- الفلسفة العربية.. بداية وغاية يونان وألمان
- الذهاب لابن تيمية في فلسفة النظر والعمل

- فلسفة ابن خلدون وفكر ابن تيمية



مالك التريكي: تحددت المعالم الأساسية للمسار الفكري لأبي يعرب المرزوقي من خلال الانشغال بالفلسفتين اليونانية القديمة والألمانية الحديثة في علاقاتهما بالفلسفة العربية الوسيطة. وكان مبعث هذا الانشغال الحيرة من التناقض بين الفلسفة العربية التي تُعرف نفسها في إطار الاتصال مع الفلسفة اليونانية وبين الفلسفة الألمانية التي تُعرف نفسها في إطار القطيعة مع الفلسفة العربية، ذلك أن المرزوقي يرى أن من شروط استئناف الفكر الفلسفي العربي في العصر الحاضر تجاوز اعتراضات الفلسفة الألمانية التي تلخصها القراءة الهيغلية القائلة بأن العرب لم يضيفوا شيئا إلى تاريخ الفكر الفلسفي.

الفلسفة العربية.. بداية وغاية يونان وألمان

أبو يعرب المرزوقي: منطلقي كان هيغل، يعني أول دراساتي الفلسفية الغربية هي الفلسفة الألمانية ولكن دون أن أكون في ذلك الوقت قادرا على قراءة النصوص مباشرة كنت أقرأها في الترجمات الفرنسية كل ما كان متوفر من نصوص هيغل بالفرنسية اقتنيته وقرأته وصرت شبه مختص في فكر هيغل. ولكن تبين لي من خلال كتابات هيغل الأساسية الأربع، فلسفة الدين، فلسفة التاريخ، تاريخ الفلسفة وفلسفة الفن أن الفلسفة الألمانية تعرف نفسها بنوع من القطيعة مع الفلسفة العربية، متفقين؟ والفلسفة العربية تعرف نفسها بنوع من الاتصال مع الفلسفة اليونانية فكان هناك تعجب كيف فلسفة تعرف نفسها بنوع من الاتصال وفلسفة تعرف نفسها بنوع مع القطيعة والعودة إلى الفلسفة التي كانت الفلسفة العربية المرتبطة بها، متفقين؟ فصارت البداية والغاية يعني بداية الفلسفة العربية ونهاية الفلسفة العربية كلتاهما مشكلة يعني لا أستطيع أن أفهم الفلسفة العربية بدون الفلسفة اليونانية ولا أستطيع أن أفهم شروط استئناف الفكر الفلسفي العربي بدون تجاوز الاعتراضات التي قالتها الفلسفة الألمانية، تعلم أن هيغل قال العرب لم يضيفوا شيئا في الفلسفة نقدوا ولكن ليس هناك ما يمكن أن يعتبر إضافة فلسفية تُنسب إلى العرب.

مالك التريكي: وهو رأي سائد إلى الآن في الدوائر الغربية.

"
لا أستطيع فهم الفلسفة العربية بدون الفلسفة اليونانية، ولا أستطيع فهم شروط استئناف الفكر الفلسفي العربي بدون تجاوز الاعتراضات التي قالتها الفلسفة الألمانية
"
أبو يعرب المرزوقي: نعم يعني صارت مشكلة وفي نفس الوقت الغزالي نفسه كأنه يعترف بأن العلوم الدينية الإسلامية ماتت وعليه أن يحييها، إذاً كيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟ لا أستطيع أن أفهم الفلسفة العربية بدون الفلسفة اليونانية ولا أستطيع أن أتقدم في فلسفة عربية إذا قبلت اعتراضات الفلسفة الألمانية على الفلسفة العربية، فيصبح هل أقضي حياتي في الردود على الفلسفة الألمانية أنا لا أحب هذا، إذاً لابد أن أبحث عن فلسفة في تاريخ الفلسفة تلغي القراءة الهيغلية لتاريخ الفلسفة بدءا من اليونان وختما بالألمان وهذا هو الذي جعلني أجمع بين الفلسفة العربية بداية وغاية يونان ألمان.

