من غدامس الواحة الليبية إلى العالم خرج الروائي إبراهيم الكوني من مدينته مرتويا بسرابها ولم تخرج منه. إلى سويسرا التي احتفت به، ظل الروائي هناك وفي كل الحواضر التي مر بها مسكونا بحبة الرمل.

يقول  الكوني: الأنبل أن نحمل أوطاننا معنا، بدل أن نستجير بأوطان نضيعها ونحن فيها.

ولبرنامج "المشاء" في حلقة اليوم الخميس 6/8/2015 يضيف الكوني: الحرية هناك في الصحراء حيث لا إعلانات للحرية ولا أبواب للمطلق.
الرمز والبيان
ينظر إلى كيان معماري ويقول "عندما أعيد تفكيك هذا البنيان الميثولوجي الشبيه ببابل إلى أرومته ينتهي إلى ذرة الرمل. ولهذا فإن الروائي ينتمي إلى الرمز الذي يقول أكثر من البيان. الرمز في حبة الرمل، وفي الشعر الذي يمنحه هذا الفضاء.

لا ننسى أن الكوني روائي، وروائي غزير الإنتاج، لكنه يرى أن الرواية إن لم تحتو على طاقة شعرية فلا حاجة لنا بها.

الرواية ليست تقريرية وليست حرفية، وعلى الجميع بمن فيهم الروائي إذا فكر أن يغامر في الكتابة الصحراوية أن يعرف أن الصحراوي مليء بالأشجان والشعر. الشعر هو دموع العابر وبدل أن نبكي محنتنا الوجودية نستجير به.

إنتاج رواية في الصحراء تحد كبير، فكما يضيف الكوني فإن نظرية الرواية تقول منذ بداية القرن العشرين إنها عمل مديني، ولذلك يسأل "كيف تستطيع أن تكتب رواية عن اللاواقع؟ ليتابع إن شرط الرواية ليس المكان وإنما العلاقة، وفي الصحراء علاقات بالحد الأدنى ولهذا كان إنتاج رواية صحراوية تحديا كبيرا.

وطن النبوءة
يرفض الكوني النظرة التقليدية للصحراء، بوصفها فراغا وخلاء، ويندد بمن يقترح الصحراء مكانا لدفن النفايات أو التفجيرات النووية. كيف يحدث هذا في مكان يراه الروائي وطن النبوءة، في الصحراء الكامنة على غنيمتها الأولى: فطرة الإنسان وبداية مغامرته مع اللغة. المكان يتحول في الليل إلى محج للبحث عن الحقيقة والتأمل. المكان الذي يغيب فيه الزمن التقليدي الزائل ويحل محله الزمن الأبدي.

حين تحصر الحرية بحدودها السياسية فإنها في عين الروائي الليبي بعد شحيح من ملحمة الحرية. في السياسة والأيديولوجيا لا وجود للسعادة، وإنما هي في الصحراء.

لا شيء يساوي الصحراء سوى البحر. يقول الكوني: الصحراء بحر من الرمال والبحر صحراء ماء. كلاهما يعدان بشيء واحد هو الحرية.

اسم البرنامج: المشاء

عنوان الحلقة: إبراهيم الكوني.. اسم الصحراء

ضيف الحلقة: إبراهيم الكوني/روائي ليبي

تاريخ الحلقة: 6/8/2015

المحاور:

-   نواة الكيان ورمز الوجود

-   بحث في أغوار الوطن الضائع

-   الشعر دموع العابرين

-   الوتر المقطوع بين المدينة والصحراء

زاد: ارتوى من سرابها فخرج منها ولكنها لم تخرج منه، كتب نصّها وكتب شعرها وشعارها وعندما أعياهُ بِلْبَالُها جاس في لطيف رملها يحدد مفاهيمها بدأ بحبة رمل خلية أولى للمنظومة الصحراوية ثم أحاطها بهالة الفرح وخوفاً عليها صوّرها بالخوف والليل، الوجود في الصحراء سجود لا يحدُّ العاشق فيه حدّ يرفع المُحب في العراء عبوديته للخالق في انحناء الهامة وهي تطل على الأثر المتآكل لخطواتها، هنا لا جدران تعلق عليها إعلانات الحرية وهنا لا أبواب للمطلق.

