طرق برنامج المشاء في حلقته هذا الأسبوع أبواب إحدى المبدعات السودانيات، التي اشتهرت بنمط إبداعي خاص، هو القصة القصيرة جدا، أو كما يطلق عليها البعض القصة البَرقية.

إنها القاصة السودانية الشهيرة فاطمة السنوسي، هذه المرأة التي أبدعت نمطا خاصا اشتهرت به قبل انتشاره على الصعيد العربي، ونثرته في الفضاءات الثقافية المختلفة لمدينة الخرطوم، التي جاءت للاستقرار فيها بعد أن عاشت طفولتها وسط أسرة كانت تنتصر للمرأة وحقها في التعليم واكتساب المعرفة.

تأثيرات النشأة
كانت نشأة المبدعة فاطمة السنوسي في مدينة الحصاحيصا بولاية الجزيرة وسط السودان على الضفة الغربية لنهر النيل الأزرق، في كنف أسرة حيث كان الوالد نصيرا للمرأة مهتما بتعليم بناته.

وكان مجتمع الحصاحيصا المتسامح والأسرة المشجعة على القراءة عاملين مؤثرين في تكوين الطفلة فاطمة وتنشئتها، قبل الانتقال إلى مدينة رفاعة لتلقي تعليمها المتوسط والثانوي، وهي المدينة التي يختزل اسمها حركة ذات صدى في الوعي السوداني والعربي، وهي حركة الشيخ بابكر بدري رائد تعليم النساء في السودان الذي افتتح أول مدرسة خاصة لتعليم البنات في السودان عام 1903م وأدخل فيها بناته.

ورغم المعارضة الشديدة التي جوبه بها بحكم توجس السودانيين حينها من تعليم المرأة، أخذ يعمل بصبر وحكمة في هذا المجال، حتى تمكن آخر الأمر من كَسبَ ثقة الناس وإقناعهم بجدوى تعليم المرأة، لتصبح فتيات رفاعة رائدات للتعليم النسائي في السودان.

الانتقال للخرطوم
استفادت فاطمة من تلك الأجواء قبل أن تلتحق بعدها بالخرطوم طالبة، لتجدها مدينة رحبة ومنفتحة، مما فتح أمامها آفاقا واسعة للإبداع والعمل. فكانت ليالي الشعر وحلقات النقاش ومدرجات الجامعة وحواري الخرطوم الفضاء الذي خصبت فيه تجربتها الإبداعية وصاغتها قصصا قصيرة مكثفة المبنى عميقة المعنى والرسائل.

أبدعت فاطمة السنوسي في هذا الشكل الأدبي الذي يأخذ من القصة حبكتها وشروط تكوينها، لكنه يجعلها كثيفة وذات صبغة برقية، تحملها كلمات قليلة مهما كانت المعاني كبيرة بالطبع.

والهدف من ذلك، كما تقول السنوسي، إشراك المتلقي في صياغة النص وجعله عملا مشتركا بين الكاتب والمتلقي، هذا الأخير هو من عليه أن يملأ الفراغات ويقرأ بين السطور ويقترح عنوانا للقصة ويستوعب الرسالة التي يحملها ما دامت الغاية من وراء إبداعها هي تجاوز حال الملل والبطء الذي يجعل الحياة رتيبة في أجواء الخرطوم وحواريها، والتوسل برمزية مبدعة للتعبير عن قضايا الإنسان وطموحاته وأشواقه.

تؤكد ذلك الأستاذة فاطمة أن الغاية من الإبداع هي بناء علاقة محبة بين الناس تقوم على الولاء والعطاء والوفاء للإنسان من دون انتظار المقابل، مثلما ينبغي أن تتأسس العلاقة مع الأوطان على هذه القيم النبيلة.

إنها رسالتها التي تحكي بإبداع وسلاسة سيرتها وسيرة شخوصها ووطنها، بعد أن تستوي أفكارها المُروَّضة على عودها قصصا جميلة وقصيرة جدا.