تمثل أم درمان مركز ثقل في الثقافة السودانية المعاصرة، إذ انبثقت داخل المدينة تيارات فكرية وثقافية وشخصيات مبدعة واكبت حركية المجتمع السوداني منذ مرحلة ما قبل الاستقلال، خاصة منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي.

نشأت في المدينة حركة وطنية لمواجهة الاستعمار البريطاني، ونشأت حواليها حركة ثقافية جنينية سرعان ما توسعت لتتحول إلى حركة إبداع فكري وثقافي شمل إنتاجها ربوع السودان خاصة حاضرتي الخرطوم والخرطوم بحري، اللتين تشكل مع أم درمان أضلاعا ثلاثة تتكامل فيما بينها.

ضيف حلقة "المشّاء" (2016/9/29) هو أحد وجوه أم درمان الذين طبعوها بطابع خاص، وعاش معها تحولاتها منذ فترة الاستقلال حتى اليوم. إنه الشاعر والأكاديمي السوداني الشهير هاشم صِدّيق أحد الوجوه البارزة في الثقافة السودانية المعاصرة.

واكب صديق تحولات المشهد الثقافي السوداني على الأصعدة المختلفة بدواوينه الشعرية التي فاقت العشرة، ناهيك عما كتبه من مسرحيات ومسلسلات ومقالات.

ينقلنا هذا اللقاء مع هاشم صديق إلى استحضار السياق العائلي والسياسي والاجتماعي الذي أثر فيه ليجعل منه صاحب ملكة في صناعة الشعر الذي نثره في دواوينه المختلفة كلمات تعبر عن آلام الشعب وآماله في الحرية والعدل الاجتماعي.

وجع الملحمة
شكلت ثورة أكتوبر 1964 علامة فارقة في الذاكرة السودانية المعاصرة، لكن تخليدها لم يكن ممكنا إلا من خلال ما خطّه المبدعون وسطّره المثقفون من مشاعر وتطلعات وهموم شعب حقق استقلاله عن المستعمر البريطاني لكنه لم ينعم بحريته، فقرر أن يكتب فصول ربيعه مبكرا.

الحدث الفاصل في تاريخ السودان وجد صداه في الإبداع الشعري من خلال "الملحمة" الشهيرة التي صاغ فيها الشاعر هاشم صديق فصول تلك الثورة وخلّدها من خلالها، بمَعية الموسيقار محمد الأمين، لتظل نشيدا خالدا في الذاكرة وملهما للأجيال المتعاقبة.

تحدث صديق عن التزامه بقضايا الإنسان والمجتمع، وهو الالتزام الذي يكون نتاجا لتجربة الألم التي يحياها الإنسان، فردا كان أو مجتمعا. ويكون التعبير عنها بوسائل فنية متنوعة تحول الألم إلى تعبيرات جمالية تشحذ همة الشعب وتوجه طاقته نحو التغيير تطلعا لقيم الخير والحق والجمال.

في أم درمان عاصمة الثقافة ومقر أغلب المؤسسات الثقافية في البلد إضافة إلى دور النشر، كان انبثاق وعي الشاعر هاشم صديق، وفيها كان إبداعه الشعري، وهي المدينة ذات التاريخ الحافل مما جعلها حيزا يمثل نموذجا مصغرا للسودان وثقافاته المتنوعة التي يعكسها العالم الشعري لضيفنا.

ولطالما كانت هذه الربوة المطلة على باقي مناطق العاصمة، والتي تُمثل ملتقى النيلين (الأزرق والأبيض)، رافدا ثقافيا أساسيا، يفيض بإبداعات مثقفيها على باقي أحياء العاصمة، تماما مثلما تفيض بمياهها الرقراقة، ما دامت البُقعة الكثيرة الماء كما يرمز إليها اسما من أسمائها القديمة.