من الشعر إلى المسرح، ومن القصيدة الغنائية إلى الدرامية والكتابة التي تتعدد فيها الأصوات جال الشاعر والمسرحي التونسي حسن المؤذن في عالم واحد متعدد، فـ"الدراما حتى وإن كتبت نثرا فإن أفقها الشعر".

في حلقة المشاء 12/3/2015 عدنا مع المؤذن إلى المهدية مسقط رأسه، إلى دروبها في البر والبحر، المدينة التي تعاقب عليها البناة والهدامون، وكتبت تاريخها بيدها حربا وسلما.

مدينة البحر تحضر في أعماله ويقول إن صور البحارة لا تنسى وهم يعدون مراكبهم للخروج، كما لا تنسى أيام العواصف والنساء اللواتي ينتظرن رجالهن على حافة الميناء.

ويضيف أن الذاكرة تختزن هذه التفاصيل وتؤثر في الكتابة بما فيها من حكايات واستعارات البحارة في أحاديثهم.

يذكر المؤذن مشادة بين بحار وعامل، فيقول البحار "من أنت؟ هل ولدتك أمك ولادة طبيعية؟ يرد العامل: ولدت من حبة ملح، وإذا احتضنتك أم فأنا احتضنتني موجة" ليضرب مثلا على الإبداع التلقائي المبني على أصوات البشر المعجونة إبداعيا بالتراب والماء.

مدينة الأمواج
يرى المؤذن في مدينته المهدية التفاصيل الصغيرة التي تحمل الرواية الكبرى، فها هي المدينة العتيقة تضم كل الصور والذكريات والأحاسيس التي شكلته، بما فيها من فضاء هندسي وخطوط وألوان "فلا يمكن أن تنسى زرقة البحر أو تغيب الجدران البيضاء والزخارف المنقوشة وروائح التوابل، خصوصا الفلفل الأحمر حين ينشر في الشمس والأسماك في الميناء بألوانها الفضية المتراقصة".

يشير أيضا إلى أن فضاء المدينة تواصلي منذ القدم، والحضارات تتراكم وتترك أثرها واحدة تلو أخرى، مثلما تتعاقب المآسي والحروب.

يذهب ضيف المشاء إلى تاريخ مدينته وتاريخ العرب والمسلمين لا ليحاكيه بل ليستنطقه من جديد.

يقول إنه اهتم بالتأصيل المسرحي ليس من زاوية استغلال الأشكال التي عرفها المجتمع العربي وقيل إنها تحمل سمات مسرحية، وإنما رجوع إلى مقولات حيوية كالتخييل، ذلك المصطلح الذي نحته العرب بعيدا عن المحاكاة التي وردت في فن الشعر عند أرسطو، فالمحاكاة تحيل إلى المحسوس والتخييل يحيل إلى اللامرئي واللامحسوس، بحسب قوله.

كشف المؤذن للمشاء عن مشروعه الجديد وهو نص مسرحي ينطلق من سيرة ابن خلدون، ولكنه ليس نصا تاريخيا إنما متخيل، يلتقط الجانب المأساوي في رحلة ابن خلدون شرقا وغربا، وبطريقة درامية تقرأ الفاجعة التي عرفها العالم العربي الإسلامي بهجوم التتار وبداية سقوط الأندلس.

اسم البرنامج: المشّاء

عنوان الحلقة: حسن المؤذن يكتب بالأزرق

ضيوف الحلقة:

-   حسن المؤذن/مسرحي وشاعر تونسي

-   وداد عبد العزيز/شاعرة من المهدية

-   رضا بوصفارة/مؤرخ وعالم آثار تونسي

تاريخ الحلقة: 12/3/2015

المحاور:

-   طفولة بين مرافئ البحر

-   المهدية في قلب الزمن

-   مقاربات فنية تمتد من التخييل والتصحيف إلى التضعيف

-   إبداع الحاضر من خلال الماضي

المشّاء: لا يشعر المشاؤون بتعب يضاهي تعبهم وهم يمرون بمسقط الرأس، وحدها القدمُ تكتشفُ هنا كثافة العمر، في المهدية يا زاد سأبطئ السير لأنتظر موجةً عائدةً من المهد إلى القبورِ القديمة، أقلي عن ظلي يا زاد واسترقي السمع لهمس المؤذن.

