مواصلا تجواله، حط "المشاء" في ربوع تونس الخضراء، طارحا سؤالا ملحا عن الشعر التونسي إبداعا ونقدا وهو: هل يمثل الشاعر الراحل أبو القاسم الشابي حافزا أم عقبة أمام تطور الشعر التونسي؟

واتفقت آراء شعراء ونقاد تونسيين -رغم إجاباتهم المختلفة- على توجه يكاد يكون محل إجماع، وهو أن درس الشابي الحقيقي يتمثل في تجاوز الشابي.

لذلك سعت الحلقة إلى تسليط الضوء على تجربة من التجارب المهمة في الشعر التونسي كمثال على محاولات التجاوز، وهي تجربة منصف الوهايبي الشاعر القيرواني المبدع.

عذبة أنت كالطفولة كالأحلام        **   كاللحن كالصباح الجديد
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء    **  كالورد كابتسام الوليد
أنتِ .. ما أنتِ؟ أنتِ رسم عبقري   **   من فن هذا الوجود
أنتِ.. ما أنتِ؟ أنتِ فجر من السحر **  تجلى لقلبي المعمود

بهذه الأبيات من قصيدة "صلوات في هيكل الحب" بدأت حلقة الخميس 28/5/2015 من برنامج "المشاء" والتي استعرضت بعضا من تجربة الشاعر التونسي الذي خلف إرثا شعريا وتجربة فريدة، اختلفت آراء النقاد حولها بين من اعتبرها المحطة التي توقف عندها قطار الشعر التونسي، وآخرين خالفوهم هذا الرأي.

وعبر صوت الراوي تستدعي الحلقة صوت الشابي الذي يكشف أن السماء لفظته إلى هذا العالم الغريب في ليلة الثالث من صفر عام 1327 للهجرة، وفي الخامسة من عمره بعث به والده إلى "المكتب العربي الفرنساوي" بقابس، وبعد أيام تم تحويله إلى الكتّاب ليلبث به بضع سنين يقرأ القرآن، وحينما بلغ الشابي سن الثانية عشرة وجهه والده إلى كلية الزيتونية.

شاعر متغطرس
الباحث التونسي في اللغة والآداب العربية حمادي صمود وصف الشابي بأنه كائن بدا كأنه يبحث عن كون آخر غير الكون الذي يعيش فيه، ولذلك يحاول بشعره أن يمسك بهذا الكون بعض الإمساك، ورأى أن الكتابة عنده هي لهاث دائم وراء شيء لا يستطيع أن يدركه أو أن يمسك به.

مشيرة إلى تميز الشابي، قالت الشاعرة التونسية يسرى فراوي إن الشابي هو صاحب الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة لأنها الحياة والخلق والإبداع والجمال، ومن وجهة نظرها فهو تغطرس على الشعر العربي وعلى ذاكرته الجماعية، ودعا إلى منع المقدس الديني من التدخل في الشعر أو أن يفرض سلطته عليه.

وقالت إن الشابي غطى على جيل شعري كامل مثل الشاعر منور سميدح في عصره، كما غطى على الشعراء الذين تلوه، وأضافت "نحن نحاول أن نتنكر لهذا الخنوع الذي جعل جيلا كاملا من الشعراء يعيش تحت سطوة الشابي".

مدرستان شعريتان
وفي قراءة جديدة لمسيرة الشابي أوضح الشاعر والأكاديمي التونسي منصف الوهايبي أن الشابي كان يطل في اتجاهين برأسين مختلفين، أحدهما يطل على مدرسة شعراء المهجر، والآخر يطل على المدرسة المصرية، وكان صاحب مشروع شعري ورؤية شعرية تتضح عند قراءتنا كتابه "الخيال الشعري عند العرب".

ولاحظ الوهايبي أن الناس يستسيغون الشعر العمودي الذي يخاطب الأذن، ولكنه لا ينشر هذه القصائد لأنها لا تتناسب والأفق الشعري الذي عرف به، وعاب على الشعر العمودي عدم قدرته على استيعاب قوالب الكتابة الحديثة.