نواة الكيان ورمز الوجود

إبراهيم الكوني: نقطة الانطلاق في هذه السيمفونية حبة الرمل اللامتناهي في الصغر، الذرة هي التي تستطيع أن تنفي العالم من الوجود، نفس الأمر بالنسبة لحبة الرمل هذه التي نستهزئ بها نحن ونستهين بها هي في واقع الأمر النواة، نواة الكيان، الكيان المعماري الذي هو دائماً رمز لجانب من جوانب الوجود هو في واقع الأمر دائماً استنطاق لما لم يقله الوجود، ولهذا دائماً الرمز يقول أكثر مما يقول البيان، ولذا أستطيع عندما أعيد تفكيك بهذا البنيان الميثولوجي الشبيه ببابل، هذا برج بابل هذا برج بابل، عندما أحاول تفكيكه وإعادته إلى أصله إلى الأرومة ننتهي إلى ذرة الرمل هناك نص في كل نعمة في الطبيعة في الشجرة في الهواء في ذرة الرمل كما في أي كلام محسوس، ولكن مهمتنا كمبدعين أن نحول هذا الحس؛ هذا الكيان الحسي إلى ذخيرة روحية أي رمزية تتحول إلى نموذج بالنهاية والنموذج يتحول إلى رمز، نحن نحيا حياة الرموز في واقع الأمر، نحن لا نحيا حياة الحرف إلا إذا كنا حيوانات، نحن نحيا حياة ما ورائية في كل لحظة من حياتنا، ما لم نجد في أي شكل بعداً غيبياً أو رمزيا نحن نصاب بخيبة أمل، نحن نتغذى في واقع الأمر في كل لحظة وفي كل يوم بالعناصر الرمزية ولهذا الطبيعة في غاية الأهمية ولهذا لا يحسن صناعة الرموز إلا من سخر نفسه للطبيعة ولهذا المتصوفون هم القادرون على توليد العبارة الدينية التي ترتقي إلى مستوى الوصف الديني المقدس.

زاد: يستأنس الكوني في برشلونة بعبقرية أنطوني غاودي الذي بناها فأعلى؛ ينظر الصحراوي فيرى السراب الذي تركه له الكتالوني بين فجاج ساغرادا ما أغرب هؤلاء الغرباء يلتقون في المكان بقرب الزمان يكتبون لنا على حبة الرمل ويولمون لنا في السراب.

بحث في أغوار الوطن الضائع

إبراهيم الكوني: المفهوم المركزي في رحلة العَدُوُس هو الصحراء لأن العالم بلا روح "صحراء" والصحراء بحضور الروح هي الوجود، هي وجود، ولذا الصحراء في الصحراء لا يوجد شيء وفي ذات الوقت في الصحراء يوجد كل شيء، هذا إذا قررنا أن نجد لغة مشتركة معها بطبيعة الحال هذا يستدعي تضحية، الصحراء حسناء تطلب الحد الأقصى وليس الحد الأدنى، الصحراء هي أسميها فردوس جدرانه من عدم، ولذا كنت مضطراً أن أحمل صحرائي معي عبر كل هذا العالم عبر كل هذا الترحال عبر كل هذه الصيرورة، لأن الأنبل أن نحمل أوطاننا معنا بدل أن نستجير بأوطان نضيعها بحضورنا فيها، لأن الأهم من المكان الذي نسكنه هو المكان الذي يسكننا، هذه أقولها دائماً، ناس كثيرون يعتقدون أن الكتابة عن الصحراء هي كتابة عن واقع حرفي لا المبدع لا يكتب عن واقع حرفي، المبدع يكتب دائماً عن ظل الواقع الحرفي، الصحراء وطن وهي وطن نبيل شرفته العناية الإلهية بالنبوءات، كل النبوءات خرجت من الصحراء لأن وطن الله فقط اللي نحن نتأمل في وطن الله وحده يعني نحن نتخلى في وطن الله وحده سيكون الإنسان حراً، ليس بدون تضحيات بطبيعة الحال ولكن النتيجة تشري التضحيات ولهذا الصحراء دوماً وطن استعاري مكان استعاري ولهذا هو في واقع الأمر تحدي لنظرية الروايةـ نظرية الرواية تقول أن الرواية هذه عمل مديني هذه نظريات السائدة منه في القرن العشرين كيف تستطيع أن تكتب رواية عن اللاواقع عن واقع ولكن هنا واقع، لأن شرط الرواية هو العلاقة ليس المكان ولكنه العلاقة في المكان لأن لا وجود لتراجيديا بدون علاقة، والعلاقة ليست موجودة في الصحراء إلا في حدها الأدنى إلا بشكل عابر يلتقون الناس عبوراً ويمرون مرور الكرام كما يقال، ولهذا كان إنتاج الرواية الصحراوية تحدٍ كبير، الخطأ الشائع هو النظرة التقليدية للصحراء التي لا ترى في الصحراء سوى الفراغ، في المفهوم الشائع في كل العالم أن الصحراء خلاء ولا نذهب إلى أبعد من ذلك في حين أن الصحراء منظومة، الصحراء صحيح يابسة ولكنها مسكونة بالصحراء مسكونة بالبشر مسكونة بالحيوانات ومسكونة بالنباتات مسكونة بالأرواح، الصحراء مسكونة بالله، الصحراء وطن الله ما دامت هي وطن النبوءة، هذا الخطأ الشائع أدى إلى تحويل الصحراء إلى مكان ليس لرمي النفايات فقط وإنما لتفجير القنابل النووية في العالم كله، الصحراء كامنة على غنيمتها الأولى على فطرة الإنسان الأولى على بداية مغامرته الوجودية مغامرته مع اللغة، نحن نعرف أن من خلال اللغات المرئية نعرف أن اللغة بدت باستنطاق الحس، كل المعاني المجردة منتجة من منطق الحس منتجة من مفهوم حسي في البدء، هذا يعني أن الصحراء هي كنزنا الذي لم نستنطقه حتى الآن، لم يستنطق حتى على مستوى الآداب لم يستنطق حتى على مستوى الفلسفات لم يستنطقن في القرن التاسع عشر بدأت رحلات استكشاف الصحراء الكبرى مثلاً وغير الكبرى في القرن التاسع عشر فقط استكشافات كانت على المستوى الطبيعي فقط ولكن لا توجد حتى الآن حركة استكشاف للتراث الروحي للصحراء، البعد الروحي للصحراء، لو استعمل لغة الصوفيين يعني البعد الباطن للصحراء الذي اغترب بسبب اغتراب الطبيعة فيه، لذا الصحراء عالم كامل إذاً هي في واقع الأمر ذخيرة لم نُحسن استخدامها إلى هذا اليوم.

