اتخذ الشاعر التونسي المنصف الوهايبي مدينة القيروان رمزا أو قناعا للمدن التي عرفها، سواء كانت عربية أو أفريقية أو أوروبية.

خص الوهايبي مدينته بعلاقة متينة وكان في مرآتها يرى المدن، ليس بوصفها أماكن وإنما بوصفها زمنا وتاريخا.

كاميرا "المشاء" جالت في حلقة 5/3/2015 في عوالم الوهايبي التي أثثها بالشعر وانتقل من جهة إلى جهة فوجد نفسه يربطها بخيط، وكانت قلادة من أثير تضم صنعاء ودمشق وتمبكتو في مالي وبغداد ومرسية وغرناطة.

ينتسب الشاعر إلى مدرسة القيروان التي تبدو في عينه ممثلة لتونس التاريخية بينما تبدو ترشيش (الاسم السابق لعاصمة البلاد) ممثلة لتونس الحديثة.

يرافق الشاعر والأستاذ الجامعي فتحي نصري ضيف المشاء في حوارات تتخلل أزقة وفضاءات القيروان العريقة.

"لست صوفيا"
يسأل نصري إن كان الوهايبي الذي يستلهم ملامح صوفية في شعره: إلى أي مدى يعتبر نفسه شاعرا صوفيا؟

يؤكد الوهايبي أنه ليس كذلك بالمعنى الدقيق ولن يكون، فهو لا يحب كثيرا "ترجمان الأشواق" وغيره من الشعر الصوفي لما يرى أنه شعر يحتشد بالكنايات والمحسنات البديعية، مما يثقل القصيدة، بينما تأثر بالرؤية الصوفية النثرية.

وبشأن قصائده العمودية التي يقرؤها في المنابر ولكنه لا يضمها في دواوينه الشعرية قال إنها قصائد لا تناسب خطه الشعري، وإن العمودي شكل يصعب فيه استيعاب اللحظة الشعرية، وإنه يحيل دوما إلى مخاطبة الأذن لا العين والعقل.

أما لماذا يفعل الوهايبي هذا في كتابة نمط من الشعر لا يحفظه في مجموعاته؟ فقال "نحن كائنات منفصمة وأمة مرتبكة يعيش في رأسها ماركس وسيدي عبد القادر معا".

ولأن لكل شاعر آباء شعريين فإن ضيف المشاء عرف نفسه وعرفهم بالاسم، فقال إنه تلميذ المدرسة العراقية من السياب والبياتي اللذين ربطته بهما صداقة، ونازك الملائكة وسعدي يوسف اللذين يقرؤهما باستمرار، ويرى أن جيلا من الشعراء تأثروا بلغته الشعرية وغرفوا من لغة الحياة والمعيش اليومي لدى سعدي.

يقول الناقد فتحي نصري إن دخول الوهايبي المشهد الشعري التونسي كان مفاجأة من خلال أسلوبه الشعري الجديد الذي أحل سلطان اللغة محل سلطان الواقع السائد هناك في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

وخلص نصري إلى أن الوهايبي حريص على تنويع مدار قوله الشعري عبر رحيله في جغرافيات ومدن عديدة ومن تاريخها وصولا إلى استنباط شعرية مغايرة من حكايات الحيوانات في ديوانه "فهرست الحيوان".

اسم البرنامج: المشّاء       

عنوان الحلقة: المنصف الوهايبي.. نهاية القصيدة وبداية الشعر

ضيفا الحلقة:

-   فتحي نصري/شاعر وأستاذ جامعي تونسي

-   المنصف الوهايبي- شاعر وأكاديمي تونسي

تاريخ الحلقة: 5/3/2015

المحاور:

-   ميل خاص للقيروان

-   تحرر من سطوة النص الصوفي

-   واحة الشعر العمودي

-   كينونة التداخل الذاتي مع المكاني

المشّاء: أخذت القيروان إلى طريقي وأنا عائد من فاس وما قبلها وما بعدها فاكتشفت بأن القيروان هي التي أخذتني بطريقها ذهاباً وإيابا، هنا لا تزال الفُستقية شاهدة ولا يزال الجامع الأعظم شاهدا وكأن عقبة بن نافع لم يفرغ بعد من التأسيس، وليس إلا أن يضيف في كل مرة رتوشاً جديدة ونحن ننظر إلى لوحته، شعراء القيروان أيضاً يكرهون المُنجز ولا ينفك الواحد فيهم يبحث عن المُنثال على طريقه وهو يمشي إلى البدايات، هنا في القيروان شعر يتعتق ويتحدث بخميرة من نفسه، أنت يا زاد في مدينة ليست كالمدن وفي حضرة شاعر ليس كالشعراء.

