- التنوير الديني والتنوير العقلي
- البحث في العلاقة بين الإسلام والشعر المطلق


مالك التريكي: يَعد أبو يعرب المرزوقي ابن تيمية وابن خلدون أكثر حداثة من جُل المفكرين العرب المعاصرين لأن كليهما شخّص أزمة الأمة العربية والإسلامية في اجتماع دربين من الاستبداد، استبداد الدولة الذي قتل فعاليات المجتمع المدني واستبداد المجتمع الذي قتل فعاليات المجتمع السياسي، إذ يتبين من قراءة المرزوقي لهاذين المفكرين أن عمل ابن تيمية هو محاولة نسقية لفهم شروط استبداد المجتمع وشروط التحرر منها ولهذا سعى لتأسيس التنوير الديني بهدف تحرير إرادة الفعل الحر عند المسلم الذي سار مستسلما للأقدار، كما أن عمل ابن خلدون هو محاولة نسقية لفهم شروط استبداد الدولة وشروط التحرر منها ولهذا سعى لتأسيس التنوير العقلي واضع نظرية العقد السياسي العقلي بهدف تحرير إرادة التشريع التي هي فرض عين عند المسلمين.



التنوير الديني والتنوير العقلي

أبو يعرب المرزوقي- دكتور في الفلسفة: هذا النص الذي أشرت إليه هو في الحقيقة جواب عن التشخيص الذي قام به الغزالي لأسباب موت العلوم الدينية، بماذا أراد أن يُحيي العلوم الدينية؟ أراد أن يُحيي العلوم الدينية بمضمون وجداني هو التصوف وطريقة وبمضمون عقلاني هو الفلسفة ومنهج، الطريقة وظيفتها أن تدرس كيفيات علاقة الذات العارفة بفعل المعرفة وهي من ثم أخلاق المعرفة، في حين أن المنهج هو علاقة فعل المعرفة بموضوع المعرفة وما هي من ثم تقنية المعرفة، إذاً هو أراد أن يصلح تقنية المعرفة بالفلسفة وأخلاق المعرفة بالتصوف، هذا الذي وصفه الغزالي باعتباره العلاج للأزمة التي شخصها تشخيصا مفهوميا وتصوريا تحول عند ابن تيمية وابن خلدون إلى دراسة أسباب قتل الدين، أسباب قتل الدين هو قتل الفعل الحر وهو الإيمان بوحدة الوجود وبالجبرية وكان يمثلها ليس التصوف وإنما التصوف الفلسفي لأن ابن تيمية كان متصوفا وهو ينتسب إلى فرقة صوفية، بل إن التصوف الفلسفي أتى من تأويل غير دقيق لكتاب مدارج السالكين الذي ألفه أحد أكبر شيوخ الحنبلية، بحيث إن التصوف من حيث هو تصوف ليس هو مقصود ابن تيمية في تهمة الجبرية وإنما التصوف الذي يقول بوحدة الوجود والذي يعتبر فعل الإنسان مجرد مظهر (Shine) مجرد وهم وأن الفعل الحقيقي للتاريخ هو فعل من يمثل الله والذي تنحصر فيه الخلافة وهو السلطة، السلطان.

