في الحلقة الثانية من "المشاء" والتي بثت الخميس 13/8/2015، تحدث الروائي الليبي إبراهيم الكوني عن الضياع الذي يراه الناس تيها ويراه هو رهانا على نيل الحرية وما وراء الحرية وما تعد به، ألا وهو: الحقيقة.

يردد الكوني في صحرائه "ضيّع نفسك تجدها"، ويزداد إيمانه بأن الهجرة ينبغي أن تكون هجرة "عدوس السرى".

والعدوس هو الإنسان الذي لا يعدو شوطا قصيرا، بل طويلا في سيرورة متواصلة. والسُرى هو المشي ليلا، بحثا عن الفردوس المفقود الذي هو فينا، كما يذهب.

السير ليلا هو مغامرة وجودية بدأت مع الكوني من الصحراء، فقطع الواحات ثم مدن شمال المتوسط إلى أقصى نقطة في الشرقي من العالم، عاكفا نحو الغرب إلى بولونيا وروسيا وسويسرا حتى إسبانيا في أقصى غرب العالم والتي يتحدث منها الآن ضيفا على "المشاء".

الوطن من بعيد
في هذا الترحال ينظر إلى الوطن فيقول الكوني: نحن في نزاع مع أوطاننا التي تنكرنا ولكي نحبها يجب أن نهجرها. إذا أردنا أن نجد لغة مشتركة، فالأفضل أن ننسحب قليلا كي نرى أوطاننا عن بعد في الزمان أو المكان.

يتحول الوطن في عينه إلى حدس ووسوسة وضمير و"الضمير صوت الله"، وبهذا الابتعاد يستطيع المرء أن يكون سفيرا لوطنه ويؤكد قيمه وحضوره في الوجود.

ويمضي في معنى الترحال قائلا عن ترحال العدوس إنه يستعير روحا دينية شئنا أم أبينا، ومن هنا يكمن سحر السفر في بعده العدوسي والميتافيزيقي، لافتا إلى أن كل رسالة وجودية وكل رسالة دينية قدرها الترحال، ولذلك كل أنبياء العالم مهاجرون.

الأعمال الأدبية العظمى في رأي الكوني أيضا تحكي عن الترحال، مثل غلغامش والإلياذة والإنياذة والكوميديا الإلهية ودون كيخوته وذهب مع الريح.

ظلال المعلومة
في سيرته "عدوس السرى" يقدم الكوني مفتاحا للنص فيقول إن ما يهمك يجب أن لا يكون المعلومة وإنما ظلها. ليس الواقعة وإنما موقفي منها، وتأويلي للتجربة. فالعدوس إذا لم يحول ترحاله إلى فعل لن يكون عدوسا حقيقيا.

وكما هي الحال مع الروايات، يرى ضيف "المشاء" أن الحقيقية منها هي وليدة التأمل وليس الأحداث، وليدة الرؤية.

أحب الكوني اللغة العربية لا "لثرائها وتعبيرها عن الصحراء ولكن لقدرتها على صياغة وسوسة الروح".

يقارن الروائي بين مقروئيته في أوروبا وصولا إلى ليبيا، فيجد أن أوروبا تقرؤه أكثر من العرب، وهؤلاء يقرؤونه أكثر من أهله المباشرين في ليبيا.

يقرأ كل يوم بلغات عديدة حتى يستعير الشحنة من شعرية الوجود، لكنه في النهاية يكتب بلغته العربية التي يعشق.

ويتساءل الكوني: كيف ينظر العرب لكاتب بالفرنسية على أنه عربي، ولكاتب بالعربية ينكرون عليه عربيته؟

اسم البرنامج: المشاء

عنوان الحلقة: إبراهيم الكوني... عَدوسُ السُّرى

ضيف الحلقة: إبراهيم الكوني/روائي ليبي

تاريخ الحلقة: 13/8/2015

المحاور:

-   العدوس والفردوس المفقود

-   ذاكرة الترحال والتحرر

-   تأويل التجربة الدنيوية

-   التأمل في التجربة الروائية

زاد: بلغَ إبراهيمُ الكوني مرحلةَ التدوينَ بعدَ أن طافَ وطوَّف، أصبحت لديهِ الآن عصىً من فيضِ عُمرهِ يتوكأُ عليها ويهُشُ بها عن وسواسهِ وبلبالهِ وأصبحَ لديهِ اسمٌ تُناديهِ بهِ الصحراء يا عدوسَ السُّرى فيرتدُ الصدى يا سُرى العدوس، اعتمدَ الكوني قلبهُ كاملاً في العملِ بالنصيحة الكُبرى التي تقول: ضيِّع نفسك تجدِها ولكنهُ وقد وجدها أعادَ ترتيبَ صفحتهِ من تأويلٍ وتقليلٍ وظلالِ أشياء، هذا هو العدوس لا تقرؤوا في هذهِ السيرة الأشياء بل ظلالها تحتَ النجوم، لا تنسوا أنهُ يُسيرُ في ليلِ الدنيا.

