيضاً الانتماء.. نحن عندنا يعتقدوا إنهم منحدرين من الطائيين من قبيلة طائي الشهيرة فأيضاً قيمة الكرم كانت متمثلة يعني والدي كان الآن تذكرت فاتح من هاديك الفترة ونحن أطفال صغار منزول يسموه يعني مضافي من أجل تكريس قيمة الكرم إنه هو ابن هذه القبيلة اللي كانت مشهورة بالكرم واللي يستقبلوا الناس في البيوت ويستقبلوا الناس في المضيفة فتعلمنا من البداية على هذا التعامل يعني الكريم إذا شئت..

مالك التريكي: مكارم الأخلاق..

برهان غليون: مع الناس ومع المجتمع اللي كون يعني كان طبقة أولى من هذا التكوين الشعوري خليني أقول أنا اللي كان مهم جداً أعتقد إن أنا مدين كثير لهذه التربية مدين كثير للست لجدتي ولأبي ولأمي يعني بأحييهم بهذه المناسبة.

مالك التريكي: بالنسبة للقراءات الأولى لابد أن القراءات الأولى كان لها دور في توجيهك توجيه معين نحو اختيارك الأكاديمي فيما بعد؟

برهان غليون: أنا بدأت بالحقيقة يعني هذه فترة الطفولة كانت فتره هدوء وتمعن وسكينة كما قلت لكن فترة المراهقة كانت فترة شوي مضطربة يعني مضطربة بمعنى ثورية عندي شعور كثير ثقة بالذات وعندي شعور بأنه لازم أقوم بدور ما لازم أعمل شيء فنحن بدأنا كشباب صغار بأول الإعدادية نقرض نقرأ الشعر وأنا قرأت بالحقيقة بدأنا بالشعر الحديث تمرداً أيضاً لكن قرأنا المعلقات وكل الشعر القديم كنا نفكر إن هذا ضروري لاكتساب الطاقة الشعرية لكن موقفنا كان مع الشعر الحديث طبعاً بدر شاكر السياب نازك الملائكة كلهم عبد الصبور كل الشعراء الحديثين..

مالك التريكي: البياتي..

برهان غليون: أدونيس طبعاً ويوسف الخال والبياتي وكلهم كنا يعني كان غذاؤنا خلال فترة المراهقة الأولى والإعدادية، هذه الفترة كتبت شعر ونشرت في بعض الصحافة السورية بعض القصائد أيضاً يعني يمكن بسن 12 13 14 عم نحكي، بعدين صار عندي فترة بالعكس انتقلت من الشعر كما لو إنه صار عندي شعور إنه محدودة إمكانية الشعر إنه يقدم لك قدرة على التواصل مع المجتمع اللي هو حاجة أخرى فدخلت بدورة يعني فكرية كثير متأثرة بالصوفية وصرت أقرأ كثير لمتصوفة العرب والمسلمين والإيرانيين لكن تأثرت بشكل رئيسي بالحقيقة بشخصيتين شخصية ابن العربي وشخصية الحلاج والكتاب اللي كان عمله ماسينيون الشهير عن مأساة الحلاج كانت تؤثر فينا كثير لكن الفلسفة الصوفية اللي أكثر شيء انطبعت بذاكرتي هي فلسفة ابن العربي لأنة فيها كثير إنسانية فيها كثير نزعة إنسانية وتوحيد بين كل القيم السامية المرتبطة بالدين الإسلامي وبالله إلى آخره مع الإنسان نفسه ودفع الإنسان إلى أن يكون إنسان كامل فكرة الإنسان الكامل كانت فكرة طبعا مهمة جدا أنا أعتقد بهذه الفلسفة والناس اللي ما يحسوا بأهمية التراث أتصور أنا مفيد كثير يرجعوا أنه يشوفوا الفكر الصوفي فكر غني جدا لكن إذا فُهِم كتأمل في حقيقة الإنسان وليس كتصوف يعني كهروب من الالتزامات ومن الواقع لكن الفكر الصوفي الكلاسيكي العربي كان يعني له تأثير كبير ولا يزال بنظري أحد الموارد الرئيسية لفكري أحد.. ما عاد أقرأ كثير اليوم التصوف لكن لازلت..

