بوَّب المؤرخ التونسي عبد الجليل التميمي حياته العلمية وباركها بالتدرج بين الخاص والعام، واكتشف منذ بداية عهده بالتاريخ أن الفرع متصل بالجذع وبالجذور.

طاب للقيروان وبغداد وإسطنبول وغرناطة أن تنسجم في عروقه على سجيتها، فجاب التاريخ على صهوة الثوابت، لا تهزه رياح النعرات ولا النكرات ولا النكران.

عندما ترجل في شوارع تونس مثقلا بالوثائق العثمانية والمورسكية المكتوبة، اكتشف أن التاريخ الحديث أشد تكتما واحتكارا وتزييفا، فانبرى يسائل الفاعلين الحقيقيين، ويعلمهم التردد على ورشته، وهو يضرب لهم المواعيد مع أعداء الأمس.

وها هو منذ سنوات يوّلد الحقيقة من قلوبهم ومن شفاههم، وهم يتصارحون ويتصافحون ويتصالحون.. ما أمكن لهم ذلك.

يقول التميمي عن إتاحته الفرص للفاعلين في تونس للشهادة على فترة حكم الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، إنها كانت مغامرة لكنها كانت مغامرة جميلة جدا، وتفاعل حقيقي على الحقيقة التاريخية.

ويعتبر أنه بهذه التجربة المغامرة قد عمل على "دمقرطة" الرأي العام "فهذه الشهادة إذا لم تكن حرة ومستقلة بلا أي ضغوط فلا قيمة لها، لذلك وفرت الإطار العملي لجمع هذه الشهادات".

ويضيف "دائما أطلب من ضيوفي وأبلغهم بأن هذا المنبر حر، وأقول لهم أرجو أن تتقبلوا كل الآراء دون تفاعل ودون رد فعل أو تشنج، واعتقد بأن الفائز الوحيد هو تاريخ تونس، وأتمنى أن تصل هذه التجربة إلى الرأي العام العربي".

ويتابع التميمي "عندما أدعو الأطراف المتقاطعة في ما بينها، خاصة في ظل آراء شخص مع شخص آخر، اعتقد بأنه شيء إيجابي جدا أن تكون المصالحة أساسا، والحوار بين كل الأطراف".

ويؤكد أنه إذا لم يكن هناك حوار واحترام للطرف الآخر في قناعاته وفي ثوابته وتحاليله، فلا يمكن أن تتحقق المصالحة، مشيرا إلى أن كثير من التونسيين غيروا رأيهم في الكثير من القضايا عن طريق الحوار.

لا ينسى التميمي جدله بين الخاص والعام، فيدعو من علياء وثائقه الشفهية إلى تعميم هذه التجربة في الدول العربية، ويقول للعرب "تعالوا إلى المجابهة بالمشافهة في تاريخكم الكثير من سلطان التزوير واحتكار الوثائق المكتوبة، فامنحوا المنبر لمن يستحقه".