إبراهيم الكوني: شوف عندما نتشبث بأوطاننا نحنُ في نزاع مع أوطاننا عندما نتشبث بأوطاننا تُنكرُنا أوطانُنا ولكي نُحب أوطاننا كما ينبغي ونستطيع أن ننقذ أوطاننا كما ينبغي يجب أن نهجُر أوطاننا لكي نحميها أو لكي نراها أو لكي نُنقذها من خارجها، أمّا إذا أردنا أن نجد لُغة مُشتركة مع أوطاننا فالأفضل أن ننسحب قليلاً من أوطاننا لكي نراها عن بُعد، نراها من مسافة سَواء في الزمان سواء في المكان، في ذلك الوقت يتحوَّل الوطن إلى وسوسة إلى حدس والحدس هاجس والحدس ذاكرة الضمير والضمير صوتُ الله ولذا في ذلك الوقت قط يتحول الوطن إلى معشوق معبود، في ذلكَ الوقت يتحول الوطن إلى رمز عندها يستطيع المُبدع أن يُعيد زيارة الوطن، يُقدمها للعالم هو في ذلكَ الوقت هو سفيرهُ إلى العالم، هو رسولهُ للوجود لكي يؤكد قيمه، لكي يؤكد حضورهُ في الوجود، هذهِ العلاقة المُلتبِسة بينَ النبي ووطنهُ والنبي في زمنهِ لا تنحل إلّا بهذهِ الطريقة.

العدوس والفردوس المفقود

بالمناسبة أعتقد أن نبدأ من اللُغة؛ العدوس بالعربية هو الإنسان الذي يعدو، لا يعدو شوطاً قصيراً ولكنهُ يعدو طويلاً أي يعدو في صيرورة والسُّرى هو المشي ليلاً كما نعلم وهي استعارة عن رحلة أي إنسان في هذا العالم وفي هذا الوجود، في بحث الإنسان عن نفسهِ بالدرجة الأولى لأنَّ فردوسنا المفقود هو في الواقع فينا وليسَ خارجنا والليل محفوف بالظُلمات، الليل السير ليلاً دائماً مُغامرة ولهذا رحلة الإنسان في الوجود مُغامرة، مُغامرة وجودية بالدرجة الأولى ومُغامرة حرفية، مغامرة حرفية أيضاً، في هذا التجوال الذي بدأَ من الصحراء الكُبرى وعبَرَ الواحات ثُمَ مُدن شمال المتوسط ثُمَ عبَرَ البحار إلى أقصى نُقطة في الشمال الشرقي من العالم، مرّ في زمن هيمنة الستار الحديدي مُخترقاً الستار الحديدي أيضاً ثُمَ عاكفاً نحوَ الغرب نحوَ بولونيا ثُم العودة أُخرى إلى روسيا ثُم إلى سويسرا ثُمَ الآن في إسبانيا في أقصى الغرب في أقصى غرب العالم، هذهِ التجربة تجربة بطبيعة الحال اغترابية بامتياز، اغترابية لأننا كما يُقال لا نجِد أنفسنا إن لم نُضيعها ولذا الضياع الذي يراهُ الناسُ تيهاً هو في الواقع الرِهان الوحيد لنيل الحُرية وما وراء الحُرية، ما تعِد بهِ الحُرية وهو الحقيقة لهذا السبب نجِد أنَّ كُلُ أنبياء العالم مُهاجرون، الهجرة قدَر كُل رسالة وجودية حقيقة ورسالة دينية أيضاً هذا قدر أي رسالة دينية ولهذا الهجرة ولهذا الترحال العدوس هذا مبدأٌ دينيّ، هُنا يستعير روحاً دينية شاءَ أم أبى، هُنا يكمُن سحر السفر في بُعدهُ العدوسيّ، في بُعدهُ الميتافيزيقيّ نستطيع أن نقول ولهذا ليسَ من العبث أن نجِد أن الأعمال الأدبية العُظمى كُلها في تاريخ الجنس البشري هي عن السفر، عن الهجرة، عن العدوس بدايةً بـ جلجامش ومروراً بإلياذة ثُمَ الإلياذة ثُمَ الكوميديا الإلهية ثُم الموبي ديك ثُمَ ذهبَ مع الروح، دون كيخوت طبعاً دون كيخوت الذي نجلس في ضيافتهِ اليوم هُنا.