زاد: جنةٌ هي المهدية، تعاقبَ عليها البناة والهدامون والبحرُ شاهد على صبرها وقبرها، أبعدنا حسن المؤذن عن رقحه في العاصمة تونس وأعدناه إلى مسقط الرأس عارم مما علق به فيما تلا المهدية لا نقصد مسرحك ولا شعرك يا مؤذن بقدر ما نريد ما بقي من لعبك ولُعابك فيهما، هيا أرنا دروب الطفولة واعجن المهدية بالقيروان وبالأندلس وباليمن السعيد وكأنها من صلصال، تصّور لو كانت لك جنةٌ من صلصال ماذا كنت فاعلاً بنا في مسرحك يا مؤذن.

[قصيدة- حسن المؤذن]

وحدي بين هذه الأطلال كنخلة

صعقها الرعد

أريد أن أبكي كالأنهار

أن أنطوي على نفسي وأتجهم

كليل دون قمر

ادخلوا أيها الفاتحون

أدخلوا أبواب منازلنا مشرعة

غذاؤنا ساخن فكلوه هنيئا

واشربوا من منعش الماء في أباريقنا

وبعد هذا الحصار الطويل

لكم أحلام أسرتنا فخذوها

خذوا الأعمدة الشامخة

والقباب المرصعة بالنجوم

والجدران الموشاة والرخام المخرم

والكتب المحفوظة في جلد الغزال

خذوا قصص الحب ومآثر الفرسان

والغزل الرقيق والأغنيات

فأنا آدم الجنتين فقدتهما مرتين

وداد عبد العزيز: الميناء مخزن حكايا البحارة ولكل سفينة حكايا، ما مدى حضور البحر في أعمالك الفنية؟

طفولة بين مرافئ البحر

حسن المؤذن: البحر يرجع إلى الطفولة المبكرة أعتقد أن عشت قريب جداً من هذا الميناء والدي كان له دكان حداد غير بعيد هناك، هناك بالطبع صور لا تنسى البحارة وهم يعدُّون يعني مراكبهم للخروج، خروجهم عودتهم أيام العواصف، النساء اللواتي ينتظرن رجالهن يعني على حافة الميناء هل يعودوا أو لا يعودوا، كل هذه الصور تختزن في الذاكرة، وبالطبع لها أثر ما على كتاباتك أحياناً ليس بطريقة مباشرة كما أشرت يعني الحكايات التي هي يحكيها البحارة أنفسهم كيف يتكلمون ما هي الاستعارات التي يستعملونها، أذكر حكاية بسيطة يمكن أن تجيبك على هذا السؤال أثناء مشادة بين بحار الريس إن شئنا ومتعلم، المشادة يعني أغضبت الريس ومنها أجابها من أنت؟ إن كانت أمك ولدتك ولادة طبيعية فأنا ولدت من حبة ملح، إن كانت أمك هي التي احتضنتك فأنا المولى هي التي احتضنتني، يعني نلاحظ هنا قوة الصورة ويعني وقدرة كبيرة على ابتكار الصورة التي تعبر عن الحالة الانفعالية ويكفي الشاعر أن يلتقط أحياناً بعض العبارات أو بعض الصور ليبني انطلاقاً منها قصيدة.

[قصيدة- حسن المؤذن]