يعني مفهوم الخلافة الذي كان وصفا للإنسان من حيث هو إنسان الله استخلف أبناء آدم، حوله التصوف الوجودي إلى ظل الله الذي هو الخليفة بالمعنى السياسي فصار ظل الله هو الذي يُشرع وليس خليفة الله الذين هم البشر، إذاً هذه الثورة هي التي تجعل المجتمع في ممارسته الصوفية للتصوف الوجودي، تصوف وحدة الوجود، صار ضد حرية المؤمن، ضد إمكانية أن يكون المؤمن فعلا فاعلا في التاريخ، ففسدت مادة العمران المجتمع مادة العمران، الفعل في التاريخ هو مادة العمران، في الإنتاج الاقتصادي، في المعاملات الاقتصادية فكثر الغش والكذب والزيف وإلى آخره. وبالنسبة إلى ابن خلدون الجزء الثاني وهو ليس استعمال التصوف وإنما استعمال الفلسفة، ما الذي أفسد فلسفة السياسة في الحضارة العربية حسب ابن خلدون؟ خصص لذلك فصل سماه فصل البحث في فلسفة التاريخ ونظرية التصوف والتشيُّع للإمامة وهو أن الإمام صار معصوما وله علم لَدُوني وهو الذي يُشرع، في حين أنه يقول الإمامة هي من اختيار الأمة وليست لا لدونية ولا عصمة أمة، هذا التصور جعل السلطان أو الخليفة عندما يكون جامعا بين السلطتين لأنه وقع فصل بين الخليفة ممثلا للسلطة الروحية والسلطان ممثلا للسلطة التنفيذية وللقوة السياسية السلطان يصبح له الحق في أن يَفْتّك الأرزاق، في أن يسجن الناس، في أن يتاجر، في أن يُزيف العملة إلا آخره لكي يستجيب لنزواته بدلا من أن تكون صورة الدولة وسيلة من وسائل تنوية مادة العمران تصبح هي التي تفسده فيتوقف الإنتاج الاقتصادي ويتوقف الإنتاج الرمزي والإنتاج الفكري فينهار العمران ويقول هذا من علامات فساد العمران، حتى إنه أتى بنظرية تكاد تكون شبيهة بهروب عوامل الإنتاج يقول في العمران عندما يستبد السلطان بافتكاك الأرزاق من لهم ثروات يهاجرون، يأخذون ثرواتهم ويهاجرون، تهريب رؤوس الأموال تهريب وسائل الإنتاج أو التوقف عن الإنتاج.

مالك التريكي: هذا يشبه نوعا ما ولو أن الأمر ليس له علاقة مباشرة ما يُذكر الآن عن أن كثرة الضرائب في البلدان الغربية تؤدي برؤوس الأموال والثروات إلى الهروب.

أبو يعرب المرزوقي: هو خصص أيضا فصلا لهذا هو يقول كلما كثرت الضرائب قل الأمل فتوقف الإنتاج ولذلك هو لا يعترف إلا بالزكاة يرفض الضرائب، يعتبر الضرائب مغارم، ليس للدولة حق أخذ المغارم ليس لها إلا حق جمع الزكاة وتصريفها في وجوهها..

مالك التريكي: بداءة إن لم أقل بداهة يبدو الاعتماد في مراجعة الفلسفة العربية، في مراجعة الفكر الفلسفي العربي بصفة عامة، بالانطلاق مما وصل إليه ابن تيمية وابن خلدون يبدو إنه نكوصا إلى الماضي لا يؤسس إلى فعل مستقبلي للنهوض، ما هي علاقة الفلسفتين بأزمة حضارية نجابهها الآن؟

