واصل برنامج "المشاء" رحلته الثقافية في السودان، مستمرا في استكشاف تنوع التعبيرات الفنية في هذا البلد العربي الأفريقي؛ إذ بعد لقائه بالفنان السوداني شرحبيل أحمد، التقى البرنامج في حلقة (2016/10/27) في الخرطوم الفنانة السودانية نانسي عجاج.

وتمثل نانسي حساسية فنية في مجال الغناء استطاعت أن ترسم لها مكانة داخل المشهد الفني السوداني والغنائي منه خاصة بحكم نشأتها أولا في بيت من البيوت الفنية، فوالدها هو الموسيقار السوداني الشهير الراحل بدر الدين عجاج الذي عاشت الفنانة نانسي في كنفه، وتعلمت على يديه الأبجديات الأولى للفنون الموسيقية.

البيت موئل للإبداع
فتحت الفنانة نانسي عينيها في بيت يعُج بالمبدعين في فنون الموسيقى والآداب المختلفة؛ بيت تبدأ فيه آلات الموسيقى بالعمل منذ الصباح الباكر حين ينهض والدها من النوم، ولا ينتهي المشهد إلا مساء بحضور وافر من الضيوف المبدعين في مجالات شتى.

في هذا الجو الفني والإبداعي بدأت موهبة نانسي تتفتق وتنمو، دون أن تعرف مآلها "الفني" إلا بعدما سألها والدها ذات يوم: "هل تطمحين لممارسة فنون الموسيقى" فأجابته "نعم أتطلع للغناء".

وكانت الانطلاقة من المدرسة حيث أصبح صوتها مَضرب المثل بين رفقائها هناك. لكن انطلاقتها الحقيقية كانت حين غنت في صفوف جمهور كبير في مدينة هارليم الهولندية، مما أثار انتباه الحاضرين الذين كانوا من جنسيات مختلفة، لتقرر بعدها التفرغ لهذا المجال، حيث جالت دولا عديدة في قارات مختلفة تصدح بأغاني السودان الأصيلة؛ أغاني الحقيبة الشهيرة، وأغاني سيد خليفة ومحمد وردي وغيرهم.

وحين عادت للسودان بدأت التجربة تصقل وتنضج، لتتحول نانسي إلى واحدة من أشهر مطربات السودان التي لا يضرها من نافسها من النساء أو الرجال في الميدان الفني الذي تعتبر أنه يتسع للجميع.

الخرطوم ملاذ للذكريات والحنين
لم يكن لنانسي أن تصقل تجربتها دون العودة للخرطوم لتعيش بين حواريها وناسها وثقافتها ومشاكلها وتطلعات شعبها؛ فكانت إبداعاتها أغان وطنية شهيرة تتغنى بالوطن والشعب، وبجمال الوطن وعاصمته الخرطوم، وأخرى تعبر عن هموم الشعب وتطلعات الفرد.

فأبدعت في نطاق الموسيقى السودانية وأصبح صوتها مطلوبا في أركان السودان المختلفة وفي أوساط شتات الجالية السودانية في العالم، تصدح بصوتها على أنغام إيقاعات سودانية لا مثيل لها.

الموسيقى السودانية نسيج وحدها
تعتبر الفنانة نانسي عجاج أن هناك سرا في الأغنية الموسيقية السودانية يجعلها غير معروفة في امتداد السودان العربي والأفريقي؛ إنه السُّلم الخماسي الذي تختلف فيه عن نظيرتها العربية، مما جعل الذوق السوداني مختلفا عن نظيره العربي العام رغم ما يمكن أن يتحمله الإعلام السوداني من مسؤولية في عدم مساهمته في إشعاع الفن الموسيقي السوداني خارج جغرافيا السودان السياسية.

ورغم انتماء الثقافة السودانية للنطاق الثقافي العربي بشكل عام، فإن الفنانة نانسي تعتبر أنه لا تأثير يُذكر للموسيقى العربية ومقاماتها وسلالمها على الموسيقى السودانية، حتى لو تعلق الأمر برموز فنية لطالما أدمنت عليها ذائقة المواطن العربي الفنية مثل أم كلثوم وفيروز.

غير أن نانسي تستدرك أن للسياسات الثقافية المتّبعة في بلدها دورا في عدم انتشار الفن الموسيقي السوداني خارجه، وهو أمر يحتاج المزيد من الجهود لتحقيق هذا الهدف الكبير.