زاد: لا تنفك تورطني أيها المشّاء؛ كيف سألملم عوالم لُهيبي؟ أجده عصّياً على التصنيف والتبويب لا عليك؛ سأستعين عليه بفتحي نصري ومحمد الغزي وبول كلي وحتى بجمل بروطة، القصيدة قد تبدأ في أي مكان يقرر شاعرنا ولكن لا بد لها أن تنتهي في القيروان، هو دأب شعراء القيروان صدورهم مشرعة على العالم وأعاجزهم قيروانية السجاد.

[قصيدة- المنصف الوهايبي]

ليَ أن أكتب

أن أتدافع بين صداي وصوتي

بينَ صداي وموتي

أن أمشي فوق وريدي

هذا الحبل المشدود – وئيدا

أن أتماسك

بين الوسطى والإبهام

وأهبط

سلَّمَك الهاوي

حيث يرفُّ النوم على إبهام الحلم وأصغي

للرمل، لقطر الميزاب، لركض الخيل

لأقدامٍ ناعمةٍ كنسيب المتنبّي

تقطع ليل الصحراء

امضِ بعيدا

فقريبا تُشطب من لوح الأحياء

وتعلَّم يا "منصفُ" أن تلعب أحيانا

دور المشّائين

وأحياناً دور الأمراء

ميل خاص للقيروان

فتحي نصري: منصف، للقيروان مكانة هامة في شعرك أنت تقول عنها إنها مدينة تشبهك وتكني عنها في شعرك بتمبكتو وتنسب أيضاً إلى شعراء مدرسة القيروان، أريد أن أسألك عن رمزية القيروان في شعرك؟

المنصف الوهايبي: الحق هو دائماً الشعر في حقيقة الأمر ينسب إلى اللغة وليس إلى الجغرافيا ولكن طبعاُ هذا لا يعني أن الشعر بمعزل ومنأى عن المكان الذي ينشأ فيه، المجال لا يتسع طبعاً للخوض مثلاُ في علاقة الشعب العربي بالبيئة التي نشأ فيها والتي احتضنته بيئة الحجاز نجد الجزيرة العربية القديمة، لا يتسع المجال، لكن فيما يخص القيروان أقول باختزال شديد أن العلاقة متينة بين القصائد التي كتبتها، كل القصائد تقريباً كلها أو جُلها على الأقل ومدينة القيروان التي اتخذتها رمزاً وربما هي قناع بشكل من الأشكال للمكان التونسي للمكان العربي حتى القصائد التي كتبتها خارج تونس مثلاُ في البرتغال ربما وفي إسبانيا كانت دائماً على صلة وثيقة بعالم للقيروان، إذاً هي رمز، هي القيروان في الحقيقة هي ليست مكاناً بالمعنى الدقيق للكلمة بقدر ما هي زمن وتاريخ فأنا من خلال القيروان إذاَ أرى كل هذه المدن الأخرى التي كتبت عنها مثل صنعاء دمشق بغداد تمبكتو مدن أخرى مرسية في إسبانيا غرناطة وما إلى ذلك.

فتحي نصري: ألا تمثل القيروان يعني مقابل لترشيش تونس القيروان تمبكتو في مقابل ترشيش تونس والقيروان، في هذه الحالة تمثل ذات وذاتية تريد أن تفرض سلطتها مقابل الخارج.

