بتصميم قلّما خالطه التردد، يعمل الموسيقار التونسي محمد القرفي على تعهد منجزه الإبداعي، وصوته الرافض. بين نوستالجيا منفلتة وتحفز منهجي.

فتح هذا الموسيقار مسلكا متعرجا نحو الكون، وبمهارة فاضت على الواقع، أشاع ضربا من الانجذاب إلى نفسه، ميسرا لمنتقديه أسباب الإجماع عليه.

استغرق القرفي في تعلم أصول الفن الأوركسترالي السيمفوني.. تعلم الأصول دون أن يسلم نفسه إلى أرثوذكسية النمط.

كيف يمكن الوصول إلى تجدير ثقافي للموسيقى السيمفونية؟ كيف يمكن مواجهة تيار الشعبوية الجارف حينا بسبب صحراء البدائل، والمبرمج أحيانا طبقا للمقتضيات السياسية؟ كيف يمكن تحويل الإبداع إلى موقف ضد الابتذال والضحالة والصمت؟ موقف ملتفت إلى الأمام.

وجد محمد القرفي نفسه في إحدى عربات قطار الأنتليجينسيا التونسية، الذي عبر الستينيات متحفزا، والسبعينيات متثاقلا، ثم دخل الثمانينيات مرهقا.. قبل أن يبلغ ارتباكات التسعينيات ورعبها، منتهيا براكبيه إلى محطة القرن الجديد.

أراد القرفي أن يفسر كيف أن الفاعل السياسي غالبا ما يبتلع الفاعل الثقافي، دون إدراك أنه ابتلع شيئا خطيرا.. هكذا نشأ المشروع الإبداعي للقرفي منذ بداية السبعينيات.

بلوغ تأسيس ثقافي لموسيقى السيمفونية، مجانبا عبر ذلك أيديولوجيا الوهم، تلك التي حرستها سنوات التكريس والتنميط المستظلة بالمشروع الوطني لما بعد الاستقلال، والمروجة للتونسة ولحصانة التقوقع، قبل أن تنتهي إلى فهمية الاهتراء.

مسير طويل على حافة القلق، وتكثيف بليغ لنوستالجيا ما.. ميزته الأسمى لدى البعض، وخطيئته البراقة لدى الآخرين، ترويضه لكبرياء "لا" في عصر "نعم".