واعتبر نفسه تلميذا للمدرسة العراقية الرائدة في الشعر الحديث التي تمثلت في الشعراء: بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة والشاعر الكبير سعد يوسف الذي جعل الشعر أقرب ما يكون إلى لغة الحياة التي تلامس الأشياء.

أما الشاعرة التونسية آمال موسى فدعت إلى الكف عن النظر إلى صورة الشابي في بعدها القومي المقاوم للاستعمار، التي غطت -وفق رأيها- على مناطق أخرى في شعر الشابي لا تخلو من جماليات، ونادت بضرورة البحث عن المقاييس الجمالية التي ابتكرها الشابي برؤية فيها الكثير من الموضوعية والإنصاف بعيدا عن القداسة.

اسم البرنامج: المشّاء

عنوان الحلقة: تونس الشاعرة.. المثال والتمثال

ضيوف الحلقة:

-   حمّادي صمّود/باحث تونسي في اللغة والآداب العربية

-   المنصف الوهايبي/شاعر وأكاديمي تونسي

-   يسرى فراوس/شاعرة تونسية

-   خير الدين الشابي/شاعر

-   وآخرون

تاريخ الحلقة: 28/5/2015

المحاور:

-   أبو القاسم الشابي وحداثة الرؤية

-   جيل كامل من الشعراء تحت سطوة الشابي

-   الخيال الشعري عند العرب

[قصيدة للشاعر أبو القاسم الشابي- بصوت لطفي المسعودي]

عذبة أنت كالطفولة كالأحلام                               كاللحن كالصباح الجديد

كالسَّماء الضَّحُوكِ كاللَّيلَةِ القمراءِ                          كالوردِ كابتسامِ الوليدِ

أَنتِ مَا أَنتِ أَنْتِ رسمٌ جميلٌ                                 عبقريٌّ من فنِّ هذا الوُجُودِ

أنتِ مَا أنتِ أَنتِ فجرٌ من السّحرِ                           تجلَّى لقلبيَ المعمودِ

[مقطع من فيلم " أبو القاسم الشابي.. الواقف على أطلال المستقبل" إنتاج الجزيرة 2009]

تعليق صوتي: في ليلة الثالث من صفر سنة 1327 لفظتني السماء إلى هذا العالم الغريب، لما بلغت الخامسة من سنين حياتي بعث بي والدي وكان إذ ذاك بقابس إلى المكتب العربي الفرنساوي ولكنني لم ألبث به إلا أياماً قلائل حتى أخرجني منه وأرسلني إلى الكُّتاب فلبثت به بضع سنين أقرأ القرآن، ثم ارتحلت مع والدي إلى بلاد كثيرة بالإيالة التونسية ومهما حللنا بالمدينة إلا وقرأت بأحد كتاتيبها إلى أن بلغت الثانية عشرة فوجهني الوالد إلى الكلية الزيتونية فلبثت بها أقرأ.

أبو القاسم الشابي وحداثة الرؤية

حمّادي صمّود/باحث تونسي في اللغة والآداب العربية: الشابي كائن كأنه يبحث عن كون آخر غير الكون الذي وجد نفسه عليه إذاً هو بحث لا ينهي وكأنه جريٌّ ولهاث وراء أمر هو لا يتبينه، ولذلك يحاول بشعره أن يمسك به بعض الإمساك، والكتابة تستمد قوتها عنده من هذا البحث الذي لا يقع على موضوعه ولذلك فالكتابة هي دائماً لهاثٌ وراء شيء لا يستطيع أن يدركه ولا يستطيع أن يحيط به.

يسرى فراوس/شاعرة تونسية: الشابي هو الذي قال عودوا إلى الطبيعة لأن الطبيعة حياة خلق إبداع جمال خيال، الشاعر هو الذي تغطرس على الشعر العربي وعلى ذاكرته الجماعية، الشابي هو الذي قال المقدس الديني لا يجب أن يتدخل في الشعر ولا يجب أن يفرض سلطته عليه.

