أغمض عينيه عن شواردها فأبصر بها جمرة يمنية تجول في حرائقه كما تريد.. إنه الشاعر اليمني الراحل عبد الله البردوني.

فرغم فقده البصر في سن مبكرة فإن البردوني استطاع من خلال قصائده أن ينقل الواقعين اليمني والعربي بجوانبهما الحالكة والمضيئة، حيث تخطت شهرته حدود اليمن ليصبح أحد أكبر الشعراء العرب في القرن العشرين.

ولد البردوني في قرية "بردون" بمحافظة ذمار عام 1929، وأصيب بالجدري وهو في الخامسة من عمره حتى أفقده الوباء بصره كليا، لكن هذا لم يحل دون نبوغه الشعري الذي جعله من أبرز الشعراء والأدباء في العالم العربي منذ سبعينيات القرن الماضي.

أطلق على البردوني لقب "الرائي المبصر"، فأشعاره تحكي الواقع بتجرد، كما لم تخلُ كلماته من نقد لاذع وسخرية مبكية من حال الطبقة السياسية في ذلك الوقت .

يقول الباحث بمركز الدراسات والبحوث اليمنية عبد الباري طاهر إن البردوني كان إنسانا متعددا ومتنوعا، معتبرا أنه كان على رأس قائمة الشعراء الكبار كالجواهري والبياتي وشوقي وحافظ إبراهيم، لكنه في نفس الوقت كان يمتاز عن كل هؤلاء بأنه كتب القصيدة الكلاسيكية بأفق آخر مغاير ومختلف؛ منفتح على العصر وثقافة الحداثة.

ويضيف أن البردوني كانت له بعض الخصومة المباشرة مع الحداثة، لكن من زاوية عمق القصائد في دواوينه الأخيرة، حيث يعتبر من أهم شعراء الحداثة، وقصيدته تحمل مضامين وأخيلة وصورا في غاية الحداثة والتطور والإبداع، ولذلك انتهت مسيرته وهو لا يزال في قمة الروعة في العلاقة الشعرية، وترك ثروة هائلة جدا من الشعر، كلها تعتبر من أرقى الشعر الذي وصل إليه الشعر العربي الحديث.

وعن موهبة البردوني يقول صديقه الشاعر اليمني عبد الإله القدسي إنها تشكلت على أساس أدبي، حيث قرأ لشوقي وحافظ إبراهيم، وكان يسمع كثيرا جدا عن الحضرمي، لكنه كان يختزل القصيدة ويحفظ كثيرا منها حتى وصل إلى ما وصل إليه.

خلال مسيرته الأدبية أصدر البردوني 12 ديوانا، ومن يسمع أشعاره التي كتبت قبل عشرات السنين يدرك أنه كان يتمتع ببصيرة ثاقبة تخطت الزمان والمكان، كأنه يصف حال اليوم.