البذرة إلي خلقتني كانت حبة ملح

والموجة قماط وفطام

بحار وعلى ذراعي مخطاف ومقذاف وشامة

 نحكي للمد إذا صحت

وللصباح إذا لاح

الشمس والضو والرغيف

والسواعد التي تجاهد للنساء

مزوقة عيونها من السهر

تستنى رجالها ما تتهنى

وفي عمق الهم عمق صوتي

بكار لا  تهزه ولا رياح

في عمق الآه إلي تطرح الصوت والكلام

نحكي بالجباهِ إلي سوادها البرد

والسرد وشيحتها المرارة

للشرق حياة وكفاح وما عاش يوم مرتاح

نحكي ورغي الموجة صوتي

تطلع قوية فوق وتتكسر على الصخرة

والصخور صخور قديمة

مبنجة بالدم والظلام

تفنى تفنى يا شامة

محتوم تفنى

وتبطلها غضبة الموج والبوام

حسن المؤذن: المهدية باعتبارها مدينة متوسطية لعبت دور هام جداً في البحر الأبيض المتوسط، وكانت لها علاقات مع مدن متوسطية أخرى في الضفة الأخرى في صقلية والأندلس إلى غير ذلك وشهدت يعني صراعات وحروب فعاشت الدمار إلى غير ذلك، إذاً المسألة تتعلق بالآخر وبثقافة الآخر ماذا يأخذ مني وماذا أعطيه؟ حسنا إن شئنا الإنساني ينمو عبر هذا التفاعل إذاً استلهمت مواضيع أحياناً انطلاقا من تاريخنا إحنا الخاص أو انطلاقا من نصوصنا أخرى أحياناً أفككها وأستنطقها انطلاقاً من الآخر إن شئنا البحوث التاريخي.

زاد: منذ عقود وهذا العالم الفاضل رضا بوصفارة يقرع أجراس الانتباه لأسوار قد تهوي ولأبراج قد تحجب عنها الرؤية بسبب شجع التجار، يقيم كل جدار وكأن تحته كنزاً لأجيال صالحة ستأتي بعد حين.

المهدية في قلب الزمن

رضا بوصفارة: تعود أول الشواهد الأثرية والتاريخية ل لمدينة المهدية إلى حوالي القرن الخامس أو السادس قبل الميلاد حيث أن المهدية شهدت تواجد للحضارة الفينيقية البونية وذلك عبر ميناء تجاري وقع نقله في الحجارة الصلدة، المهدية دخلت التاريخ إذا صح التعبير من بابه الكبير في أوائل القرن العاشر ميلادي أوائل القرن الرابع هجري وذلك في ظروف سياسية تميزت بظهور الدولة الفاطمية واستقرارها على حساب دولة الأغلبية في القيروان، قرر أن يبني عاصمة جديدة له في شبه الجزيرة المحصنة من ثلاث جهات بصفة طبيعية، ودام بناء هذه المدينة 6 سنوات من سنة 303 هجري إلى سنة 308 هجري الموافق لسنة 916 ميلادي إلى سنة 921 ميلادي قام ببناء أسوار بحرية يعني على طول الساحل البحري وكذلك سواحل برية يعني منيعة جداً مكّنت الدولة الفاطمية من تعدي عقبات عديدة وثورات هامة وخاصة منها ما تسمى بثورة صاحب الحمار مخلد بن كيداد الزناتي الخارجي الذي يعني ثار على الفاطميين وتمكن من الاستحواذ على القيروان ومن بسط نفوذه تقريباً على كامل إفريقيا إلى أن وصل على مشارف مدينة المهدية، انطلاقا من هذه الواقعة يعني بدأت الدولة الفاطمية في بسط نفوذها على كامل شمال أفريقيا لكن كان همهم وشاغلهم الرئيسي هو الانتشار شرقا، حيث جهزوا جيوش كبيرة فتحوا بها ليبيا الحالية طرابلس ثم خاصة مصر، وقامت الجيوش الفاطمية بالاستحواذ على هذه المنطقة وبناء عاصمة جديدة ومدينة جديدة قرب الفسطاط قرروا أن يسموها القاهرة أي قاهرة بغداد، وعندها انتقل الفاطميون بثقلهم بحاشيتهم بأموالهم وبأرزاقهم إلى القاهرة حيث أن هدفهم كان مجابهة الدولة العباسية أي مجابهة بغداد.