مالك التريكي: باقي مورد لتغذيتك الفكرية..

برهان غليون: تماماً.



[فاصل إعلاني]

من الصوفية إلى الفلسفة.. ثقافة التمرد

مالك التريكي: هل كان الانتقال من الاهتمام بالصوفية إلى الاهتمام بالفلسفة انتقال طبيعي طبعاً؟

"
الصوفية نقلتني بشكل طبيعي إلى الفلسفة والفلسفة الغربية بشكل خاص لأن التراث الصوفي واسع جدا ويصعب على الفرد أن يستمر فيه
"
برهان غليون: الصوفية نقلتني بشكل طبيعي إلى الفلسفة والفلسفة الغربية بشكل خاص لأنه في النهاية التراث الصوفي طبعا هو واسع جدا لكن صعب أن الواحد يستمر فيه ويخدمه بحاجة بعد فترة محددة يعرف كل مفاهيمه والموضوعات الرئيسية ويعيشه يعني إذا لم يرد يصير صوفي هو نفسه يخرج يعمق تجربته طبعا يريد يتنقل أنا باعتقادي إجباري يريد يتنقل نحو الفلسفة اللي بتفتح آفاق أوسع بكثير لفهم مش فقط التجربة الخاصة بالإنسان وعلاقاته مع الكون وعلاقته مع ربه إنما الفلسفة بتفتح آفاق أخرى لفهم ما يجرى في العالم والسياسي والاقتصاد والأخلاق..

مالك التريكي [مقاطعاً]: المسائل الكلية..

برهان غليون [متابعاً]: والمسائل الكلية فانتقلت بشكل طبيعي بالحياة مضبوط للفلسفة وكنت مهتم كثير تقريبا قرأت كل ما كان مترجم، نحن كان عندنا بسوريا مشكلة أنه خاص أنا راح أحكي في فترة ما زلنا في المراهقة كان عندنا مشكلة اللغات الأجنبية لغات ضعيفة فكنا نعتمد على..

مالك التريكي: الترجمات..

برهان غليون: الترجمات العربية ولم تكن كلها يعنى..

مالك التريكي: المستوى المطلوب..

برهان غليون: مفهومة تماما ففي فترة بدأت أفكر أن لازم اخرج لبره وقت اللي صرت أشعر أن ما أقرأه باللغة العربية لم يعد كافي حتى تستمر في تكوين رؤية واضحة للمشكلات اللي عم تطرحها الفلسفة واللي عم تنطرح بالكتب اللي نقرأها..

مالك التريكي: ما هي القراءات التي انطبعت في ذهنك ولا تزال لها موقع خاص القراءات الفلسفية في ذلك الوقت؟

برهان غليون: يعني من الكتب اللي قرأناها أول شيء في هذه الفترة كنا نقرأ كل.. وكان فيه ترجمة كبيرة لكتب الوجودية سارتر وكل وألبير كامي وكل الفلاسفة الوجوديين بما فيهم كيركغارد وإلى آخره يعني كل ما تُرجم في هذا الميدان كنا نقرأه ونتلقفه ولكن إلى جانب ذلك أنا من الناس اللي لا زالت تتذكر كثير ارتباط فيهم يعني بأشعر بارتباط فيهم وبالكتب اللي قرأت عنهم باللغة العربية قرأنا نيتشه هكذا تكلم زرادشت بترجمة جميلة جداً بعدها قرأتها بالفرنسية لكن الترجمة العربية فعلاً ترجمة جميلة جداً.