مالك التريكي: في هذا الإطار كان اهتمامك بالخصومة أو المعركة الرُشدية الغزالية بعد الانغماس مباشرة في هيغل.

أبو يعرب المرزوقي: نعم في هذا الإطار لأن هذه الخصومة هي خصومة تغلبت قراءة ماكس بلوخ وقراءة الفرنسي الذي كتب عن الرُشدية اللاتينية..

مالك التريكي: ارنستو رينو.

أبو يعرب المرزوقي: ارنستو رينو، تغلبت على أن ممثل الفلسفة العربية والإسلامية هو ابن رشد وأن البقية ليسوا فلاسفة وإلى آخره، فإذا كان ابن رشد هو ممثل الفلسفة العربية وابن رشد لا يمثل الفلسفة إلا من حيث هو شارح للفلسفة اليونانية إذاً في الحقيقة هو لا يمثل شيء، لا يمثل شيء متفقين؟

مالك التريكي: ربما يكون ذلك مأتى إعجاب الغربيين به.

أبو يعرب المرزوقي: بالضبط هو في الحقيقة هو سوء تفاهم لأنه لو قرؤوا ابن رشد لوجدوا أن كل ما قاله ابن رشد في تهافت التهافت هو تكرار لما قاله الغزالي ولكن يقول له إنما اعتراضاتك على الفلسفة ليس على الفلسفة اليونانية ولكن على ما أضافه أبن رشد والفارابي من الكلام الإسلامي إلى الفلسفة اليونانية، فأنت إذا لم تعترض على الفلسفة وإنما اعترضت على إفساد الفلسفة اليونانية من قبل الفارابي وابن رشد، فصار السؤال هل الفكر الفلسفي الإسلامي يمكن أن يوجد في محل آخر غير الشروح التي عوملت على الفلسفة اليونانية؟ هنا قابلت بين تجربتين معرفتين تجربة أولى كان عليها أن تُنتج من عدم أدوات فهم الوجود والنص القرآني وهي العلوم التي تسمى علوم الملة وهناك تجربة ثانية كان عليها أن تستوعب الحلول اليونانية لقضية المعرفة، إذاً هناك تجربتان تجربة استيعاب الموجود وتجربة إبداع المعدوم، فأيهما أكثر ثمرة في إنتاج فكر فلسفي قادر على محاورة الفكر اليوناني المبدع يعني أفلاطون وأرسطو، هنا جاء لابد من البحث في مَن ناقش تأسيس علوم الطبيعة وتأسيس علوم التاريخ؟ فكان في الحالتين الغزالي، في الحالة الأولى هو مفهوم السببية وفي الحالة الثانية هو مفهوم الحرية..

مالك التريكي [مقاطعاً]: يعني هذا النقض الميتافيزقي والنقض السياسي؟

أبو يعرب المرزوقي [متابعاً]: النقض الميتافيزقي والنقض الميتاتاريخي ما بعد التاريخ، يعني هو خصص كتاب تهافت الفلاسفة لنقض الـ (Metaphysic) الذي يعتبرها أفسدت العلم والدين في نفس الوقت الميتافيزيقا أفسدت العلم لأن أعطته طموحات مستحيلة وأفسدت الدين لأنها اعتبرت فرضيات الميتافيزيقيا حقائق بديلة من الحقائق الدينية، في نفس الوقت الباطنية أفسدت معناه أفسدت السياسة.. استعملت السياسة لتُفسد العمل ولتُفسد الدين السياسة صارت أخذت محل الدين صارت تتزى بزي الدين وأصبح الإيمان يدعي أن آراءه السياسية معرفة ملهمة وحقائق لا تقبل النقاش ويصبح السياسي يعتمد على الوصية وعلى العصمة شبه ولاية الفقيه، فالغزالي كتب كتاب لكي يدحض الفسّادين..

مالك التريكي: في فضائح الباطنية وفي تهافت الفلاسفة..

أبو يعرب المرزوقي: في فضائح باطنية وفي تهافت الفلاسفة فصار هو كأنه يدعو إلى إعادة تأسيس الفكر النظري في الميتافيزيقا والفكر العملي في فضائح الباطنية.