زاد: مُنذُ أن اتفقَ في طفولتهِ مع الذئبِ على النعاج وإبراهيمُ يُلاحقُ ظِلهُ المُمتدَ في اتجاهِ كُل رحيلٍ مُقبل يومها قالت لهُ الصحراءُ: اذهب وفُكَّ الحروف ما استطعت ولكن لا تجعل ضالتكَ فيها فأنتَ مَنذورٌ للانحيازِ للوجودِ الرجراجِ بينَ الذاتِ والماهية.

ذاكرة الترحال والتحرر

إبراهيم الكوني: الترحال يولد كنداء؛ نداء لا سبيل لمُقاومتهِ، بالنسبةِ لي هذا الأمر طبيعيّ لأنني نشأتُ في الصحراء، نشأتُ في أرض هي هجرة، الصحراء هي المكان الوحيد الفاقد لشروط المكان ولهذا يُجبركَ على أن تتحرر منهُ، يُجبرك على أن تكونَ حُراً، لن تعيشَ حُراً ما لم تختلق دُميةً في سفرك أقصد ما لم يكُن لكَ رسالة، هذهِ الرسالة في وجداني مُنذُ الصغر هي قول حقيقةُ الصحراء، هو وجوب أن أقول مُجبراً حقيقة هذا الفراغ وهذا المدى اللانهائي، هذا المكان المُتنكر لطبيعة المكان الذي هو الصحراء الكُبرى برموزها وثقافاتها وحضاراتها وأجوائها وحيواناتها وأساطيرها وعوالمها الخفية وإنسها وجنها، هذا الإحساس كانَ يدفعني إلى أن ارتداد؛ ارتداد الأفاق الأُخرى دوماً، كُل ترحال كانَ قرين بتجربة دموية في الغالب وعسيرة ولكنها تحفر فيَّ يقيناً جُرحاً عميقاً ولكنها أيضاً تهبني سلاحاً جديداً في كُلِ مرة لهذا السبب صارت المنافي هي روافد سراب، روافد سراب وعزاء أيضاً وعزاء في محنة الوجود أيضاً.

]فاصل إعلاني[

زاد: ودّعَ الكوني صديقهُ الفيتوري قبلَ سنواتٍ من رحيلهِ وأماتَ لهُ جُزءاً من كينونتهِ ولكنهُ استرجعهُ عبرَ برنامج المشّاء، وعدنا بزيارتهِ في الرباطِ في أقربِ فُرصة ولكن الفيتوري ترجّلَ قبلَ ذلك عندها كتبَ الكوني فيهِ يقول: "فجيعتنا في شاعرنا كبيرة، لقد فُجعِتُ فيهِ مُنذُ سنواتٍ عندما أشاعوا رحيلهُ واسترددتهُ على أيديكم أخيراً لأودعهُ لا لألتقيه، أنتَ تعلمُ بالطبعِ أننا نفقدُ الجُزءَ الأنبلَ منّا كُلما رحلَ حميمٌ عرفناه فكيفَ بإنسانٍ أحببناهُ وشاعرٍ أكبرناه".

إبراهيم الكوني: من المُهم إنصاف الكُل، في هذهِ الأُمم هناكَ رموز هناكَ رموز ثقافية عرفتها وأحببتها وصادقتها يجب إعطائها حقها أيضاً، سواء في العالم العربي رموزها الأدبية والثقافية سواء في روسيا السوفييتية وروسيا الجديدة أيضاً، سواء في بولونيا، سواء في سويسرا، سواء في إسبانيا والرموز الثقافية في ليبيا طبعاً الذين لا يعرف عنهم العالم الكثير وهُم رموز عظيمة ومُناضلة وباسلة لأنَّ العُظماء هُم أعتقد هُم أولئك الذينَ نُعايشهم ونعتقد أننا عرفناهم ولا نكتشف حقيقتهم إلّا بعدَ غيابهم لأنَ جُزءٌ مني فيهم، جُزءٌ مني في هؤلاء وعندما يرحل هؤلاء في واقع الأمر يُصبحون جُزءٌ من الزمن الضائع، لاستعادة ذلكَ الزمن الضائع يجب أن أسترجعهم في النص وذكرياتي معهم يجب أن أُحييها من جديد.

