لم يكن عبد الملك الزوم يعرف لماذا غادر اليمن، لكن رحلته التي أوصلته إلى باريس سرعان ما أدخلته إلى أدب الرحلة، ومن هنا بدأ يؤوب إلى اليمن.

فهناك يمن آخر ساكن في قصص الرحالة الفرنسيين الأوائل، يمن من أسطورة وأغنية وحنين هارب بين السطور، يمن كأنه يعرفه من داخله، كأنه يسمعه بقلبه، يمن ولكن لا يمن له.

يقول الزوم لحلقة الخميس (2017/4/20) من برنامج "المشاء" إنه بدأ تجربة البحث الأكاديمي في الرحلة، وتوصل إلى أن الرحلة ليست عملا أدبيا، لكنها عمل تاريخي وترجمي، يترجم حقيقة ما يراه الرحالة من لغة وثقافة وحضارة، ومزيج من الجغرافيا والسكان، إلى لغة وحضارة أخرى.

وعما كُتب عن اليمن في أدب الرحلات يقول "رأيت نظرة نقدية للمجتمع الذي أعيش فيه، واكتشفت أيضا الكثير من المحاسن، ورأيت في أدب الرحلة صورة صادقة أكثر مما يقدمه اليوم الإعلام المصور".

الاستشراق
وبشأن دراسته الاستشراق، يقول الزوم إنه عندما بدأ دراسة الاستشراق أعجب بهذا المجال، ورأى فيه الكثير من الأدب ودراسة الإنثروبولوجيا ودراسة علوم السكان والاجتماع.

ويضيف "قرأت العديد من رحلات الاستشراق في الوطن العربي وفي اليمن بشكل خاص، ووددت العمل منذ البداية على المستشرقين في الوطن العربي وفي اليمن تحديدا، لكن طُلب مني أن أعمل على منطقة شمال الجزيرة العربية، فتوجهت إلى العمل في بلاد الشام، وتبعتها أيضا في تلك الفترة بدراسات عن الجزيرة العربية بشكل عام".

وأشار الزوم إلى أن أهم الرحالة الذين عملوا في تلك المنطقة واستشرقوا في شمال شبه الجزيرة مروا باليمن، التي كانت عبارة عن محطة لهم، لما كانت تختزله من حضارات للشرق الأوسط بشكل عام والجزيرة العربية بشكل خاص، والقبائل اليمنية التي انتشرت في الجزيرة العربية.

أما عن الفارق بين الاستشراق وأدب الرحلات فيقول الزوم إن الرحالة يمكن أن يكون شاعرا أو تاجرا أو مستكشفا أو عالما أو مبعوثا دبلوماسيا، مشيرا إلى أن الرحلة في الوطن العربي والأدب العربي بدأت منذ القدم مع رحلة ابن جبير وابن فضلان، ولم تر تلك الصورة التي لدينا اليوم في الأدب العربي إلا في رحلات ابن بطوطة.

صورة نمطية
ويوضح أنه في القرون الوسطى كانت الرحلة عبارة عن رحلة لأوروبا، ثم بدأت تتسع قليلا إلى خارج نطاق أوروبا، وبعد القرن 14 ذهب الرحالة إلى مناطق الجزيرة العربية.

لكن كان هناك خوف من الذهاب للمنطقة العربية ارتبط بالأدبين الفرنسي والبريطاني، وما كان فيهما من أفكار دينية عن الصراع القائم على المذاهب والدين بين الشرق والغرب، وهو ما وضع حاجزا بين الثقافتين الأوروبية والعربية.

وعندما ذهب الرحالة الأوروبيون إلى الجزيرة العربية بدؤوا كمبعوثين للكنيسة آنذاك لاستكشاف ثقافة الآخر والدين الإسلامي، والتحقق من تلك الصورة النمطية التي بنوا عليها أدبهم، ثم بدأ هؤلاء الرحالة ترجمة العلوم العربية، وعند ذلك بدأ الغرب يهتم بهذه الثقافة والأدب.

الأطروحة الثانية للزوم تتحدث أساسا عن الترجمة، ترجمة الرحلة الأدبية بشكل عام، وفيها تناول الرحلة الأدبية إلى اليمن، وترجمة النوع الأدبي بشكل عام.

اعتمد الزوم في أطروحته على رحلة لكاتبتين فرنسيتين كانتا في رحلة إلى اليمن، وقدمتا جانبا آخر عن اليمن، هو الجانب المخفي، أي عالم النساء والطبخ والغناء والموسيقى.

يقول "اكتشفت من خلالهما أن ما قدمه الفن والتراث اليمني للكاتبتين شيء جديد، لا سيما أنهما استخدمتا المفردات اليمنية في بناء القصة والرحلة"، لكنه اكتشف أيضا العديد من الأخطاء في الترجمة.