الذهاب لابن تيمية في فلسفة النظر والعمل



مالك التريكي: بعد هذا أتيت إلى ابن تيميه وبقيت فيما أسميه في الموقف النشاز يعني بعد أرسطو وبعد الغزالي أتيت لابن تيميه الذي يعتبر بإجماع شبه مطلق أنه مفكر رجعي..

أبو يعرب المرزوقي: نعم.

مالك التريكي: وليس مفكر يدعو إلى الحرية.

"
لا أحد من الذين أتوا بعد الغزالي كفلاسفة قابل لأن يكون مؤسسا لميتافيزيقا بديلة بميتافيزيقا أرسطو. الوحيد الذي وجدته سعى إلى بناء ميتافيزيقا بديلة من ميتافيزيقا أرسطو كان ابن تيمية
"
أبو يعرب المرزوقي: نعم أرجو ألا يطبق علي هذا المعيار فأصبح مثله رجعيا، في الحقيقة ذهابي إلى ابن تيميه لم يكن في البداية في حسابي في حسباني، كان في حسباني بعد الغزالي أن أنظر كيف وقعت إعادة تأسيس فلسفة النظر وفلسفة العمل فلم أجد في كل الذين كتبوا بالاسم المعروف فلسفيا، يعني فيلسوف، كل الذين أتوا بعد الغزالي كفلاسفة ليس أحد منهم قابل لأن يكون مؤسس لميتافيزيقا بديلة بميتافيزيقا أرسطو، الوحيد الذي وجدته سعى إلى بنا ميتافيزيقا بديلة من ميتافيزيقا أرسطو كان ابن تيميه، فكيف سأدخل ابن تيميه في مشروع فلسفي أو في أطروحة فلسفية موضوعها منزلة الكل في الفلسفة العربية، يعني إعادة تأسيس فلسفة النظر وفلسفة العمل، علما بأن كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي هو عالج ثلاث موضوعات من ميتافيزيقا فقط الرابع الموضوع الرابع لم يعالج عالج الأنتولوجي الخاصة بالإنسان والأنتولوجي الخاصة بالعالم والأنتولوجي الخاصة بالله وهذا من الثلاثة التي سماهم (كلمة بلغة أجنبية) أو الأنتولوجيا الخاصة ولم يتحدث في الأنتولوجيا العامة، الأنتولوجيا العامة لم يبحث فيها، بحث فيها ابن سينا قبله في كتابه الإلهيات لكن هو لم يبحث فيها، هو لم يبحث فيها لأنه لم يكن يعتبرها قابلة حتى للكلام فيها عقليا اعتبرها إيديولوجيا وليست فلسفة لم يبحث فيها، كل ما كان منها اللي له علاقة بالأنتولوجيات الخاصة نظرية الإنسان ونظرية العالم ونظرية الله أو بالمنطق درسها إما في هذه الأنتولوجيات الخاصة أو في المنطق. وفيما بعد جاء المربع الذي يمكن أن نقول هو المربع الذي يعمل (Restoration) استعاد الميتافيزيقا الأرسطية والميتافيزيقا الأفلاطونية إلى منزلتها قبل الغزالي، في القرن الثاني عشر كله موجود يعني الشهرة وردي المكتوم وابن رشد والرازي وابن عربي، هؤلاء أعادوا من جديد استئناف الفكر اليوناني كما تصوره بحسب الوثائق الموجودة نوع من (Restoration) كيف أقول يعني من إعادة البناء.

مالك التريكي: يعني من إعادة البناء.

