انطلقت أولى رحلات "المشاء" في السودان من الشمال لتتناول أهم مبدع في تاريخ السودان الحديث وهو الأديب الطيب صالح. وللشمال حكاية مع الطيب في روايته العالمية "موسم الهجرة إلى الشمال".

وللشمال أيضا حكاية أخرى لازمته في نصوصه وهي قريته كرمكول. هذه القرية التي قال عنها "إنها تقع حيث ينحني النيل ويتجه شمالا".

سحر الطبيعة في كرمكول القديمة جعل منها عالما للرؤى يختزل كل قرى السودان الواقعة على النيل. واكتشافها هو اكتشاف للريف السوداني بامتياز وصمتها الصاخب وبقايا الدور على ضفة النيل، وتشكيلات النخيل المتبرج بخيلائه يوحي بأنها كانت قرية صاخبة ولم تصمت إلا في فيضان 1946 حيث تغير حالها ولكنها ظلت مكتظة في وجدان من عاش فيها وغادرها ومنهم الطيب صالح.

سودان يختزن قارة
في هذه الحلقة التي بثت الخميس (8/9/2016) سيكون المشاء سودانيا يقتفي شيئا منه في كل مرة لأن السودان متنوع يختزن ثقافة قارة بأكملها. ومشاء حلقة كرمكول هو الإعلامي السوداني خالد الفنوب الذي اصطحب إلى كرمكول الأديب والناقد السوداني مجدوب عيدروس رئيس جائزة الطيب صالح الدولية.

تركز الحوار أساسا على تفكيك عالم القرية وحضوره في العالم الروائي للطيب صالح، بدءا من البيت حيث كتب أول نصوصه، مرورا بشخوص الروايات والقصص في "عرس الزين" وفي "نخلة على الجدول" وأيضا "دومة ود حامد". و"ود حامد" هي الاسم الروائي لقرية كرمكول.

التقى المشاء أحد أقارب الطيب صالح وهو من بسطاء هذه القرية لكنه يعرف نصوص ابن قريته جيدا، لأنه يجد فيها أموات قريته أحياء. فكان يتحدث عن التاريخ والرواية معا. فحدثنا عن الفضل، الرجل المجدوب الذي ملأ القرية بصراخه، هو نفسه الزين في عرس الزين وود الرواسي وبنت البيه وبنت المجدوب.. وبقية الشخصيات كلها يعرفها عبد الرزاق ابن عائلة الطيب صالح ولم تته كثيرا عنه في نصوص صاحب "موسم الهجرة".

وكان هذا اللقاء الطريف مع عبد الرزاق مناسبة لطرح إشكالية الواقع والخيال، وعلاقة الطيب صالح بهذا العالم الذي لا يتجاوز في مساحته ميلا في ميل، ولكنه انتشر في النصوص حتى بلغ الآفاق.

عرس الزين
وحضور السينما -كتقنية مخترقة للكتابة السردية عند الطيب صالح- لم يكن خافيا على أهل السينما لذلك تم تحويل رواية "عرس الزين" إلى فيلم سينمائي عام 1976 أخرجه المخرج الكويتي خالد الصديق ولعب دور البطولة فيه المسرحي السوداني علي مهدي الذي بدوره حوّل النص الروائي إلى مسرحية.

الطيب صالح أحد رموز الإبداع السوداني إذا لم يكن الأشهر. وهو أحد مجددي الرواية العربية في القرن العشرين. وقد خلفته أجيال من الروائيين السودانيين والعرب لمواصلة مسيرة نضج الرواية العربية.

هذا الحضور الطاغي في الذاكرة السودانية جعل من السودان مقرا لجائزتين مستقلتين باسم الطيب صالح، إحداهما يرأسها الكاتب كمال ميرغني وهي الأولى في السودان استحدثت في حياة الأديب. حيث فكر بعض مثقفي الطيب صالح في بناء بيت لأديبهم في الخرطوم لأنه لا يمتلك بيتا، لكنه رفض ذلك واقترح توفير المال لشيء يفيد، فاقترحوا جائزة للرواية تحمل اسمه.

الجائزة الثانية يترأسها مجدوب عيدروس أحد ضيوف الحلقة الرئيسيين. تأسست بعد رحيل الطيب صالح وأيضا دعمتها ثلة من النخبة الإبداعية السودانية والعربية. وتوسعت أنشطتها، وأضافت موضوع الترجمة خاصة حيث تتم ترجمة بعض النصوص الروائية العربية إلى لغات أجنبية.

بدأت حلقة كرمكول بالقرية وانتهت بها وفاء لروح العالم الإبداعي للطيب صالح الذي كتب عن أهله الذين أحبهم وأحبوه وأضاف لقريته نافذة خيال فتحها على العالم.