مالك التركي: هو الغريب أنك ذكرت أنك هكذا تكلم زرادشت كان له هذا الكتاب بالضبط ليس نيتشه بصفة عامة لكن كتاب نيتشه هكذا تكلم زرادشت كان له دور كبير على المثقفين العرب منذ فتره أدباء المهجر ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران يثنون على هذا الكتاب ثناءً كبيراً حسب رأيك لماذا له هذه الأهمية؟

برهان غليون: أنا أعتقد أن أنه الآن وقت الفكر بهذه الفترة أعتقد أنه هو يعني بعمقه كتاب تمردي يعني تمرد على الأخلاق التقليدية تمرد على الإنسان على الشرط العادي للإنسان طموح لا..

مالك التركي: تجاوز..

برهان غليون: تجاوز التجاوز ونحن قرأناه على كل حال أعتقد أن جيلنا قرأناه قرأ نيتشه كما قرأ الوجوديين أيضاً وسارتر وكامي بوصفهم دليل لتجربة التمرد على مجتمع كنا نظن أنه تقليدي جامد طبعاً..

مالك التركي: مجتمع اتفاق الأخلاق..

برهان غليون: تماماً فكنا نحن شباب صغار طموحنا أنه نطلع من مجتمع يشكل قفص لأنه ما عم يتحرك هو عم يتحرك لكن إحنا شعورنا كان أنه ما عم يتحرك وعايش خارج التاريخ فيه شعور كان أنه عايش خارج التاريخ أفكار الناس وقيمهم وتقاليدهم وسلوكهم، الآن شو اللي خلانا نشعر أنه ما كنا نقرأ فقط الفلسفة يعني أنا عم بتذكر عم تذكرني كنا نقرأ الروايات كلها وأنا أعتقد هذا أثر كثير ويؤثر اليوم في تكوين أي فرد عربي أنت تقرأ الأدب الأوروبي والأدب الأميركي فوكنر وغيره إلى آخره وهمنغواي مش بهذه الأيام هم اللي سائدين ويترجم كل كتبهم كنت تعيش عالم هذا كان يدفعنا لنعيش في عالم آخر أيضاً يعني نحن أنا أقول لهم نحن ما جئنا على الغرب من عالم شرقي لعالم غربي ما نعرفه نحن جئنا على غرب نعرفه ربما أكثر من الشرق يعني أجيالنا جاءت على الغرب عايشته بمخيلته قبل ما تشوفه على أرض الواقع ذلك ما أحد يشعر أنه غريب وقت ما بييجي بالعكس يشعر حاله ببلده فهذا كمان جزء من المشاكل التناقضات التي بتعيشها الثقافة العرب ويعيشها الفرد العربي المثقف اللي يدخل بباب الثقافة وينفتح على ثقافة العصر، فأنا أعتقد أنه بين الروايات وبين المفكرين إلى قرأناهم من نيتشه شوبنهاور شبنغلر بهذه الأيام بتذكر كانط كان مترجم له عدة كتب عدة كتب لكون ميتافيزيقا الأخلاق متذكر أن الكتب أن الكتب اللي كنا نقرأها يعني العقل المحض نقد العقل نقل العقل المحض أيضاً ترجموا إلى العربية..

مالك التركي: نقد العقل ونقد العقل العملي..

برهان غليون: طبعاً هذه الأوقات يرجع الواحد للتفكير بيشوفوا شو كان الواحد مشوش لأنه كان يقرأ من هنا ومن هونا..

مالك التركي: من كل الاتجاهات..

برهان غليون: وبدون ضبط علمي يعني ما فيه أساتذة كبار يوجهك ويخليك تعرف شو معنى شو الفرق بين فلان وفلان فكنا نشوفها كلها كفلسفة ونأخذ طبعاً ما يتفق مع ميولنا كشباب متمردين لكن مضمون قراءاتنا كان أعتقد وترجمتنا للقراءات كان أهم شئ تأويلنا لما نقرأه وأنه إعادة بناء التمرد على المجتمع وإعادة بناء المجتمع على أسس أخرى ما في شك أن الشاب العربي يولد عم أحكي بالستينات وعنده شعور دلوقتي أنه يتعلم يدخل في الثقافة أنه فيه فارق كبير بين مجتمعاتنا بين العالم وبين الزمن وبين العصر وتعقده كثير مشكلته أنه كيف بأيدينا نصير بقلب العصر وبأعتقد أنه لليوم إحنا ما نعمل شيء ثاني أنا نفسي على كل حال حتى وأن ندرس المجتمعات العربية اليوم لا نفعل شيء آخر كيف نضع مجتمعاتنا في قلب العصر بين ما هي تبدو وكأنها..