المنصف الوهايبي: كأن هناك مقابلة ما بين هاتين المدينتين وبين هذين الرمزين ترشيش صورة تونس، تونس الحديثة إذا أردنا وقيروان تونس التاريخية أو البعد التاريخي في تونس يمكن بالفعل يمكن ويجوز أن تكون المقابلة قد تمت على هذا النحو بالرغم من أنني عندما أكتب طبعاً لا أتصور أنني كنت واعياً بهذه المقابلة على نحو ما أفعل مثلاً عندما أكتب عن القيروان فيما أكتب عنها مثلاً أو دراسة أو مقالة، وتمبكتو هي صورة أخرى من صور القيروان عندما استخدم تمبكتو في الحقيقة تمبكتو هي القيروان وهذا ذكرته وأشرت إليه في أكثر من قصيدة لأنني وظفت هذه الرموز في قصائد غير قالدة وتحضر القيروان وتحضر ترشيش وتحضر كل هذه المدن التي كانت صُرة العالم القديم تحضر مدينة صور مثلاً يحضر العالم الفينيقي هذا التراث الذي شكل الشخصية التونسية أيضاً لأن الشخصية التونسية شخصية عربية إسلامية ولكنها في الحقيقة هي مجموع عوامل تاريخية معقدة تعود إلى الأمازيغ إلى الرومان إلى الفينيقيين إلى الأسبان إلى البرتغاليين أيضاً وما إلى ذلك مما شكل ثقافة المغرب الكبيرة والمغرب العربي الكبير.

فتحي نصري: منصف قد تنفي يعني وجود مدرسة شعرية صوفية هي مدرسة القيروان ولكن لا يمكن أن تنكر علاقتك المتينة بمحمد الغزي وقد قال في قصيدة في مجموعته الأولى:

حزّ بمعصمه عِرقاً

وسقاني من دمه المسفوح

كيف إذاً يتركني

بعد إذ اشتعلت نار البهجة

في فحم الروح

وفي هذه القصيدة ثمة عتاب ولوم ما تعليقك؟

المنصف الوهايبي: هي قصيدة قديمة نشرها محمد الغزي في ديوانه الأول كتاب الجمر.

فتحي نصري: الجمر.

المنصف الوهايبي: لا أظن عتابا هو عتاب محبة، محبة ربما لا أدري لا أتذكر السياق أو المناسبة التي كتب..

فتحي نصري: ألا تنطوي على إشارة لبداية انفصال أو قطيعة.

المنصف الوهايبي: ربما على كل هو من بعد الانفصال الشعري لا شك تم، هو محمد بقي وفياً أكثر بصوفيته بين مزدوجتين، وإن انصرف عنها أيضاً في قصيدة النثر وتجرأ واقتحم عالم قصيدة النثر.

فتحي نصري: وأنت أيضاً حاولت قصيدة النثر.

[قصيدة- المنصف الوهايبي]

وكأني حصريٌّ هامات غنّى

أو رأت منه مقلةٌ عمياءُ

نحن نأسى على الحجارةِ

إما غشيتها ظلالةُ أكناءُ

ونواسي مقرنصات المُصلى

إن عرتها من وحشةٍ أنباءُ

ألهذا يغيظ ماء الينابيعِ

وتودي في شرخها الأبناء

يا قواديسها الحبيسة دوري

ثم دوري ما دار فيك الماءُ

فعسى أن يخضر فيها زمان

وعسى أن يطيب فيها البقاءُ

[فاصل إعلاني]

تحرر من سطوة النص الصوفي

فتحي نصري: منصف يقترن اسمك بمدرسة القيروان وبالنزعة الصوفية، إلى أي حد تعتبر نفسك شاعراً صوفياً؟

المنصف الوهايبي: هو من الطبيعي أن يقترن اسمي بالقيروان المدينة وبشعراء القيروان ولكن في الحقيقة لست شاعراً صوفياً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة لم أكن كذلك ولن أكون ولا أتصور أنني يمكن أن أكون صوفياً في يوم من الأيام إلا إذا أخذنا الصوفية بالمعنى الواسع الرحب للكلمة من حيث هي يمكن أن تكون تجربة في الكون في الأشياء..

فتحي نصري: كأنك استلهمت التراث الصوفي..