وداد عبد العزيز: ما هو الدور الذي لعبته مدينة المهدية خلال الحقبة العثمانية؟

حسن المؤذن: خلال الفترة العثمانية وإن فقدت المهدية دورها الرئيسي على المستوى السياسي أي فقدت يعني دورها كعاصمة لفائدة تونس فإنها بفضل يعني حصونها المنيعة وأسوارها العالية وكذلك بفضل مينائها المحمي بقيت تلعب دوراً اقتصادياً وخاصة تجارياً هاماً وخاصة كانت تلعب دوراً عسكرياُ يعني كبيراً جداً في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، وخلال تلك الفترة كان التطاحن ما بين الخلافة العثمانية شرقاً والدولة الإمبراطورية الإسبانية غرباً يعني كانت ميناء المهدية ملجأ وملاذاً للقراصنة العثمانيين مما دفع الأسبان إلى محاصرة المهدية مدة شهور عديدة وقاموا يعني بمهاجمتها بطريق المدافع وتمكنوا بعد 6 أشهر سنة 1550 ميلادي من تهديم أسوارها ومن احتلالها، ثم بقوا بها 5 سنوات غادروها إثرها بعد تهديمها كلياً عندها رجع إليها العثمانيون واستقروا فيها.

[فاصل إعلاني]

زاد: طبعاً عندما تولد بين المد والجزر لا بد أن تفكر لاحقاً في التخييل والتصحيف والتضعيف وأن تتجاوز المحاكاة التي ولدت ذات يوم على شاطئ مقابل.

مقاربات فنية تمتد من التخييل والتصحيف إلى التضعيف

وداد عبد العزيز: سيد حسن منذ قليل أشرت للجماليات العربية الإسلامية فهل تحدثنا عن آثارها في مقاربتك الفنية؟

حسن المؤذن: اهتممت كثيراً بمسألة التأصيل في المسرح لكن ليس من زاوية استغلال التعبيرات ما قبل المسرحية أو بعض الأشكال التي عرفها المجتمع العربي الإسلامي كتعبيرات قيل أنها مسرحية لكن بالأساس من زاوية تأصيل المفاهيم من الناحية الفلسفية ومن الناحية الفنية بالرجوع إلى مقولات هامة مثل ما قلت التخييل مثلاُ نعرف أن التخييل مسألة في تنظيرات الشعرية العربية مسألة على درجة كبيرة من الأهمية، إذا كان أرسطو يعني اعتبر المحاكاة كأساس لمختلف الفنون حتى التعليقات الأولى عن كتاب فن الشعر لأرسطو نحته العرب يعني مفهوم التخييل وكأن المحاكاة كمقولة لا تكفي وحدها وهذا شيء هام جداً، لأنه المحاكاة تحيلنا إلى المحسوس في حين أن مفهوم التخييل يحيلنا إلى عالم للعالم اللامرئي للعالم اللامحسوس، اشتغلت أيضاً على مفهوم التصحيف يعني أن الفنان ليس مطالبا إن شئنا بتجسيد الواقع كما هو وإنما يغير في هذا الواقع، وكأن هذا الواقع يدخل في طريقة ما في مصنع الفنان، التغفيل أيضاً مفهوم أعتبره هاماً وهو أن الفنان العربي المسلم حتى وهو ينظر إلى شيء ملموس يعني مجسد ورقة أو شجرة أو كذا يكاد يختزلها في معادلة رياضية.

وداد عبد العزيز: آخر ما كتبت يا حسن؟

حسن المؤذن: حالياً أنا بصدد الاشتغال على نص مسرحي يعني ينطلق من سيرة ابن خلدون يعني لكن هو ليس نص تاريخي وإنما هو تناول فني إن شئنا متخيل لهذه السيرة رحلة ابن خلدون إن شئنا شرقاً وغرباً بطريقة درامية، حاولت أن ألتقط يعني الجانب المأساوي التراجيدي إن شئنا في هذه الرحلة وأمام الفاجعة التي عرفها العالم العربي الإسلامي في ذلك الوقت هجوم التتار تفكك وحدة المجتمع العربي الإسلامي بداية سقوط الأندلس إلى غير ذلك يعني.

وداد عبد العزيز: لو تمتعنا بمقطع أخير من نصك.