أبو يعرب المرزوقي: إعادة بناء للفكر اليوناني القديم أنه كل ما حدث سابقا قبل ذلك كان سوء فهم للفلسفة اليونانية، فالشهرة وردي سوء فهم الفلسفة الأفلاطونية إعادة أفلاطون، ابن رشد سوء فهم للفلسفة الأرسطية إعادة أرسطو، ابن عربي سوء فهم للتجربة الصوفية في علاقتها بالفلسفة إعادة تجربة صوفية فلسفية أو إن شئنا التصوف الفلسفي، بناء نظري نسقي والرازي إعادة بناء علم الكلام على أسس أفلاطونية وسيناوية فانغلق الأفق من جديد كل ما فتحه الغزالي من نوافذ لإعادة البناء انتهى. فهذا الأفق المنغلق أزال نظرية النظر ونظرية العمل، يعني العمل لم يصبح ممكن لأن إطلاق الضرورة الطبيعية على التاريخ تحول إلى نوع من الجبرية في التاريخ، لما تقرأ فلسفة التصوف الفلسفي يقول بوحدة الوجود يعني يصبح فِعل الإنسان عديم المعنى لا فاعل إلا الله وهذا الفاعل مشيئته الكونية مثل مشيئته الأمرية يعني لا فرق بين الأخلاق وعلم الطبيعة، مشكلة إعادة التأسيس بدأت مع ابن تيمية وابن خلدون ابن تيمية أراد أن يحرر المشيئة الأمرية أو الفعل الخلقي من الضرورة الفعل الخلقي..

مالك التريكي: الحر.

أبو يعرب المرزوقي: حر والإنسان يفعل التاريخ، هناك علاقة بين ما بعد والتاريخ ولكن فاعل التاريخ بالأساس هو الإنسان وهو السؤال الذي سيجيب عنه فيما بعد ابن خلدون كيف يفعل الإنسان التاريخ؟ كيف يفعل الإنسان؟ بالنسبة لابن تيمية لابد من إصلاح العقيدة وفلسفة النظر، إذاً لابد من التحرر من ميتافيزيقا الضرورة، ميتافيزيقا الجوهر والاستعاضة عنها بميتافيزيقا جديدة تزيل الفرق بين المقومات الذاتية للموجودات والأعراض، يعني كل ما ندركه من الموجودات أعراض ونحن نختار من بين الأعراض ما نعتبره علامات مميزة للأشياء فنسميه ولذلك اخترت مفهوم الاسمية..

مالك التريكي: ولا علاقة لنا بالماهيات.

أبو يعرب المرزوقي: لا علاقة لنا بالماهيات..

مالك التريكي: وهم البحث عن جوهر الأشياء ليس..

أبو يعرب المرزوقي: مستحيل أولا مستحيل لا يعلمه إلا العلم المطلق وهو علم الله وهو الغيب مفهوم الغيب علم الإنسان علم يتعلق بتسمية الأشياء من خلال علاماتها ولكي ينظمها ولكي يستطيع أن يتعامل معها والأمثلة التي أضربها هي أساسا أمثلة إما من الطب أو من اللسانيات أو من الفقه كلها وظيفتها نوع من الـ (كلمة بلغة أجنبية) نوع من نظرية الرموز العامة نظرية..

مالك التريكي: العلامات..

أبو يعرب المرزوقي: العلامات العامة ومن ثم فالمنطق لأرسطو يسقط والميتافيزيقا الأرسطية تسقط ولابد من بناء ميتافيزيقا جديدة ومنطق جديد..

مالك التريكي: على هذا الأساس سميت هذا بالاسمية.

أبو يعرب المرزوقي: نعم.

[فاصل إعلاني]