أبو يعرب المرزوقي: هو هذا الاعتراض كثيرا ما أُجابه به والغريب أن الذين يجابهونني بهذا الاعتراض يعلمون أنه ما من نهضة فلسفية عندنا أو عند الغرب إلا وبدأت بالعودة إلى الأصول لإعادة فهمها وتأويلها، هم يدركون أن مثلا الفلسفة الغربية لم تُستأنف إلا بالعودة اليونان ثم بالعودة إلى ما قبل سقراط، ثم يعني.. حتى المثالية الألمانية التي هي آخر أشكال الفلسفة النسقية كانت بالعودة إلى مدرسة أفلوطين وإلى الفلسفة الهيلينستية فكيف يُعقل أن يعتبر ذلك عودة تصويرية لبناء المستقبل استنادا إلى تأويل الماضي ولما نعود إلى ابن خلدون وابن تيمية وهما من القرن الرابع عشر وليس من القرن الرابع قبل الميلاد أو السادس قبل الميلاد، الرابع عشر بعد الميلاد، لماذا يسمى ذلك نكوصا؟ خاصة إذا كان وصف الرجلين للواقع العربي والإسلامي وتشخيصهما لأجواء المجتمع العربي والإسلامي مطابقا للأجواء الذي مازلنا نعاني منها، فنحن مازلنا نعاني من استبداد الدولة على العمران ومن استبداد المجتمع على العمران ومن فساد صورة العمران ومن فساد مادة العمران ومن ضرورة الإصلاح التربوي وليس هناك من دعا بصورة صريحة ونسقية إلى الإصلاح التربوي المبني على التحررية التعليمية والمنهجية والبيداغوجية أفضل مما فعل ابن خلدون في الباب السادس من مقدمة ابن خلدون، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نُحرَم مما عندنا من زاد ونسمي ذلك نكوصا في حين أننا إلى يوم الناس هذا لم نجد من وصف الواقع العربي والإسلامي وصفا علميا. والدليل أن الوصفين السائدين هما إما الوصف الوضعي وقد ضربت مثالين لما تحدثت عن الحيرتين يعني التحليل البورقيبي الواقع الإسلامي والواقع العربي هو النظرية الوضعية وهو أن كل الماضي إما ميتافيزيقي أو ديني وكلاهما انتهيا وأتى الحالة الوضعية وهي الحالة التي ينبغي أن تُفرض ولو بالقوة وهو التحديث المستبد، أما إذا أخذنا جمال عبد الناصر فهي نظرية ماركسية للدين يعني دوره التاريخي انتهى ولا يستعمله إلا الرجعي في خدمة الإمبريالية فهو الدين كأفيون وليس الدين كتنوير لتحرير البشر بحيث إن كل محاولات وصف الواقع العربي الإسلامي باستيراد نظريات جاهزة يشبه استيراد السيارات، يشبه استيراد البضاعة وليس علاجا للواقع العربي الإسلامي كما فهم نفسه، كيف هو فهم نفسه؟ كيف حلل معطياته مؤثراته ومقوماته؟ هذا الأول يقول لك إذا أردنا أن نصلح فعلينا أن نتحرر من الميتافيزيقا ومن تصوُّف وحدة الوجود لأن كلتا الفلسفتين تؤدي إلى نفي حرية الإنسان من حيث هو فاعل للتاريخ، فهل هناك تنوير ديني أكثر من هذا والثاني يقول لك إذا أردنا أن نحرر المجتمع العربي الإسلامي فعلينا أن نحرره من استبداد الدولة ومن استبداد التربية الاستبداد استبدادان لأن صورة الدولة مؤلفة صورة العمران هي الدولة والتربية، النظام التربوي والنظام السياسي، إذا أصلحنا النظام السياسي والنظام التربوي يصبح العمران مبدَعا وأنا شخصيا لم أرَ وصفا أكثر صلوحية بإصلاح أوضاعنا من هذين الوصفين.

مالك التريكي: ولهذا تقول إن ابن خلدون ابن تيمية أكثر حداثة من كثير من المفكرين؟

أبو يعرب المرزوقي: هذا رأي طبعا.

مالك التريكي: وهذا يذكرني بقول الشاعر المجال مختلف ولكن القول الشهير للشاعر محمود درويش يقول إن المتنبي أكثر حداثة من كل الشعراء المعاصرين.

أبو يعرب المرزوقي: أنت تريد أن تجلبني إلى الكلام..

مالك التريكي: طبعا لك اهتمام أصيل بالشعر.

أبو يعرب المرزوقي: بمناسبة المتنبي والشعر العربي أنا ربما لم تطلع على محاولة حول كتاب الخيال الشعري لأبي القاسم الشابي أبي القاسم الشابي كاتب.

مالك التريكي: مشهور.

أبو يعرب المرزوقي: مشهور هذا الكتاب.

مالك التريكي: وكان هو في الأساس محاضرة ألقاها في..

أبو يعرب المرزوقي: محاضرة ألقاها وهي نقض للشعر العربي انطلاقا مما فهم هو من الرومانسية، الفهم الرومانسي للشعر. طبعا أبو القاسم الشابي رحمه الله لم يكن على دراية بعلاقة الفكر الرومانسي بالشعر العربي الذي ينقده هو يعني لم يكن مطّلع على هذه الأمور..

