واصل برنامج "المشاء" رحلته في أم درمان بصحبة المبدع السوداني هاشم صِدّيق، مستكشفا مساهماته المتميزة في عوالم أبي الفنون، مما جعل منه واحدا من أهم رواد المسرح السوداني.

تحدث هاشم صدّيق عن الظروف المرتبطة بنشأة المسرح في السودان التي جعلها متعلقة بسببين اثنين، الأول وطني يتعلق بظروف نشأة الحركة الوطنية السودانية لمواجهة الاستعمار البريطاني وإستراتيجيته الانقسامية التي جعلت سياساته في السودان مرتكزة على مبدأ "فرّق تسُد".

استثمر الاستعمار التنوع القبَلي والعرقي والثقافي في بلد شاسع المساحة، حتى يسهل عليه تأبيد سيطرته وضمان نهب خيراته، لذا كان سلاح الاستعمار في مواجهة الإبداع المسرحي في السودان سلاح الرقابة المتتبع لتفاصيل المسرحيات التي تخضع في مضمونها لمراجعة الحاكم العسكري البريطاني، قبل أي ترخيص للعرض أمام الجمهور.

وهو المنطق نفسه الذي حكم نظرة السلطة السودانية للإبداع المسرحي بعد الاستقلال، إذ كان الهدف إخراس أصوات المبدعين ومحاصرتهم خوفا من أن يكون المسرح "تحريضا" للناس على التمرد والثورة.

نال هاشم صديق نصيبه من هذا الشطط مضايقة وسجنا وتعذيبا، سواء فيما يرتبط بمسرحياته وفي طليعتها مسرحيته الشهيرة "نَبْتَا حبيبتي"، أو فيما أبدعه من مسلسلات عالجت الواقع السوداني وغاصت في ثنايا قضاياه.

آلام البسطاء
أما السبب الثاني فهو متعلق بالسياسات الطبقية التي رمت بقطاعات من الشعب السوداني في أتون الفقر والحرمان والتهميش.

كان المسرح نوعا من الرد الواعي الذي مارسته فئات من المجتمع السوداني (مبدعين وجمهورا)، عاشت مآسي الشعب وأعلنت انحيازها لقضاياه والتزامها بأولوية تحريره.

لذا عرف المسرح السوداني أزهى أيامه في المرحلة التي تلت مرحلة الاستقلال وخاصة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وقد كان لمساهمة صديق دور بارز في تلك المرحلة، تأليفا وتمثيلا وتأطيرا.

 دور أم درمان
هكذا تبلور وعي صديق في حواري أم درمان وأحيائها الفقيرة، التي قصدها النازحون من أبناء القبائل السودانية من كل حدب وصوب، في لحظة إعلانها عاصمة للبلد نهاية القرن الـ19 من طرف الإمام المهدي عقب انتصاره على القوات التركية ومواجهته للبريطانيين وتحقيق انتصار كبير عليهم.

ذلك التأسيس أعطى لأم درمان دورا تأسيسيا في الثقافة السودانية المعاصرة، مثلما أعطاها دورا تأسيسيا في عملية بناء اللهجة السودانية داخل اللغة العربية، التي جرى بها تأليف عدد كبير من نصوص المسرح السوداني.

لقد كان المسرح السوداني متنفسا للتعبير عن تطلعات الشعب السوداني سياسيا وثقافيا واجتماعيا، مثلما كانت أم درمان ذاك المسرح الذي تبلورت فيه تلك الإبداعات وترعرع فيها كثير من مبدعي المتن المسرحي السوداني بحكم احتضانها لكبرى المؤسسات الثقافية داخل السودان.