المنصف الوهايبي: صحيح استلهمت اللغة الصوفية أكثر من النثر الصوفي في الحقيقة أنا الحقيقة أميل أكثر إلى قراءة النثر الصوفي ولا أحب كثيراً شعر الفارض أو شعر أو ترجمان الأشواق لمحيي الدين بن عربي، ربما الشعر المترجم جلال الدين الرومي ربما الشعر المترجم للصوفية خارج اللغة العربية ربما هي الأقرب، أما الصوفية العربية هي أكثرها حشد من الكنايات والاستعارات والمحسنات البديعية وهي تثقل على القصيدة كثيراً، صحيح أفدت ربما من النثر الصوفي من الرؤية الصوفية في المجموعة الأولى ربما ألواح وإلى حد ما في المجموعة الثانية ثم حاولت فيما بعد وأظن أنني أفلحت في ذلك أن أتحرر من سطوة النص الصوفي لم أعد أسير للغة الصوفية إذا شئت.

[قصيدة- المنصف الوهايبي]

ها أنت تبلغ باب الله مرتبكاً

الوجه منخطف والروح مشتعل

هذا الهوى الصعب يا مولاي شردني

ألا بسطت يدا تحنو وتنتشل؟

 يقول: هل أنت إلا رغبةٌ جمحت

تضج كالريح إن ضاقت بها السبل

إن عشوت إلى نار الحبيب فلا تنزل

فقبلك قد ظلّ الأُولى نزلوا

واخفضْ يديك إذا شارفت مملكتي

هل يطرق الباب إلا قلبك الوجل

لكن.. أن أخطو لحالي عند ضفته

حتى تغشى رحالي مسبلٌ عتل

مستوحداً يتجلى الله في لغتي

فيقتفي ماء نهرٌ ويغتسل

وتضرم الروح من وجدٍ

فتشغلها عنه محبته الأولى فيشتغل

واحة الشعر العمودي

فتحي نصري: منصف أنت في الأمسيات تقرأ قصائد عمودية تنال إعجاب الجمهور منها قصيدة الأمة ولكن لا تنشرها في مجموعاتك الشعرية، هل تعتبر أن الشكل العمودي غير قادر على احتضان الرؤية الشعرية الحديثة؟

المنصف الوهايبي: طبعاً ألاحظ دائماً في المناسبات السياسية والنقابية الناس لا يستسيغون إلا هذا الشعر الذي يخاطب الأذن لنقل معنى هذا النوع من الشعر العمودي الذي هو ينضوي أكثر إلى ثقافة الأذن وليس إلى ثقافة العقل أو ثقافة العين كما يقول أهل الفلسفة، طبعاً أنا لا أنشر هذا الشعر في مجاميع، في المجاميع الشعرية ولكن لأسباب قد تكون سياسية قد تتصل برغبة الناس في الاستماع إلى هذا النوع من القصائد الاستجابة لهم هذا يحدث بالفعل، ولكنني لا أنشر هذه القصائد في أي من مجاميعي الشعرية لأسباب كثيرة من أنها لا تناسب الأفق الشعري الذي عرفت به ما يتعلق بالمدن والحيوانات وعالم الأشياء وما إلى ذلك، ثم من ناحية أخرى لأن القصيدة البيت إذا أردت أو الشكل العمودي يصعب أن يستوعب اللحظة الشعرية أو أن يستوعب طرائق الكتابة الحديثة.

فتحي نصري: ألا يمثل ذلك انفصاما في شخصية الشاعر.

المنصف الوهايبي: نحن كائنات منفصمة طبعاً نحن نعيش في ثقافة عربية مرتبكة جداً منذ أكثر منذ حوالي قرن، طبيعي نحن أمة مرتبكة..

فتحي نصري: ويبدو أن أدونيس يفعل هذا.

المنصف الوهايبي: يفعل أدونيس نفس الشيء، كتب أدونيس العمودي وكتب شعر التفعيلة وقصيدة النثر بطبيعة الحال.

فتحي نصري: ولكن ثمة شعر للمناسبات وشعر للقراء.

المنصف الوهايبي: نحن شخصيات يعيش في أذهاننا ماركس وسيدي عبد القادر معناه الاثنان يعيشان معاً.