مالك التريكي: لأنه لم يكن حتى يعرف الفرنسية كان يقرأ مترجما يعني.

أبو يعرب المرزوقي: لكن هذه هي كتابات ألمانية بالأساس، علاقة غوته بالشعر العربي وعلاقة الرومانسية التي من مستوى رومانسية غوته بالشعر العربي، لم يكن مطلع عليها وما قاله هاينر على مفهوم الربط بين القيم السامية والتاريخ والدنيا في الإسلام باعتبارهما الفكرتين الأساسيتين اللتين أثرتا في نظرية الفن عند غوته هذا لم يكن مطلع عليه ولكن اطلاعنا عليه لا يعني أن محاولة أبي القاسم الشابي عديمة المعنى لأنها كانت في نفس الوقت نوع من التحرر مما غلب على الشعر العربي من مادية، أي الاهتمام بالمادية التي أُخذت على معناها الحرفي وليست كرموز كما أصبح فيما بعد في الشعر الصوفي، يعني مادية الشعر العربي استُعملت في الشعر الصوفي لتعبر عن رموز وليست عن جسد المرأة لم يعد جسد المرأة وإنما يشير إلى رموز أخرى.



[فاصل إعلاني]

البحث في العلاقة بين الإسلام والشعر المطلق

مالك التريكي: لك كتاب في الشعر المطلق والإعجاز القرآني استأنفت فيه محاولة بدأها ابن سينا ولم يُكملها.

"
هناك علاقة بين القول بالشعر المطلق أي إدراك معاني الوجود بصورة مطلقة والقول بالدين المطلق أو الكلي من حيث انتساب كلا القولين إلى الفطرة
"
أبو يعرب المرزوقي: نعم تعرف أن كل الفلاسفة العرب شرحوا وخاصة الكبار شرحوا كتاب الشعر لأرسطو وشرحوه شروح كان الشرح الأول للفارابي شرح موجز جدا لا يتجاوز صفحتين تقريبا، أطول شرح كان لابن سينا شرح طويل، ثم أكثر شرح تطبيقا على الشرح العربي كان لابن رشد يعني هذه الشروح الأساسية الثلاث، لكن ابن سينا في شرحه لكتاب الشعر لأرسطو قال قولة حيرتني أنا سأشرح هذا الكتاب ولكن أنبه القارئ إلى أن هذا الكتاب لا يتكلم في الشعر إطلاقا وإنما في الشعر اليوناني في شكل الشعر من خلال التجربة الشعرية اليونانية وعندنا الشعر من خلال التجربة العربية وأنا أريد أن أكتب ابن سينا، أن أكتب كتابا في الشعر المطلق شعر الكلي المطلق هذا هو سر في اختيار هذا العنوان الشعر المطلق، يعني ماذا يمكن أن يكون الشعر إذا لم يكن غالبا عليه نسبته إلى ثقافة بعينها؟ هل يمكن أن نقول إن هناك شعرا مطلقا وكليا؟ هذا هو السؤال، يعني بالنسبة إلى أي مسلم إذا نسى هذه الإمكانية لا يمكن أن يُسلِّم بأنه يمكن أن يوجد دين كلي وبأن هذا الدين الكلي مبني على الفطرة، فأصبحت هناك علاقة بين القول بالشعر المطلق أي إدراك معاني الوجود بصورة مطلقة والقول بالدين المطلق أو الكلي من حيث انتساب كلا القولين إلى الفطرة، فكيف يمكن أن تكون الفطرة منبعا للشعر المطلق وللدين المطلق؟ وليس من الصدفة أن القرآن قد اعتبر معجزا من حيث هو إبداع رمزي قبل أن يكون معجزا من حيث هو إبداع ديني يعني كعمل فني..

مالك التريكي: كظاهرة أسلوبية.

أبو يعرب المرزوقي: كظاهرة أسلوبية فحاولت أن أبحث في هذه القضية وهذا ما تطلب دراسة على البلاغة العربية وعلاقتها بالتفسير أولا وبنقد الشعر، فالكتاب إذاً هو بالأساس عودة إلى هيغل لنقد فهمه للشعر ومحاولة تطبيقه على الشعر الإسلامي.