[فاصل إعلاني]

الشعر دموع العابرين

إبراهيم الكوني: هناك يعني يتحول الليل ملحمة شعرية في الصحراء كما يتحول كذلك على هذا النحو في أي مكان آخر في العالم ولكن من نجوم حشود النجوم كيف تتماهى مع الأسافل على نحو يضيء المكان ويحيله إلى لوحة وجدانية تنطق بالشعر، من الطبيعي أن تصير الصحراء محجاً لكل مُريد حقيقة لأن الحقيقة بالتأمل، وليل الصحراء يستدرج إلى التأمل يغوي إلى التأمل ويكون مع السلط سيمفونية يغيب فيها الزمن التقليدي ويهيمن عليها الزمن الأبدي، ولهذا السبب الزمن في الصحراء دائماً زمن أسطوري، الزمن في الصحراء ليس زمناً زائلاً ولكنه يبدو مهيمناً على نحو أبدي، نستطيع أن نحيى الأبدية فقط في الصحراء لهذا السبب الصحراء تغوي لهذا السبب كل من عرف الصحراء لا بد أن يعشق الصحراء ذلك ثمن الحرية، ذلك ثمن الحرية إذا قررت أن تتوحد فعليك أن تدفع الثمن، إذا قررت أن تتحرر يجب أن تدفع الثمن أن تحمل صليبك، في الصحراء الإنسان يتحمل مسؤوليتها أمام الحيوانات الوحوش حياة الأفاعي العقارب قطاع طرق ربما في بعض العهود هذا شيء طبيعي يعني مسؤولية، مسؤولية الحرية، الحرية مسؤولية دائماً ولهذا هي بطولة ليست البطولة أن تقتل أو البطولة أن تستولي على سلطة البطولة الحقيقية أن تتحرر أن تتخلى عن سلطة وأن ترمي السلاح وتجابه عدوك بمنطق آخر وتقتله بتخليك عن عداوته، الصحراء كلها فرح كل شيء بالصحراء يدعوك إلى الفرح لأن لا فرح أنبل من فرح الإحساس بالحرية، الحرية بطبيعة الحال بمعناها الوجودي وليس السياسي، الخطيئة الأخرى التي نقع فيها دائماً هي أننا نختزل الحرية في بعد واحد فقير وشحيح هو السياسة، السياسة هو جزء صغير جداً من ملحمة الحرية، الحرية حاجة وجودية بالدرجة الأولى والواقع أننا لا نختزل الحرية فقط في السياسة نحن نختزل الوجود كله في السياسة وهذه محنتنا الكبرى هذه سبب شقاءنا، لأن لا وجود لسعادة في السياسة لا وجود لسعادة في الأيديولوجية إذا قررت أن تكون سعيداً فاحمل صليبك وارحل كل صحراوي مليءٌ بالأشجان وكل عابر هو حامل صليب حنين ولا يلين من هذا الحمل سوى الشعر، الشعر دموع العابر بدل أن نبكي محنتنا الوجودية نستخدم الشعر نستجير بالشعر فيعزينا، ولهذا اعتقد أن كل لغة روائية يجب أن تكون شعرية، لغة نص ليس شعرياً النص إذا لم يحتوي الحد الأدنى من الطاقة الشعرية لا حاجة لنا به، ولهذا ننفر من التقارير من الروح التقريرية في النصوص أو من التقارير عموماً الحرفية ولهذا نرفض الحرف ولهذا نحن في عداوة مع الحرف دوماً لأن الحرف يميت كما قلنا والروح تحيي الروح هنا هي الشعر يجب أن نرى شعراً بكل شيء، لهذا السبب أنا هنا سماء زرقاء أشجار نخيل صحراوية على ضفاف البحر، البحر أزرق والبحر حميم لأنه متوسط ورومانسي لأنه بحر أوُليس والعدوس هو أوليس أيضاً ولهذا أشعر بأني في بيتي يعني في وطني لهذا اغتربت من أجمل بلد في العالم وهو سويسرا لأحل ضيفاً على ضفاف محبوبي القديم البحر المتوسط، البحر صحراء والصحراء بحر، الصحراء بحر الرمال والبحر صحراء ماء لأن في كليهما يعدان بشيء واحد فقط وهو الحرية البحر إغواء والصحراء إغواء، إغواء مبيت دائماً ولكنه واعد تتغنى الحوريات السرينات عند هوميروس بالأناشيد التي تستدرج أوُليس، الحريات المميتات التي تميت، في الصحراء هناك نوع آخر من الحوريات الحوريات الصامتات حوريات الصمت التي يتحدث عنها كفكا وهن أكثر إغواء من حوريات البحر اللائي يتغنين بالصمت بأناشيد شجية، لأننا نستطيع في البحر أن نسد آذاننا بالطين كما يفعل أوُليس ولكننا لا نستطيع أن نقاوم حوريات الصحراء الصامتات لأنهن يستدرجن بلا غناء، غناء باطني غناء غيبي وهو أقوى.