حمادي صمود: أهم ما جاءت به الرومانتيكية هو خلخلة إن لم أقل تكسير نظرية أرسطو في الفن القائمة على المحاكاة، أرسطو كان يتصور أن الفنان يحاكي نموذجاً موجود خارجه، فجاءت الرومانتيكية وأهم شيء فيها أنها حولت الاتجاه فأصبح النموذج موجود داخل الشاعر.

[مقطع من فيلم " أبو القاسم الشابي.. الواقف على أطلال المستقبل" إنتاج الجزيرة 2009]

تعليق صوتي: الشاعر العربي كالمصور الفوتوغرافي لا يهمه إلا التقاط الصور والأشباح وإظهارها كما هي دون أن يرسم معها صورة من نفسه ولوناً من شعوره، حتى إذا ما تصرف فلا يعدو التزويق والتنميق إن في هؤلاء الشعراء من يعرف كيف يجبل الطين ولكن ليس فيهم من يعرف كيف ينفخ فيه روح الحياة، ولو شئت أن آتي بأمثلة كثيرة من الشعر العربي الذي لا فرق بينه وبين الخطب إلا في الوزن والقافية لضاق المجال.

المنصف الوهايبي/شاعر وأكاديمي تونسي: الشابي أنا أقول كأنه كان يطل برأسين في اتجاهين، معناه هو في نفس الوقت يطل في اتجاه مدرسة المهجر ويترسم خطى جبران وميخائيل نعيمة وكل هؤلاء الشعراء الذين أحبهم وفي نفس الوقت يطل باتجاه المدرسة المصرية والتي كانت عرفت في تلك الفترة كما أنه عند شوقي مثلاً بمحافظته على السنن اللغوية ورواسم التراث وما إلى ذلك، الشابي كان صاحب مشروع شعري كان صاحب رؤية شعرية ومن هذا الجانب يمكن أن ننظر إلى كتابه "الخيال الشعري عند العرب"، الشابي كأنه أراد أن يصفي في هذا الكتاب علاقته بالموروث الشعري.

جيل كامل من الشعراء تحت سطوة الشابي

يسرى فراوس: الشابي غطى على جيل شعري كامل غطى على منور صمادح مثلاً في عصره غطى على الشعراء الذين تلوه، فنحن نحاول أن نتنكر حتى لهذا الخنوع الذي جعل جيلاً كاملاً يعيش تحت سطوة الشابي ويحاول أن يخرج من جلبابه دون أن يستطيع لأن الشابي قوة خارجية تجعله شاعر تونس الوحيد.

المنصف الوهايبي: كل شعراء تونس اللي ظهروا بعد الشابي كان انتشارهم محدود ولهذا البعض يقول: "الشابي هو الشجرة التي تخفي الغابة"، قد يكون في هذا القول مقدار من الصواب.

حمادي صمود: تونس لم يتم لها إلى الآن شيء كهذا هناك الآن تجارب شعرية كبرى وهناك شعراء مهمين في تونس ولهم دواوين مهمة وقصائد مهمة لكنهم لما يصلوا إلى اليوم إلى أن يكونوا مرجع في الصف الأمامي، كما كان الشابي مرجع ضمن صف هو الصف الأمامي، وهذا في رأيي هو الذي أعطى الشابي هذا البعد الرمزي.

خير الدين الشابي/شاعر: طبعاً نحن لا نستطيع يعني أن نفصل تجربتنا عن هؤلاء الشعراء الكبار وقد تأثرنا يعني بكثير منهم وإنما هنالك يعني مضامين جديدة في الشعر هنالك التجديد في اللغة فيعني شخصيتي شخصياً أنا في كتاباتي كنت يعني بأسلوب يعني بعيد كل البعد عن هؤلاء القدامى الذين كتبوا في جميع المشارب الأدبية، أبو القاسم الشابي كان عندما كتب "صلوات في هيكل الحب" كتب بطريقته الخاصة وبالمرأة التي يذكرها في تلك الفترة وإنما خير الدين الشابي أصبح يتعايش مع امرأة يعني متحررة إلى أبعد الحدود، يعني مثلما أقول:

لا تلمني يا صديقي إذا ذبحتُ عواطفي

وسحبتُ من عهد الطفولة شيبي

لأني كلما قبلتُ امرأةً إلا

وأدخلت يدّها في جيبي

إذاً فالموضوع تغير كلياً كذلك في الكتابة الوطنية كذلك في العديد من المشارب الإبداعية، وبالتالي لابد لكل جيل يعني لغته الخاصة ولكل جيل يعني إبداعه الخاص.