مالك التريكي: لهذا علاقة بتصورك لدور الفن ومركزية الفن في الإسلام وفي التصور الإسلامي للحياة لأنك تعتبر إخراج الفن من الإسلام مثلما هو السائد عند كثير من الفقهاء وبكل بساطة إخراج للإسلام من الحياة وتقوم بذلك في صفحات جميلة ومبدعة جدا انطلاقا من تفسير لآيات في سورة يوسف ولآيات في سورة الشعراء.

أبو يعرب المرزوقي: نعم ولكن الحديث عن إخراج الفن من الإسلام هو إخراج للإسلام من الحياة، بالإضافة إلى علاقته بقضية الشعر صار له علاقة باتساع الأمة الإسلامية، اليوم الأمة الإسلامية حوالي 8% منها ناطقين بالعربية والبقية لا ينطقون العربية.

مالك التريكي: 8% فقط.

أبو يعرب المرزوقي: فقط والبقية يتكلمون لغات إما أوروبية أو لغات شرقية مثل المالاوية أو الهندية أو الفارسية.

مالك التريكي: الأردية.

أبو يعرب المرزوقي: الأردية والفارسية، فكيف يمكن أن نوصل إلى هذه الأمم خصوصيات الإبداع الإسلامي إذا صار التواصل مقصورا على تعبير اللسان، يعني التصوف عالج هذه القضية لما أدخل تعبير ربما بحركات الجسد وهذا يشترك فيه جميع البشر، لكن هذا لا يكفي، لا يمكن أن تبقى الفنون جميع الفنون بأنواعها.. ويمكن أن أتحدث فيها إذا كان لنا متسع من الوقت أن تبقى من المُدنَّس في حين أن وظيفة الفن ووظيفة الدين في حياة الإنسان متصاحبة دائما، وظيفتان متصاحبتان، كلاهما يبحث عن الحكمة في الوجود وعن المعنى في الوجود ولكن أحدهما يرى الوجه الإيجابي من الحكمة من حيث هي حاضرة والثاني يحتج على عدم كمالها في الوجود، الفن هو احتجاج على ما يراه من نقائص في الوجود، فلا كأنه يبحث في شروط العدل الإلهي والدين اعتراف بالجميل بالعدل الإلهي فيصبح الفن هو السبيل إلى الوصول إلى هذا الاعتراف، يعني نوع من الثورة الموصلة إلى الاعتراف، فكيف نخرج هذه الفنون باعتبارها المُعبِّر الحقيقي عن التجربة الوجودية من حيث هي توجه وسعي إلى المتعالي إلى الجليل كيف نخرجها من المُدنَّس وتصبح أما نستوردها ونراها في الخفاء باعتبارها من المحرمات أو نستغني عنها ونرجع حياة المسلمين إلى الجفاف المطلق وهنا أعود إلى أسباب موت العلوم الدينية عند الغزالي هما الفقه وعلم الكلام، ما الذي قتل العلوم الإسلامية عندما صارت محصورة في الفقه وفي علم الكلام؟ علم الكلام قتل العلوم الدينية لما حولها إلى دفاع إيديولوجي عن المذهب والفقه لما حولها إلى اهتمام بعمل الجوارح دون عمل القلوب وعمل القلوب لا يكون إلا بالأخلاق وبالفن، أما الآن في سورة سيدنا يوسف وفي سورة الشعراء، فإن هاتين السورتين وخاصة صورة الشعراء لا ينبغي أن يفهم منها ما فهم من طرد الشعراء في جمهورية أفلاطون، القرآن لا يطرد الشعراء وإنما يريد من التجربة الشعرية أن تكون صادقة بحيث يتطابق القول والفعل لأن الأمر الوحيد الذي عِيب عليهم أنهم يقولون ما لا يفعلون، فإذا فعلوا ما قالوا أو قالوا ما فعلوا صارت التجربة الشعرية صادقة فإذا صارت صادقة صارت عين التجربة الوجودية التي هي دينية، فإذا أتينا الآن إلى سورة سيدنا يوسف فإننا نجد الآن تصنيف جميع القيم التي تتحكم في الوجود الإنسان فأولا هناك القيم التي هي لها علاقة بالجمال كل السورة تدور حول جمال يوسف وجمال زوجة الوزير..