تأويل التجربة الدنيوية

أكتُب بلُغة أحببتها ولأني أساساً أُحب الثقافة في الإنسان، ما يهُمني هو الإنسان كوجود ثُمَ الإنسان كثقافة، موقع هذا الإنسان من العالم هو شريك لي في هذا الوجود ولذا أنا يجب أن أُحبهُ واجبي وفي نفس الوقت أُحبهُ يجب أن أُحبهُ أكثر عندما يكون هو قريني في الإبداع، هذا يعني يحملُ همي، هذا يُعزّيني، يجب أن يُعزينا في محنة الوجود، ما يُهم في عدوس السُّرى ليسَ المعلومة ولكن ظِل المعلومة، ما يُهم في عدوس السُّرى ليسَ الواقعة ولكن الموقف من الواقعة، لا تهم التجربة الدنيوية بقدر ما يُهم تأويل التجربة الدنيوية، هو موقف إنسانٌ يُشاهد لأنَّ السُعداء هُم مَن يُشاهدون وليسوا مَن يلعبونَ على خشبة المسرح ولذا إذا لم يُحوُّل عدوس السُّرى تجربتهُ إلى موضوع مُشاهدة وليسَ موضوع فعل لن يستطيع أن يكونَ عدوساً حقيقياً، بمعنى أنَّ الرواية الحقيقية هي وليدة التأمُل وليست الأحداث ولذا الرؤية هي المقياس، كيفَ أرى هذا الواقع!! كُل الناس لهذا السبب يحلمونَ بأن يكونوا روائيين، هذا هو التحدي تحدي عدوس السُّرى أنهُ إنسانٌ يحمل صليبهُ على ظهرهِ ويعبُر دوماً هذا العالم بحثاً عن معنى بطبيعة الحال وبحثاً عن الفردوس المفقود بطبيعة الحال أيضاً الذي ينامُ فينا يسكُننا ولا نستطيع أن نُدركهُ إلّا بعدَ أن نعبُر طويلاً، ألا يُقال ضيِّع نفسك تجدها!! هُناكَ لُغتان لكُلِ مُبدِع، لُغة ليست لُغة واحدة ولكنها تتفرع إلى لُغتين؛ لُغة حرفية ولُغة تستطيع أن تقول عنها أنها روحية؛ لُغة مُستترة، لُغة مُستعارة من تكوين في جينات التكوين ربما يعني الكثيرون في أوروبا يقولونَ أنكَ تكتب بلُغة أسطورية ونُقاد آخرون في العالم يقولون أنني أكتب بلُغة دينية مع أنهم أحبوا لُغتي لأنها لُغة مارتن لوثر، الروح الدينية موجودة بطبيعة الحال في كُل لُغة أمّا إضافة البُعد الميثولوجي فيقيناً من الصحراء، ليسَ البُعد الديني فقط وإنما البُعد الميثولوجي وهذا بالنسبةِ لي مُستعار من اللُغة الأم أو من التكوين الوجودي في الصحراء، الفضل في ذلكَ أعتقد انهُ يرجع إلى روح الصحراء، روح الصحراء يقيناً تختلف تماماً عن روح العُمران؛ إنها تلكَ اللُغة التي يُسميها هايدغر اللُغة تتكلمنا لا اللُغة التي نتكلمها، اللُغة لعربية بطبيعة الحال أحببتها لأنها من أجمل اللُغات لا لثرائها فقط أو لتعبيرها عن الواقع الصحراوي فقط ولكن لقُدرتها على صياغة وسوسة الروح، ليسَ كُل لُغة تستطيع أن تُعبِّر عن أيِّ شيء بطبيعة الحال العرب يعتبروني أديباً لستُ عربياً والأوروبيين يعتبرونني أديباً عربياً لأن المُفارقة في العالم العربي أنهم لا ينظرونَ إلى اللُغة ولكن إلى العرق، يعتبرونَ كُتاباً يكتبونَ باللُغة الفرنسية أو الانجليزية عرباً لأنهم من بُلدان عربية رغم أنهم يكتبوا بلُغات أجنبية ويُنكرونَ على إنسان يكتب بلُغتهم يُنكرونَ عليهِ أنهُ كاتبٌ عربيّ لكن هذا لا يُضيرني في شيء، هذا لا يُضيرني أنا في شيء بالعكس هذا أعتبر أن هذا يجب أن يُسعدني أكثر لأنني أكتب بلُغة أحببتها، اللُغة الروسية لُغة عظيمة وإلّا لَما أنجبت دوستويفسكي ولا تولستوي ولا تشيخوف ولا هذا الحشد الرهيب من العُظماء سواء في الأدب أو الفلسفة، الألمانية أحببتها أيضاً كثيراً لأنها لُغة غونتر وشوبنهاور ونيتشه، مَن يصنع اللُغة هُم فرسان الشعر سواءً كانَ هذا الشِعر في صورة الشعر بالمعنى التقليدي أو في صورة الفلسفة والفضل أعتقد في خصوصية اللُغة العربية يرجع إلى أولئك الفرسان الكلاسيك الذينَ كتبوا بها وعبّروا عن ما يُمكِن أن أُسميه الحدس أو الوجدان أو يعني حركة الروح، أنا أقرأ كُل يوم لأكثر من لُغة لكي أستعير هذهِ الشُحنة من شعرية الوجود، كُل صباح أقرأ هيرمان هيسه فيُحلِّق بي خارج هذا العالم وأقرأ للشعراء الروس وأقرأ لقُدماء الشعراء العرب فأشعر بالامتلاء، سعادة هي هذهِ السعادة، اللُغة بالفعل سعادة إذاً، اللُغة بالفعل بلاغة.