مالك التركي: خارج العصر..

برهان غليون: على هامشه أو خارجه أو عم تتخبط للالتحاق بالعصر.

مالك التركي: الاقتضاء الفكري والأخلاقي هو اقتضاء إرادة الفعل على المستوى الفردي وعلي المستوي الاجتماعي والتلمس الطريق بأي وسيلة كانت في قراءات متجهة اتجاه غير منظم؟

برهان غليون: تماماً وهذا اللي نقلنا أيضاً نفس الفكرة اللي عم أقولها هي حب التمرد والتغيير والتمرد ليس يعني التمرد لم نكن عدميين بالحقيقة كنا متمردين لكن اتجاه إيجابي في اتجاه التغيير والتصحيح والتحديث إذا شئنا نريد مجتمع نريد إنسان مثلما كنا نشوف بالروايات اللي نقرأها الغربية عنده شخصية عنده شعور بالمسؤولية..

مالك التركي: إيجابي..

برهان غليون: آخذ مسؤولية على نفسه إلي آخره على عاتقه قادر أنه يفعل مقابل الكسل والجمود والتسليم والطمأنينة الفارغة إلى آخره وهذا اللي يوجهنا بعدين وأنا أعتقد أنه بهذه الفترة توجهنا نحو الماركسية، الماركسية بدت لنا في اكتشافنا للماركسية بعد ما قرأنا المؤلفات اللي هي فيها نوع من الحديث عن الغربي اكتشفنا الماركسية اكتشاف كما لو أنه اكتشاف للنظرية المثلى في للتمرد على المجتمع وتغيير المجتمع يعني هي النموذج الأمثل أولا في تحليل يبدو علمي وكان يسمى علمي طبعا لكن له كل الصفات العلمية لمشاكل المجتمعات الراهنة ولا ينطبق فقط وله طابع كوني لا ينطبق على المجتمعات العربية بالعكس ينطبق على كل العالم لأنه العالم كله بحاجة للتغيير وإنه شروط التغيير موجودة ولكن الإنسان أيضا لازم يستثمر هو نفسه بمسؤوليته الخاصة وبنضاله الخاص وبشغله الخاص وبجهده الخاص حتى يحصل التغيير، فالماركسية بدت لنا في ذلك الوقت كأنها يعني دين الخلاص من التخلف إذا شئنا وبدأت تتبلور عندنا أفكار التخلف طبعا وإنه نحن مجتمعات متخلفة كنا نقرأ كل الأدبيات اللي كانت تطلع بها الموضوع، هذا الجو اللي انتقلنا فيه من الثانوية إذا شئت إلى الجامعة اللي أنا درست بالجامعة الفلسفة وكان في بجامعة دمشق قسم اسمه الفلسفة والعلوم الاجتماعية دمجوا الفلسفة والعلوم الاجتماعية وكان عندنا أساتذة يعني محترمين قسم منهم كان محترم وأيضا يعني مع طلابهم كانوا إيجابيين يعني يبنوا علاقات إيجابية يعني أتذكر منهم لازم نذكرهم بالخير يعني أنطون مقدسي..

مالك التريكي: توفي أخيرا..