فتحي نصري: منصف كثيراً يعني ما يرد الشعر المغاربي في تونس وفي الجزائر وفي المغرب وحتى في ليبيا مهما كانت أهمية التجربة إلى أصول له في المشرق، هل تعتبر أن لك آباء من الشعراء يعني في المشرق العربي وما هي التجارب الشعرية المشرقية التي تعجبك؟

المنصف الوهايبي: أنا أعتبر نفسي تلميذاً لا أستحي من ذلك، لأقول المدرسة العراقية الرائدة في الشعر العربي الحديث والتي أفاد منها أكثر شعراء العربية، وأقصد هنا السياب وعبد..، السياب بالدرجة الأولى وعبد الوهاب البياتي الذي ربطتني فيه في وقت من الأوقات ربطتني به الصداقة ونازك الملائكة ويمكن أيضاً أن أشير إلى الشاعر الكبير وهو سعد يوسف الذي أقرأه باستمرار طبعاً، وأظن أن هناك جيلاً من الشعراء العرب أفادوا كثيراً من تجربة سعد يوسف وفي طريقته في جعل الشعر أقرب ما يكون إلى المعيش واليومي ولغة الحياة، هي العربية ولكنها العربية تكاد تكون التي تلامس الأشياء.

زاد: ألا ترى يا شاعري أنك تتملص من صوفك إلا المستورد منه، ومن عامودك إلا الملح منه، وحتى من أذنك لصالح العين، أجدك في تماديك هذا ستنفي فن الشعر نفسه أولست القائل لا يوجد فن اسمه الشعر والذي يوجد هو القصيدة، والشعر ينشأ في الحقيقة عندما نختتم قراءة القصيدة.

فتحي نصري:

ملك هذا الذي يفجأكم

برياح اللغة المختلمة

باسمه يفتتح الموت

طقوس النار والعشب

وليل الأكمة

كينونة التداخل الذاتي مع المكاني

بهذه الأبيات افتتح الشاعر التونسي منصف الوهايبي مجموعته الشعرية ألواح وهي مجموعته الشعرية البكر التي صدرت سنة 1982 وهذه الأبيات تشير حقاً إلى مفاجأة المنصف الوهايبي المشهد الشعرية التونسية بهذه اللغة الشعرية الجديدة وهذا الأسلوب الشعري الجديد الذي يقدم الاشتغال على الشكل الفني وعلى جمالية القصيدة ويحتفي باللغة، وهي مفاجأة لأن هذه المجموعة مثلت بالنسبة إلى ما كان سائداً في المشهد الشعري التونسي آنذاك مثلت تجربة مغايرة وجديدة، فالمنصف الوهايبي مثلما رأينا في هذه الأبيات التي يمجد فيها سلطان الشعر أحل فيها سلطان اللغة محل سلطة الواقع التي كانت سائدة في التجارب الشعرية والنماذج الشعرية الشائعة في تونس في الستينيات والسبعينيات أي في الشعر الواقعي الاجتماعي وفي شعر الطليعة في غير العمودي والحر والمنصف الوهايبي حريص في كتابته الشعرية على تنويع مدارات القول بمعنى أنه ينتقل من موضوع مهيمن إلى موضوع آخر، ففي المجموعة الثالثة المخطوط تمبكتو يستنطق الشاعر جغرافيا المكان وتاريخ المدن، وفي مجموعته الرابعة فهرست الحيوان يستثمر الشاعر الحكاية والخبر ولكنه لا يكتب قصائد شبيهة بالحكايات المثلية وإنما هي شعرية مغايرة وإن كانت تنطلق من حكايات الحيوان الواردة في الكتب التراثية أو تلك التي يستنبطها الشاعر استنباطاً، المنصف الوهايبي إذاً في تجربته الشعرية يمكن أن ندرجه في شاعرية اللغة وبهذا المعنى يمكن أن نعتبر أن المنصف الوهايبي عندما أصدر مجموعته الشعرية الأولى ساهم في تعديل ساعة الشعر التونسي بأن أدرجه في تحولات الشعرية العربية، غير أننا لا يمكن أن نختزل تجربة الوهايبي فيما يمكن أن نسميه شاعرية اللغة ذلك أن المنصف الوهايبي وابتداء من مجموعته الشعرية الثانية بدأ في استثمار ما يسمى بشاعرية التخييل أو ما يمكن أن يسمى بشاعرية التخييل وهي شاعرية توظف الخيال وتستثمر التخييل السردي في بناء القصيدة الشعرية الحديثة والمنصف الوهايبي نجد آثار هذا التوجه الشاعري في كتابته ابتداء من المجموعة الشعرية الثانية وتكرس في مجموعاته فهرست الحيوان واستمر في مجموعته المنشورة حديثاً منها السيدة التي نسيت أن تكبر، وباختصار يمكن أن نقول إن كتابة منصف الوهايبي الشاعرية تأخذ بطرف من الشاعريتين شاعرية اللغة وشاعرية التخييل، هل تعرف منصف أنني عندما اشتغلت بفهرست الحيوان وأنجزت مقالاً عن تشعير الحكاية في فهرست الحيوان، هذه التجربة النقدية أفضت إلى قصيدة وهذه القصيدة تحاور قصائدك التي كتبت عن الحيوان وعنوانها حديث الطائر وهي مهداة إليك.