التأمل في التجربة الروائية

ولكن ما يُهمني هُنا هو عملية تناول هذهِ التجربة من خلال الذات طبعاً، من خلال الذات ولهذا هُنا الذات لا تلعب دور البطولة بقدر ما يلعب دور البطولة التأمُل في يعني الرؤية، تأمُل هذهِ التجربة من منظور وجودي كينوني شمولي يعيشهُ كُل إنسان ولهذا ربما يُقال أنَّ كُل إنسان في نهاية حياتهِ لديهِ حنين لكتابة رواية، هو يريد أن يكتب روايتهُ، يُريد أن يكتب سيرتهُ، يُريد أن يكتب هجرته، يُريد أن يقول كلمتهُ الأخيرة في صحيفة وجود استمرَّ وزال وعندما يزول هذا الوجود لا يستطيع أن يُخلِّدهُ أو يجعلهُ حقيقياً إلّا الكلمة، أُخيب أملك كثيراً في هذا الادعاء بالبطولة بالفعل إذا كان المسيح يقول أن لا كرامة لنبي في وطنه فإنني أُضيف فأقول لا كرامة لنبي في زمنهِ أيضاً، أقل مَن يقرأني هُم القارئ العربي وأقل مِن القارئ العربي القارئ الليبي وأقل من القارئ الليبي هُم أبناءَ جلدتي الطوارق، أكثر مَن يقرأني للمُفارقة أكثر مَن يقرأني هُم الأوروبيون والآسيويون والعالم الخارجي، أكثر احتفاء وجدتهُ لدى الأوروبيين والعالم الغربي، في الدرجة الثانية يأتيكَ العالم العربي، في الدرجة الثالثة تأتي ليبيا، في الدرجة الرابعة هُم أهلي ولكن هذا لا يعني شيء هؤلاء أهلي في كُل الأحوال، أنا أحمل رسالة ثقافية؛ رسالة الصحراء رسالة ثقافية وإنسانية بطبيعة الحال وهوية أيضاً، أحملها هويتهم أيضاً وأفخر بذلك وأحمل هوية بلدي ليبيا وهُم أيضاً أهلي والعالم كُلهُ العربي كُلهُ أهلي كما كُل الإنسانية أهلي، هذا إحساسي دوماً وأنا سعيد بذلك، سعيد أن أنتمي إلى الجنس البشري، سعيد أن أنتمي إلى حقل الثقافة، سعيد بأنني عِشتُ هذا الزمان وسعيد بأنني عرفتُ أُناسٌ يستحقوا جديرون بأن يُعرفوا وجديرون بأن يُحبَّوا أيضاً.

زاد: يُعددُ إبراهيمُ الكوني منافيهِ ويصنعُ منها فِهرست الرحيل وكُلما اتسعَّ الفِهرست ضاقت العبارة، في كُل يومٍ يبدأُ معركتهُ الصحراوية في عالمٍ يتصحرُ ويتصحرُ، يستعد بمراسمِ الحدادِ للسفرِ إلى رُكنٍ جديد، يُكلمُ الخوفَ ويُكلمُ الليلَ ويوشوشُ في كبدِ الفجر؛ عَمُرَ القلبُ بما لا ينتهي فابدأِ الآن إذاً أو فانتهي.