فلسفة ابن خلدون وفكر ابن تيمية



مالك التريكي: ما هو وجه الاسمية في فلسفة ابن خلدون وفي إصلاحه للعقل العملي؟

"
الجمع بين القوة المشروعة والتربية التحررية هو صورة العمران، أما مادة العمران فهي الثقافة التحررية والاقتصاد التحرري
"
أبو يعرب المرزوقي: بالنسبة ما يقوله ابن تيمية على الجواهر والماهيات يقوله ابن خلدون على القيم والتقويمات، يعني العمل ينبني على قيم هل القيم حقائق متعالية في التاريخ أم هي ثمرة فعل الإنسان في التاريخ وتطوره في التاريخ؟ فتصبح القيم هي في الحقيقة صراع القوى في المجتمع، حصيلة صراع القوة في المجتمع هو الذي يحدد القيم ولكن حصيلة الصراع فيها شيء من التطور يسمو بها إلى أن ما يسميه ابن خلدون التطابق بين قيم الوجود وقيم الدين وهو مفهوم الفطرة، فيصبح الدين الطبيعي والدين المُنزِّل متطابقين هناك تطابق، يعني قوانين التاريخ لها شيء من التدرج والتسامي إلى أن تصبح هي نوع ما تحقيق قيم الدينية العدل، المساواة، حرية الإنسان ولذلك هو وضع نظرية صورة العمران، نظرية صورة العمران هي كيف نربي الإنسان لكي يكون قادرا على أن يكون صادقا في عمله بحيث لا يخشى إلا الله لأنه جزء من السلطة التشريعية، هو يُشرّع وكيف تكون الدولة بحيث لا تكون ناتجة عن العصبية وإنما عن القوة الشرعية، القوة ذات الشرعية مش الشرعية بمعنى الدين التي لها شرعية يعني المشروعة، الجمع بين القوة المشروعة والتربية التحررية هو صورة العمران أما مادة العمران فهي الثقافة التحررية والاقتصاد التحرري، يعني ليس يحق للدولة أن تتدخل في الاقتصاد وهو أول من وضع نظرية استقلال العملة على السلطة التنفيذية، أول من وضع هذه النظرية ينبغي أن تكون العملة مستقلة عن السلطة التنفيذية لكي لا تتلاعب بقيمتها لأن الأعواض تقع بالعملة، الأعواض في التبادل هناك الأعواض والعملة تقدِّر الأعواض، فلو تلاعبت الدولة بالعملة فهي ستظلم الجميع، ثم يحرم على الدولة التدخل في الاقتصاد وفي التجارة لابد من احترام حرية الملكية وهنا يعود إلى نظرية المقاصد وهو أن المقاصد تعني عندما نقول العقل مقصد الأول العقل لا يعني به العقل من حيث هو قوة بيولوجية عضوية لا العقل يعني حرية استعمال العقل وعندما نقول المال لا يعني به الملكية يعني أنت لك حق في أن تملك لا حرية التصرف في الملكية، لا يحق للسلطان أن يفتك لك ملكيتك لأنها هي شرط القدرة، العقل هو شرط التكليف والملكية هي شرط القدرة وعندما نقول العِرض لا يعني به العِرض بمعنى العلاقة بالجنس لا هو يعني به كرامة الإنسان. وعندما نقول الدين لا يعني به أن تفرض عليك الدولة عقيدتك أن تطبق الآية 256 من البقرة {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يعني لابد أن يكون ذلك، هذه المعاني كلها جعلت ابن خلدون يعتبر أن إصلاح الفكر مبني على إصلاح العمل يعني لا يمكن لأمة أن تبدع فكرية إذا كانت في العمل لا تتوفر لها شروط العمل الحر الفِعل الحر للإنسان، في حين أن ابن تيمية يعكس لا يمكن للأمة أن يكون لها هذه الشروط في الحرية إذا كانت عقيدتها تقول بالجبرية إذاً لابد من تغيير نظرة.. العقيدة ولابد من تغيير مفهوم الضرورة في فعل الإنسان، فعل الإنسان لا يخضع للضرورة وإنما يخضع للحرية ومن هنا تأتي ثورته على وحدة الوجود في التصوف لكن بهذا المعنى..

مالك التريكي: طيب..

أبو يعرب المرزوقي: إذا سمحت لا يمكن أن يتهم ابن تيمية بالرجعية ابن تيمية الذي يُتهم بالرجعية هو استعماله الفقهي الذي لم يفهم، عندنا ابن تيمية قد ألغى كل المذاهب الفقيه، ابن تيمية بالنسبة إلي كل المذاهب الفكرية إذا استعملتها كمذاهب هذا تقليد ويتنافى مع الحرية هو عودة إلى المصدريين الأساسيين السُنة والكتاب معا هما مصدر واحد، المصدر الثاني هو إجماع الأمة وإجماع الأمة ينبغي أن يُفهم بالنسبة إلى ابن تيمية ليس على أنه اتباع الحاصل من الأفعال وإنما اتباع فعل السن الذي يحقق الإجماع، أي إن الأمة عندما تُربى تربية دينية راشدة تصبح قادرة على التشريع الذي يخضع لقيم القرآن بدون أن يكون من الضرورة أن يكون في تشريعها نص معين على أخلاق القرآن هذا طبعا لم يستعمل من ابن تيمية.