المنصف الوهايبي: الشابي هو يجب أن نعيده إلينا نحن قبل أن تفتكه منا السلطة، طبيعي الدول والسلطة عادة تفتك هذه الرموز فيصبح الشابي وكأنه شاعر لدولة الاستقلال.

فاضل الجزيري/مسرحي وسينمائي تونسي: الحبيب بورقيبة استعمل برّشا الشابي، الجنوب دائما السياسي ليس دائماً عنده ذكاء بأنه يجيء يكبر الصورة ليقرب الناس لبعضها، وقت إلي تأخذ شاعر من الجنوب وتحطه هو كعلامة دالة كبيرة على المشروع الجديد للدولة.

آمال موسى/شاعرة تونسية: كفانا من صورة الشابي في بعده القومي والمقاوم للاستعمار يعني هذه التأشيرة التي دخل من خلالها إلى الكثير من النخب العربية قد غطت مناطق أخرى لا تخلو من الجمالية لا تخلو من العطاء لا تخلو من العمق أيضاً هذه فرصة استثنائية للحفر في هذه المناطق التي تشكو من عتمة حقيقية لا بد من أن ننظر فيها ونحفر فيها ونبحث عن البعد الكوني في تجربة الشابي عن البعد الذاتي في تجربة الشابي عن المقاييس الجمالية التي ابتكرها قراءة هذا الشاعر ورصيد هذا الشاعر برؤية فيها الكثير من الموضوعية بعيداً عن الهيبة بعيداً عن القداسة، ولكن فيها الكثير من الإنصاف أيضاً، يجب أن يقرأ الشابي قراءة أخرى قراءة تمنح حقه الكوني لأنه هو شاعر كوني.

[قصيدة لحن الحياة للشاعر أبي القاسم الشابي"]

إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة          فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ

ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي     ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ

ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة          تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ

[نشيد الجبار للشاعر أبي القاسم الشابي]

سأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأعْداءِ             كالنّسْرِ فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ

أرْنو إلى الشَّمْسِ المُضيئَةِ                هازِئًا بالسُّحْبِ والأمْطارِ والأنْواءِ

النّورُ في قلبي وبَيْنَ جوانِحي            فَعَلامَ أخشى السَّيْرَ في الظَّلْماءِ

[ألا أيها الظّالم المستبدُ للشاعر أبي القاسم الشابي]

ألا أيها الظَّالمُ المستبدُ  حَبيبُ الظَّلامِ            عَدوُّ الحياهْ

سَخَرْتَ بأنّاتِ شَعْبٍ ضَعيفٍ                     وكفُّكَ مخضوبةُ من دِماهُ

رُوَيدَكَ! لا يخدعنْك الربيعُ                        وصحوُ الفَضاءِ، وضوءُ الصباحْ

حذارِ! فتحت الرّمادِ اللهيبُ                        ومَن يَبْذُرِ الشَّوكَ يَجْنِ الجراحْ

[قصيدة فلسفة الثعبان المقدس للشاعر أبي القاسم الشابي]

وَسَعَادةُ الضَّعفاءِ جُرْمٌ ما لَهُ             عند القويِّ سوى أشدِّ عِقَاب!