الوتر المقطوع بين المدينة والصحراء

المدينة بالمقارنة مع الصحراء يمكن نلخصها في العبارة التالية: العمران صحراء تجسدت والصحراء عمران زائل، هذا يصبح منطلقاً لفهم العلاقة بين الصحراء والمدينة، وبالنسبة للروائي يقيناً أن ارتياد عالم العمران وكتابة الرواية مدينية أيسر بما لا يقاس بمائها، قرر أن يغامر ويكتب رواية عن الصحراء، العلاقة التي تقوم عليها أي رواية هي نتاج المدينة وليست نتاج الحرية التي هي الصحراء، الحرية في مدلولها المطلق في دلالتها القصوى في مفهومها الكوني هي الموت وكتابة رواية عن الصحراء في الواقع هو كتابة رواية عن العدم هو كتابة رواية عن الموت، هنا كانت النظريات التي يروج لاستحالة كتابة رواية عن صحراء سيناء رواية ذات النفس الملحمي، ولكن التحدي قد يقلب الآية إذا تأملنا العلاقة المدينية التي هي علاقة بطبيعتها نفعية فإنها ستتبخر بهذا المفهوم في واقع الصحراء، لأن العلاقة هناك عدمية في الواقع من يذكر منكم فيلم أنطونيوني المهنة صحفي يستطيع أن يفهم هذه العبارة لأن الصحراوي إذا لاقاك إما أن يغمرك وإلا أن يقتلك، يقتلك في حال كان قاطع طريق بالطبع ويحتفي بك كقرين في حال كان إنساناً أخلاقياً أو إنساناً سوياً أو إنساناً عادياً من هنا كان الجدل ملتبساً بين المفاهيم الصحراوية والمفاهيم المدينية، لأن المفاهيم الصحراوية دائماً رمزية والمفاهيم المدينية دائماً نفعية، القضية في طبيعة الحال في غاية التعقيد ولكن يبقى القاسم المشترك الأعظم بين النموذجين هو الإنسان مبدأ الإنسان، ما دام هنا إنسان وهناك إنسان فإن بإمكان التصالح بين القطبين.

زاد: يحمل الكوني صحراءه في قلبه، يزف مدن الشمال والجنوب إلى هودجه ولا يُنزلها إلى الإسفلت؛ مهلاً يقول لها أعدكِ بما هو خير يبكي كأوُليس من حسن أصوات الجواهر الأوروبية ولكنه لا يقف يلتفت إلى مشواره يلتفت إلى حرير الثلج وإلى محو الريح ويقول لمن لا يهتم بغير النتائج لكم في الغرابيل ميسرة ولي مرهم في السراب.