المنصف الوهايبي: شكراً.

فتحي نصري: وفيها تقدير يعني ذكرى فهرست الحيوان لكنها صدرت  في مجموعتي الشعرية جرار الليل ولكن عندما أقرأها اليوم أشعر أنني ولو أنني كتبت القصيدة عن الحيوان عن الطائر ولكنني كأنني كنت أتحدث بلغة رمزية عن تجربتك في السياسة، تجربة الشاعر الطائر الذي كان محلقاً في سماء الشاعر وإذا به ينزل إلى أرض السياسة.

[قصيدة- فتحي نصري]

هو ذا الفخ أنا أعرفه

أعرف ما يمسكني عنه

وما يصبي إليه

وأراه من سمائي

وأرى ظلي يعلو الحّب

والتربة الذي يثغر فاه

غير أني ربما قلت سأحتال على الفخ لنفسي

وأدانيه رويداً وأداريه بلطف

فإذا ما نام عني ألقطُ الحّب

وأمضي نحو مأواي خفيفا

ها أنا أهبط لكن..

ها هي الأشجار والغابة تنأى

كلما ازددت اقترابا

ها هو الغصن الذي آلفت ينأى

ها أنا مستوحش قاب قوسين من الظل

بعيدٌ عن سمائي وغريب

ها أنا الظل

يجر الساق من غير جناحين

إلى أين إلى أين ترى يسحب أعضائي مني

ولكأني في منامي

قلت أحتال على الفخ لنفسي

فإذا ما نام عني

زاد: كان الرسام بول كلي قبل قرن من الزمان هارباً مع رفيقين له من غبش الحرب العالمية الأولى يبحث عن النور وكان لا بد أن يصل القيروان حيث أقام ثلاثة أيام حاسمة في تاريخ اللون وفي عين الوهايبي الأعمى بحب القيروان.

[قصيدة - المنصف الوهايبي]

قل لنا

من أي باب جئتها

كيف تناهيت إلى أسوارها

كيف قلت اللون.. صرت اللون

حتى استسلم الضّوءُ

وأغفى في يديك الجمرتين!

آهٍ! أعمى في بساتين أبي

فلتكن ريشتُك الضّوء الذي يقتاد

هذا المغربي!

يطفئُ الليل فضاء اليرقة

يطفئ الوردة والأعمى

الذي كان يغني عند أسوار البساتين

وحيداً

يتخفى الليل في هيئة صياد

ويستجمع في سلته سبع نجوم

سيضيء الوقت والخفاش

والدودة في بيضتها

وعصى الأعمى

وليل القيروان

وسرير امرأة الغابات

والريح التي تأخذنا قبل الأوان

زاد: آه يا شاعري طريقك موسومة بطريقتك الرجراجة بين ما يحتمل من الضرورة وما لا يطاق من الحرية، إلى أن تموت يا منصف شعراً بالقرب من جامع عقبة عطشاناً على مرمى تفعيلة واحدة من الفُستقية، مستفعل فعِلٌ مفاعلة فعول، اختر يا منصف فلا خيار للشعراء.

المشّاء: لا أحد يعلمنا كيف نغادر القيروان، المنصف الوهايبي أعجز الناس عن ذلك، في مدينة عقبة أبواب ساحرة تسحبك إلى داخل نفسك، ولكن آخر هذه الأبواب كأولها لا يفتح إلا إلى أعلى وأنا سأقول كما قلت يا منصف: لماذا إذاً كل هذا الشجن؟ ألآني التقيت بأكثر من منصف فيك هذا المساء ليكن؛ سأسمي إذاً مشينا زمناً في الزمن.