ولتشهد- الدنيا التي غَنَّيْتَها                حُلْمَ الشَّبابِ، وَرَوعةَ الإعجابِ

أنَّ السَّلاَمَ حَقِيقةٌ مَكْذُوبةٌ                  والعَدْلَ فَلْسَفَةُ اللّهيبِ الخابي

لا عَدْلَ إلا إنْ تعَادَلَتِ القوَى            وتَصَادَمَ الإرهابُ بالإرهاب

إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة          فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ

ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي              ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ

[فاصل إعلاني]

[قصيدة أقبل الصبح يغني للشاعر أبي القاسم الشابي]

أَقْبَلَ الصُّبْحُ يُغنِّي                 للحياةِ النَّاعِسَهْ

والرُّبى تَحلمُ في ظِلِّ             الغُصونِ المائِسَهْ

والصَّبا تُرْقِصُ أَوراقَ           الزُّهورِ اليابسَهْ

واتبعِيني يا شِياهي               بَيْنَ أَسرابِ الطُّيورْ

واملإِي الوادي                    ثُغاءً ومِراحاً وحُبُورْ

واسمعي هَمْسَ السَّواقي         وانشقي عِطْرَ الزُّهُورْ

وانظري الوادي يُغَشِّيهِ          الضَّبابُ المُسْتَنيرْ

يسرى فراوس: نما بالشابي نزعة إلى الحرية إلى الهدم ثم البناء ونحن بعيدون كل البعد عن قصيد عمودي لم يستطيع أن يتخلص منه الشابي، أنا أكتب قصيدة النثر لا أستطيع أن أكون الشابي معناها بطبيعة الأشياء لا يمكن أن أكون متسربلة بالشابي.

حمادي صمود: لا أرى موجب ولا أرى دافع أو ولا أرى داعياً يدعو الأساتذة الذين يدرسون في الثانوي أو في الجامعة إلى أن يجعلوا من الشابي أيقونة، الشابي رمز ليس أيقونة، الشابي رمز، وأعيد فأقول إذا كنتم تعتقدون أن بناء الرموز سهل فهاتوا فابنوا لنا رموزاً الرموز لا تبنى حتى بأحذق الأساتذة الجامعيين، أنت لا تستطيع أن تأسطر إلا ما فيه دواعي الأسطرة وهو قابل لئن يأسطر.

عز الدين المدني/كاتب مسرحي تونسي: الكاتب مش مقلد يلزمه هو يكتب بالقلم بتاعه وبالحبر بتاعه وبفكره هو هو لأنه شيء يهتم بشخصه وبفكره وبتكوينه مش يقلد الآخرين لا يجب أن أقول بأنه يقلد الآخرين، معناه هو ما عنده شخصية ما عنده ذاتية شيء ما عنده، طرحت القضية هذه الأساسية على ايش الشابي نحبه لأنه هو خرج بحاجة، على إيش نحب إحنا البشير خريف لأن هو خرج بحاجة، على إيش الدواعج نحبه على خاطر هو خرج بحاجة، لقد خدموا المبدعين، مش الآخرين مش إلي يقلد اللي جاي يقلد شو يعمل؟! ينظم بتاع شعره لأ ما إلنا حاجة به، كانت ثورة فكرية هي بالحقيقة هذه الأدب التجريبي والطليعة على الأوضاع الأدبية المزرية، الأوضاع الفكرية المزرية الأوضاع الفنية لأن وقع في الأدب التجريبي وقع ما بين الكتابة وما بين أيضاً الفنون التشكيلية وثمة جاءوا ناس يعرفوا موسيقى وعملنا نادي الخميس ونادي الخميس كان نادي الخميس هذا كان يجمع ما بين كتاب شعراء موسيقيين فنانين تشكيليين، شو يكونوا هم الفنانين التشكيليين وكبيرهم وقتها نجيب بلخوجة، هذاك تستفيد كيف نقول من شعره أما اللي يردد لي كيف نبكي من ذكرى حبيب ومنزل، مش معقول معناتها لا بد من التراكم وامتلاء التجارب مش بتاع تونس فقط مش بتاع العرب فقط لا بتاع العالم، نرجع لحكاية الشكل، الشكل معناها في مسألة القصة مثلاً ومسألة المسرح ومسألة أيضاً الشعر لا بد الشعر هو يكون أيضاً في العروض لا، لأن الشعرية كاملة عند الشاعر.