مالك التريكي: يعني فعل الإجماع وليس نتيجته بالضرورة كتراكم تاريخي؟

أبو يعرب المرزوقي: نعم فعل الإجماع، فعل الإجماع من شروطه أن يكون الأفراد أحرار حتى يكون الإجماع ذا معنى وإلا فإن الإجماع سيصبح إخضاع وليس إجماع، إجماع المؤمنين الأحرار هو شرط عصمة الأمة وهو الذي يشرع حتى عندما يقبل التشريع السماوي فهو قد شرع لقبوله تشريعا.

مالك التريكي: طُلب إليك أن تلخص فكر ابن تيميه طبعا هذا لا يمكن لكن لو طلب إليك أن تختار عبارة تكون أكثر دلالة من غيرها على فكره ماذا تكون؟ بالاعتبار أنك قبل زمن طويل طُلب إليك ذلك عن ابن خلدون وقلت عبارة السياسة العقلية في فكر ابن خلدون هي ربما أكثر دلالة على فكره بالنسبة لابن تيميه ماذا تقول؟

أبو يعرب المرزوقي: أظن يمكن قياسا على هذه الجملة السياسة العقلية هو العمل الخُلُقي، يعني ابن تيميه يعتبر فعلا حرفيا الإسلام رسالة كونية وظيفتها الشهادة على العالمين بمعنى جعل الفعل مستند إلى الاعتقاد الحر المبني على التبين العقلي من المعاني القرآنية بتفسير يكاد يكون بنيويا للقرآن من حيث هو وحده وليس لآيات معزولة بعضها عن البعض. وهنا أتى بنظرية فورية في نظرية اللسان وهو أنه في اللسان لا وجود للمقابلة بين حقيقة ومجاز، كل اللسان يمكن إما أن يعتبر حقيقة أو أن يعتبر مجاز أي إنه يحدد المعاني بالاستعمال، الاستعمال هو الذي يحدد معنى اللغة ولا يمكن أن نميز بين ما هو مجازي وحقيقي فتسقط كل التأويلات التي أدت إلى المذاهب والاقتتال بين المذاهب تصبح كلها محتملة لأن كل المعاني التي كانت مستعملة بحسب قوانين اللغة العربية مقصودة في القرآن.

مالك التريكي: أليس في هذا نوع، ربما تستغرب سؤالي هنا، أليس في هذا نوع من القرب إذا أردنا أن ننتقل تاريخيا بضعة قرون من البراغماتية المعروفة في الفلسفة الأميركية والإنجليزية؟

أبو يعرب المرزوقي: هو قرب من البراغماتية من حيث توجه الفكر ولكن من حيث الأسس لا يختلف لأن البراغماتية تعتبر أن لا وجود للحقيقة وإنما هناك وجود لوجود لنظريات ناجحة..

مالك التريكي: ناجعة؟

أبو يعرب المرزوقي: ناجحة وناجعة ابن تيميه يعتقد أن هناك حقيقة، لكن اللغة التي تُعبر عن الحقيقة لا نستطيع أن نصفها بكونها حقيقة أو مجاز لماذا؟ لأنه يرفض المقابلة بين الذات والعرضي لما كنت تقول بالذات والعرضي يصبح الذاتي تقوله لغة عندما تتكلم عن الحقيقة والعرضي يقوله المجاز لكن هو رفض هذه المقابلة فينتج عن ذلك نظرية جديدة في اللغة قريبة جدا من النظريات اللغوية الحديثة وهو أن اللغة لا تفيد إلا بالاستعمال وكل معانيها مجازية إن شئنا مجازية لأنها هي تسمية للعلامات وليست قولا للحقائق.