نحن لا ننهي الرواية، بل نتخلى عنها.. يجب في لحظة معينة أن أمتلك الشجاعة وأقول: سأتخلى عن هذه الرواية، وإلا فإنها لن تنتهي لأنني أظل أفكر فيها وفي شخصياتها وأحداثها.

واللحظة التي أمتلك فيها الشجاعة لأتخلى عنها لتنتقل من نطاقي إلى نطاق القارئ هي اللحظة التي أدفع فيها بالرواية إلى الناشر وأقول لم تعد ملكي، ولم يعد من حقي أن أتصرف في هذه الشخصيات.

تتابع الروائية العمانية جوخة الحارثي "لا أعرف متى اكتشفت أن الكلمات سحر وربما سحر أسود.. كنت صغيرة.. كنت أقول: شوق فأشتاق، أكتب: حب فأحب، أصرخ: الله فأؤمن.. كنت صغيرة وكان سحر الكلمات أعظم من أي سحر آخر.. حلمت في النوم واليقظة أني أطير، واكتشفت بعد سنوات كثيرة أن الكلمات -والكلمات فقط- تجعلني أطير".

تعتبر جوخة أن اللغة هي هذا السحر الأسود "يغيرني ويطيرني.. حين أكتب أطير، أخرج من العالم الذي يفعل بي ما يشاء، إلى عالم أفعل به ما أشاء".

عن نشأتها تقول "كنت محظوظة لنشأتي في عائلة أدبية وعلمية، فنشأت منذ الطفولة مع الأدب.. أسمع أمي وهي تخيط أو تطبخ تترنم بأبيات الخنساء والمتنبي ونزار قباني، وفي الظهيرة تقرأ كتاب الأغاني والعقد الفريد".

كما كان الجد شاعرا، تقول عنه "أعتبره آخر الشعراء الكلاسيكيين الكبار في عمان، وتوفي عام 1995 دون أن يجمع ديوانه، ففكرت في القيام بهذه المهمة التي لم تكن سهلة".

هذه النشأة ومجالس الجد وهي طفلة حيث يتردد ذكر الأدب والمسائل البلاغية والأدبية، أثرت في تكوين جوخة الحارثي، وجعلتها لا تتخيل العالم بدون أدب، ولا الواقع بدون خيال.

وترى أن العالم هو الكلمات.. تشكله الكلمات، على أن السرد ليس فقط كلمات، فهو أيضا بناء عالم سردي وابتناء هذا العالم وتأسيسه بما فيه من المكان والزمان، لنرى ماذا يفعل هذا الزامن وهذا المكان وهذه الأحداث بالإنسان، والكلمات هي التي تعطينا هذه القدرة وفيها قوة سحرية ونوع من السحر الذي نجد أنفسنا منجذبين إليه باستمرار.

حياة جوخة الحارثي مثل طائرة ورقية، ترفع رأسها تراقبها والهواء يطيرها بعيدا.. كانت تظن في البدء أن الخيط النحيل في يدها سيتحكم بالطائرة، لكن الطائرة الورقية منفلتة بعيدا عن قبضتها.. عن خيطها الواهي.. طائرة بعيدة ومحلقة.

تساءلت: لماذا يبدو البشر من حولها ممسكين بخيوط طائرات حياتهم الورقية؟ لماذا أُعطي كل إنسان خيط طائرته على الرغم من أن قبضات الناس متفاوتة في قوتها؟ قبضتها هي على الأقل جرحها الخيط الرهيف لطائرة حياتها الورقية.. فأفلتته.