تعليق صوتي: إن فريقاً من متطرفي المدرسة الحديثة لا يعدل بحرية الفن شيئا ولا يحفل في سبيل ذلك حتى بقواعد اللغة وأصولها غير أن صدى هذه الطائفة سيفنى مع الزمان فهو ليس إلا طفرة جامحة ككل الطفرات التي تصحب كل انقلاب في حماسة الدعاية الأولى، لا يهمك بعد أن تجد التصوير الصادق والتعبير الصحيح أكان ذلك الشعر غنائياً أم كان قصصياً أم كان تمثيلياً وإنما الذي كان يهمك بعد ذلك كان هو أن تعرف هل أنك تقرأ مثلاً أعلى من الشعر الإنساني أو أنك تقرأ مثلاً دون ذلك.

فتحي نصري/شاعر وأستاذ جامعي تونسي: المنصف أنت في الأمسيات تقرأ قصائد عمودية تنال إعجاب الجمهور منها قصيدة الأمة ولكن لا تنشرها في مجموعاتك الشعرية هل تعتبر أن الشكل العمودي غير قادر على احتضان الرؤية الشعرية الحديثة؟

المنصف الوهايبي: طبعاً ألاحظ دائماً في المناسبات السياسية والنقابية الناس لا يستسيغون إلا هذا الشعر الذي يخاطب الأذن لنقل معنى هذا النوع من الشعر العمودي الذي هو ينضوي أكثر إلى ثقافة الأذن وليس إلى ثقافة العقل أو ثقافة العين كما يقول أهل الفلسفة، طبعاً أنا لا أنشر هذا الشعر في المجاميع الشعرية ولكن لأسباب قد تكون سياسية قد تتصل برغبة الناس في الاستماع إلى هذا النوع من القصائد الاستجابة لهم هذا يحدث بالفعل ولكنني لا أنشر هذه القصائد في أي من مجاميعي الشعرية لأسباب كثيرة من أنها لا تناسب الأفق الشعري الذي عُرفت به بما يتعلق بالمدن والحيوانات وعالم الأشياء وما إلى ذلك ثم من ناحية أخرى قصيدة البيت إذا أردت أو الشكل العمودي يصعب أن يستوعب اللحظة الشعرية أو أن يستوعب طرائق الكتابة الحديثة.

فتحي نصري: ألا يمثل ذلك انفصاماً في شخصية الشاعر؟

المنصف الوهايبي: نحن كائنات منفصمة طبعاً نحن نعيش في ثقافة عربية مرتبكة جداً منذ حوالي قرن بطبيعة الحال..

فتحي نصري: ولكن ثمة شعر للمناسبات وشعر للقراء؟

المنصف الوهايبي: نحن شخصيات أحيانا يعيش في أذهاننا ماركس وسيدي عبد القادر معناها الاثنان يعيشان معاً.

تعليق صوتي: هكذا هبط الإنسان الأرض مزودا بتلك الغريزة الشاعرة أما جبران فقد كان روحاً شعرية حالمة وفكرة صوفية هائمة وأنشودة سماوية ناعمة ومن لا يحركه أدب جبران ولا يثير نفسه فإنما هو روح مقفرة وقلب مهدوم.

فتحي نصري: المنصف كثيراً يعني ما رد الشعر المغاربي في تونس وفي الجزائر وفي المغرب وحتى في ليبيا مهما كانت أهمية التجربة إلى أصول له في المشرق، هل تعتبر أن لك آباء من الشعراء يعني في المشرق العربي وما هي التجارب الشعرية المشرقية التي تعجبك؟

المنصف الوهايبي: أنا أعتبر نفسي تلميذاً لا أستحي من ذلك لأقول المدرسة العراقية الرائدة في الشعر العربي الحديث والتي أفاد منها أكثر شعراء العربية، وأقصد هنا السياب، السياب بالدرجة الأولى، وعبد الوهاب البياتي الذي ربطتني به في وقت من الأوقات ربطتني به الصداقة ونازك الملائكة ويمكن أيضاً أن أشير إلى الشاعر الكبير وهو سعد يوسف الذي أقرأه باستمرار طبعاً وأظن أن هناك جيلاً من الشعراء العرب أفادوا كثيراً من تجربة سعد يوسف وفي طريقته في جعل الشعر أقرب ما يكون إلى المعيش واليوم ولغة الحياة، هي العربية ولكن العربية تكاد تكون التي تلامس الأشياء.