[قصيدة- حسن المؤذن]

احترقت قدمي في بلاد الزاب

ونمت مع النسور على قمم الأطلس

وشيخ الملثمين في لمتونة أهداني خاتم أسلافه

عرفت الماء السلسال في قلوبٍ كالصبوان

والعفن تحت الحرير وأبهة الملابس

نادمتُ الملوك إلى أن تعرت الروح منهم

وشربت من زقِّ النبيذ الصدئ مع بحارة سيلا

رأيتُ الأمراء يُورثون قميص الفتنة والدم

فكان النصلُ المزين مقبضه بسم الله

ينغرس عميقاً في اللحم الساخن

رأيت الوزراء يسلبُون ما يحرسون

والفقهاء كلامهم كمسكوكات الزيف

والجهلاء يجمعون الحطب للكتب

وقد صار لهم الإذلال جِبِلة لا يعرفون سواها

أوبئة وجحافل أعراب تحرق وتبيد

وسنابك خيلٍ وويلٌ أبواب مشرعة

وشواطئ مستباحة

شوكةٌ إلى وهن وعروش إلى عفنٍ

إبداع الحاضر من خلال الماضي

وداد عبد العزيز: مدينة المهدية مدينة مثقلة بالتاريخ مثقلة بتواتر وزخم حضاري كبير فما مدى تأثرك ووجود هذا الزخم في كتاباتك وفي إبداعاتك الفنية؟

حسن المؤذن: المدينة العتيقة عندما تُقضي فيها طفولتك وتُقضي فيها يعني فترة شبابك يعني هي كل الصور وكل الذكريات وكل الأحاسيس التي نحتتك، هي أولاً فضاء مُعاش فضاء هندسي، أشكال، خطوط، ألوان لا يمكن أن تنسى مثلاً أزرق البحر، لا يمكن أن تغيب عنك يعني الجدران البيضاء ألوان الأبواب الزخارف المنقوشة على هذه الأبواب، أنت تستبطن كل هذا، الروائح روائح التوابل روائح الفلفل الأحمر ينشر للشمس يعني الأسماك في الميناء، الأسماك في السوق وألوانها الفضية المتراقصة، أشعة الشمس عند المغيب يعني وأنت أمام البحر، ثانياً المدينة كفضاء هي فضاء تواصل حكايات أناس عرفتهم هذا كله أيضاً قد تجد له صدى بعد ذلك في أثرك الفني أو في مسرحياتك كذاكرة تاريخية، ثالثاً المهدية يعني هي حضارات وتراكم تراكم أمواج يعني من الأجيال التي سكنت هذا المكان يعني ومرت بما مرت به تونس يعني من فترات منها يعني المأساوي شهدت بناء دول وانهيار دول إلى غير ذلك يعني، وهذا كما قرأناه في التاريخ يعني وصلتنا أيضاً أشياء حيث يتقاطع التاريخ مع الأسطورة ويتقاطع مع حكايات متخيلة إلى غير ذلك، هذه الصور هذه الأحاسيس هذه التخيلات يعني هي أدوات إن شئنا ومفردات الكاتب ولو بصفة لا واعية، إذاً هنالك فعلاً نوع من الجدل في الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية حيث حكايتك الشخصية هي نفسها تتداخل في ذاكرة أعم وهي ذاكرة المدينة التي تنتمي إليها.

وداد عبد العزيز: سيد حسن كيف انتقلت من الشعر للمسرح؟

حسن المؤذن: في الواقع أرى أنه امتداد يعني ليس انتقال نوعي، لم أخرج من دائرة الشعر كل ما هناك إن شئنا انتقلت من القصيدة الغنائية إلى القصيدة الدرامية، القصيدة التي تعتمد الصوت الواحد إلى إلقاء القصيد أو الكتابة التي تستدعي تعدد أصوات، وبالتالي تجد نفسك يعني في الدراما، الدراما حتى وإن كتبت نثراً فإن أفقها يبقى الشعر.

زاد: المهدية زبدة البحر وزبد اليابسة حباها الله وتجاهلها الحكام وهم يعودون من الحروب إلى الهروب، وربما نثرت لذلك قبورها على الشاطئ ليتذكر الأحياء بأن المهدية أبقى عمراً وأنقى سريرة من كل من حكمها ولجمها انظروا كيف تحول القصور بالحجر الدارس والأزرق الحارس إلى معنى آخر لم يتدارسه البناة ولا الجناة، في المهدية يبدأ البحر بالوصية وتبدأ الأرض بالشاهدة، في المهدية لا بد أن ينتصر الفرسان على القرصان في رسم الأفق.