تصور كاميرا برنامج "المشاء" في حلقته بتاريخ (2016/10/13) المنزل الذي ترعرع فيه الشاعر السوداني الكبير الراحل التيجاني يوسف بشير والخلوة التي كان يرتادها، وتتوقف عند حي "المسالمة" الذي يسكنه مسيحيون ومسلمون ويهود منذ زمن طويل في جو من التعايش والتسامح كما يقول الشاعر عبد المنعم الكتيابي.

يشرح الكتيابي كيف أن هذا الحي ألهم التيجاني بعض نصوصه في تلك الفترة التي عمل فيها مخلّصا لأقساط ماكينات الخياطة لدى شركة "سنجر"، وهو ما سمح له بالاختلاط بسكان "المسالمة" عن قرب.

التزم التيجاني برصانة الشعر وبالبحور، ولكنه استخدم بحورا يتحاشاها الشعراء مثل المسرح والخفيف ولكنه كان يجدد في المضامين، وهو ما دعا عددا من النقاد إلى تشبيهه ببعض شعراء الغرب مثل وليام بليك.

يقول الكتيابي -وهو ابن أخت الشاعر- إن التيجاني درس في المعهد العلمي الديني بمدينة أم درمان، لكن المعهد لم يتقبل الأسئلة التي حفلت بها قصائده فتم تكفيره وفصله من المعهد.

ويضيف "لقد فصل المعهد الفكر حين فصل الشاعر التيجاني، بدليل أن إدارته صادرت جميع الكتب التي كان يقرؤها خشية أن يتبع الطلاب طريقه".

التيجاني والشابي
وعن تجربتي التيجاني والشاعر التونسي أبو القاسم الشابي يقول الكتيابي إن القلق كان مسيطرا على الشباب في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، وكان هناك تطلع للتحرر من الاستعمار، وقد وحدت هذه المرحلة تطلعات التيجاني والشابي.

كما أن كليهما درسا في معهد ديني لكن تجربتيهما مختلفتان في المضمون وحتى في الشكل، حيث يرى البعض أن الشابي كان متفائلا، في حين كان يغلب التشاؤم على شعر التيجاني.

كما خص الكتيابي بالذكر الملمح الصوفي في شعر التيجاني ومتاهته بين "الفكر" و"القلب" وتصويره لهذا التناقض في أشعاره.

ديوان إشراقة
يتحدث الأكاديمي بكري بشير الكتيابي عن مخطوط الديوان الوحيد للشاعر بخط يده الذي سماه "إشراقة"، وأعده للطباعة سنة 1934 ولكن طباعته لم تتم وقتها ولم تنجز في حياة الشاعر.

ويضيف أن ديوان "إشراقة" تعرض للتشويه في أكثر من عشرين نسخة، وأن عدد الأخطاء في إحداها يتجاوز المئة.

كما يتحدث عن دور عائلة التيجاني في محاولة تصحيح التشويه بإنتاج نسخة منقحة ومدققة شارفت على الانتهاء، ويأمل أن تكون "كعصا موسى تبتلع جميع النسخ لتعيد للتيجاني صورته الحقيقية".

ويعد بكري بتخصيص ملحق لديوان إشراقة يتضمن القصائد التي نظمها التيجاني في الفترة التي تلت كتابة المخطوط أي من سنة 1934 إلى 1937 عندما وافته المنية في ريعان شبابه.

عمل التيجاني محررا لبعض الجرائد في مدينة أم درمان، حيث كان يعمل لساعات طويلة محررا في مطبعة لا تتوفر فيها البيئة الصحية، فانبعاث الأبخرة والرطوبة أدى إلى إصابته بداء الصدر ووفاته قبل بلوغ الـ25 عام 1937.