الخيال الشعري عند العرب

تعليق صوتي: إن الإنسان شاعر بطبعه في جبلته يكمن الشعر وفي روحه يترنم البيان، أما الخيال فهو ضروري للإنسان كالنور والماء والهواء والسماء.

فتحي نصري: المنصف الوهايبي إذاً في تجربته الشعرية يمكن أن ندرجه في شعرية اللغة وبهذا المعنى يمكن أن نعتبر أن المنصف الوهايبي عندما أصدر مجموعاته الشعرية الأولى ساهم في تعديل ساعة الشعر التونسي بأن أدرجه في التحولات الشعرية العربية، غير أننا لا يمكن أن نختزل تجربة الوهايبي فيما يمكن أن نسميه شاعرية اللغة ذلك أنه المنصف الوهايبي هو ابتداء من مجموعته الشعرية الثانية بدأ في استثمار ما يسمى بشاعرية التخييل أو ما يمكن أن يسمى بشاعرية التخييل وهي شاعرية توظف الخيال وتستثمر التخييل السردي في بناء القصيدة الشاعرية الحديثة.

تعليق صوتي: نحن من أبناء الحياة ولهذا فلا ينبغي أن يسمو الإعجاب لدينا إلى التقديس والعبادة والتقليد فهذا ما لا نسمح به لأنفسنا لأن لكل عصر حياته التي يحياها ولكل حياة أدبها التي تنفخ فيه من روحها القشيب.

فاضل الجزيري: بصفة عامة التقديس موجود في الثقافة مش خاصة بالشابي مؤرخين هم إلي قاموا بهذه العملية بتاعت التقديس هذه، يا من درى وقت إلي نرجعه لصورته الحقيقية كما نتصورها إحنا يا من درى نحن نسب فيه ولا قاعدين نهدي له بشيء كبير نرجع له إنسانيته.

آمال موسى: من حقها علينا ومن واجبنا أيضاً كشعراء ونقاد أن ننصفه وننصف أفكاره وأن نقابل الإخلاص بالإنصاف.

فاضل الجزيري: ورثنا عنه المشروع هو إلي علمنا هو إلي حفظنا هو إلي مكنّا لنكتب شعرا، قمنا بمشروع المسرح الجديد في تونس في السنين تلك معناها الشابي حاضر معنا.

يسرى فراوس: ملتصق بشكل كبير بذاكرتي الصافية المعبأة بالخيال والخيال الخصب بكثير من الحنين وبرغبة في كل مرة العودة إلى الأصل التونسي توق إلى الإنعتاق علمني إياه الشابي وأنا طفلة.

[قصيدة للشاعر المنصف الوهايبي]

مطر يتساقط ثم يرمم أجراس بلوره بالغبار

ويخلطها بالتراب لأقولن عن الأمطار إذاً

ما قلتُ عن الأشجار قديماً

هي أيضاً بيوتٌ ولكنها لسوانا

ولكن أحجارها تتنظر

إذا تتساقط منحلة في خيوط الهواء

سأقول إذاَ هي مثل الشجر

فضلة البحر منذورة لذوات الجناحي

أرض لمن يملكون السماء

وأقول المطر لم يكن غير معمار هذا الفضاء

هل كانت إذاَ لطخة حبر ما استوقفني

وأنا أكتب كالأعشى أعني أمشي في كلماتي

مشي السحابة أم هي قطرة ماء لزقة

سقطت من غير الماء فوق الربع الخالي

في القرن السادس للميلاد وكانت أجمل ما في الورقة