مالك التريكي: العزيز.

أبو يعرب المرزوقي: العزيز كل السورة تدور حول قضية الرزق، يوسف الذي صار يُصرف الرزق بعدل، كل السورة تدور حول وظيفة العلم في تأويل الحُلم للتخطيط للمستقبل، وظيفة السلطة إن كانت ظالمة أو عادلة ثم ما الذي حال دون سيدنا يوسف والانحراف في هذه الوظائف الأربع الأولى هو أنه في كل لحظة ينتبه إلى القيم الوجودية، فصارت هناك قيم ذوقية الجمال وقيم رزقية الاقتصاد وقيم معرفية تأويل الأحلام وقيم عملية، سياسة الدولة بالعدل وقيم وجودية هي التي تعطي معنى لكل هذه القيم، بحيث إن سورة سيدنا يوسف هي التي حددت طبيعة انشغال الإنسان بالعالِم انشغالا هو الذي يجعل العالم ذا قيم دينية وهذا هو معنى العلمانية في أصلها، أي أن يكون العالَم مَسوسا بقيم سامية هي القيم الدينية، عندما تتحقق في العالِم، العالِم القيم الدينية تصبح سياسة، سياسة العالِم.

مالك التريكي: ولهذا توافق على إطلاق وصف الدين العلماني على الإسلام بمعنى أنه لا يفصل بين الدنيوي والأخروي ويعتبر الدنيا مطية إلى الآخرة في..

أبو يعرب المرزوقي: إذا أخذنا العلمانية بهذا المعنى.

مالك التريكي: بهذا المعنى.

أبو يعرب المرزوقي: يعني إذا لم نأخذها بالمعنى الفرنسي بوصفها مقابلة بين الكنيسة والدولة علما وأن الناس لم ينتبهوا إلى أن الدولة في الحقيقة افتكت وظائف الكنيسة التي هي الصحة والتعليم ومساعدة الفقراء بحيث إن الدولة الحديثة لم تفصل بين الدين والدولة وإنما فصلت بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة وأخذت وظائف الكنيسة.

مالك التريكي: في هذا الإطار وبما وصلنا إلى آخر لقائنا، أنت مقدم على عمل مشروع كبير ينضاف إلى الجهد، الجهد الكبير الدؤوب الذي تقوم به منذ زمن طويل هو محاولة تفسير القرآن تفسيرا فلسفيا، لقائل أن يقول تفاسير القرآن منذ قرون كثيرة وأصنافها متنوعة هل نحتاج إلى تفسير فلسفي للقرآن؟

أبو يعرب المرزوقي: إذا أخذنا مفهوم كلمة الفلسفة بالمعنى الذي ذكرته لك في كتاب الغزالي في الرد على الفلاسفة لا نحتاج إلى ذلك ولكن إذا أخذناها بالمعنى الذي أعطاه إياها الغزالي باعتبارها العلم الذي يدرك محدوديته ويعلم أن علمه إدراك للشاهد محدوديته هي الوعي بأن عدم الإدراك إدراك وبأنه يدرك أن كل شاهد وراءه غائب فإن القرآن يحتاج إلى تفسير فلسفي بهذا المعني، لماذا؟ لأن القرآن فُسر بالخبر وفُسر باللسان وفُسر بالتصوف وفُسرت بعض آياته بالفلسفة بالمعنى الذي رد عليه الغزالي ولكنه لم يُفسر بالمعنى الذي قصده الغزالي من إصلاح الفكر الفلسفي. وأطمح إن أراد الله ذلك أن أشرع في هذا العمل إذا تمكنت منه فسيكون مُنيَتي وغايتي الكبرى.