برهان غليون: وكان يعني من الناس اللي.. وأنا بأعتقد إنه أهم أستاذ فلسفة غربية كان موجود ويوناني كان علّم في جامعة دمشق حتى معرفتي أنا على كل حال وكان فيه بديع الكسم كمان كان أستاذ درسنا هيغل وبعض الفلسفة الغربية وكان فيه اليافي.. عبد الكريم اليافي اللي لا زال أظن حي يرزق يستحق إذا صارت فرصة إنه تعمل معه أيضا لقاء، فكان عندنا مجموعة من الأساتذة فعلا وآخرين كان عندنا مجموعة من الأساتذة حببونا أيضا بالفلسفة بشكل آخر لأنه كانوا محترمين وأشعرونا بأنه بأهمية إنه الواحد ينخرط في هذا الميدان، كانت تجربة على كل حال بالنسبة لي أنا القسم لكن أيضا اكتشفت بقسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية إذا بدك الاهتمامات الاجتماعية يعني اللي أنا بقيت الحقيقة بين الفلسفة وعلم الاجتماع.

مالك التريكي: وهذا كان.. هذه النقطة التي كنت أريد الوصول إليها هو الانتقال من الفلسفة كحقل العام إلى التخصص في مجال علم الاجتماع وبالضبط تخصص داخل التخصص هو علم الاجتماع السياسي لابد أنه كان يلبي حاجة مركبة في وجدانك هي فهم الأمور الكلية لكن مع ضرورة الفعل الاجتماعي؟

برهان غليون: يعني بأعتقد اللي نقلنا هو طبعا ميول أساسية إنه مثل ما قلت فكرة التغيير مرتبطة بفكرة العمل داخل المجتمع وعلى المجتمع يعني مش فلسفة فقط فيه مرتبطة تفكير وعمل وأنا بأعتقد إن الماركسية أعطتنا مفتاح كثير لها الشيء..

مالك التريكي: تفكير وتغيير..

برهان غليون: إنه جملة ماركس الشهيرة كانت مؤثرة إن الفلاسفة لم يعملوا حتى الآن على فهم العالم والمطلوب تغييره وكانت مؤثرة هذه الجملة وبأعتقد إنه مهمة..

مالك التريكي: من أهم مقولات الفلسفة طبعا..

برهان غليون: وإن تغييره يفترض التفكير طبعا لكن التفكير بدون أفق التغيير يظل تفكير تأملي نظري فهذا الماركسية هي اللي نقلتنا لعلم الاجتماع ولعلم الاجتماع السياسي طبعا بدأنا بتلك الفترة إنه هو مرتبط جدا بتغيير السلطة لأن الفكرة الماركسية في هذا الوقت مع التوسير ومع غيره ومع كل الفلاسفة الجدد كانت مرتبطة بفكر السلطة والتسلط والنظام والسيطرة ونظام السيطرة وغرامشي أيضا اللي تعلمنا منه أفكار أساسية فكنا نشوف إنه التحول الاجتماعي مرتبط أول شيء بمن يملك السلطة وهذه المقولة المثلى..

مالك التريكي: الممثلة للإنتاج..

برهان غليون: من يحكم من يسيطر الطبقة الحاكمة والمسيطرة والنظم الاجتماعية طبعا وأنا وقت جئت إلى هنا اخترت أيضا من أجل.. عندما قدمت إلى فرنسا يعني سجلت مع واحد أحد الأساتذة نيكوس بولنزاس اللي كان عم يشتغل بشكل أساسي بموضوع السلطة والقوى الاجتماعية ونظرية الدولة فكل هذا.. وكان نجم صاعد نيكوس بولنزاس بتلك الفترة..

مالك التريكي: بفترة من الفترات كان نجم بالمعنى الصحيح..

برهان غليون: أهم نجم كان بموضوع الرؤية الماركسية الجديدة أو المتجددة شبه البنيوية الديناميكية أنا برأيي مهمة، فهذا الشيء كله وجهنا يعني نحو أن ندرس المجتمعات لكن ندرسها أيضا نركز خلال دراستنا للمجتمعات على مسائل السياسة ومسائل السلطة والدولة والقوى الاجتماعية والفاعلين الاجتماعيين طبعا يعني هذه تأثيرات بأتصور ماركسية غرامشي، بولنزاس وناس آخرين اشتغلوا على هذا الموضوع.