مناجم الفوسفات أو التراب الأسود في تونس مناجم العرق والدم والصمود. منذ 130 عاما شكلت حكايات الحوض المنجمي في جنوبي غربي البلاد سيرة المكان وإنسانه، المكان العربي والبربري والمغاربي، وإنسانه العامل في الأنفاق، الكادح ضد عسف المستعمر وضد عسف سلطات أهل البلاد.

قبل أن تكون الأرض مجالا لغياب العدالة، منذ ملايين السنين كانت دويبة الخنفساء تختزل سيرة تراب أسود حيث أسست أسطورتها في الجغرافيا وسيرتها في التاريخ.

تقول الأسطورة إن هذه الدويبة ظلت في الأرض وتخرج ترابا أسود صار فيما بعد مناجم الفوسفات. هذا ما يقوله الطبيب البيطري في الجيش الاستعماري الفرنسي فيليب توما.

حلقة المشاء ليوم 19/3/2015 زارت منطقة الحوض المنجمي في ولاية قفصة وقدمت لنا معتمديات أربعا هي: متلوي وأم العرائس والرديف والمظيلة.

عرض ضيوف "المشاء" كل من جانبه مقتطفات تاريخية، ولوحات، ومقاطع سردية وشعرية ضمن المصطلح الذي راج باسم الأدب المنجمي.

من قفصة
في تاريخ المنجم لا بد أن نبدأ من 1885 حين بدأ الاستعمار الفرنسي بمد السكك الحديدية عقب تأسيس شركة فوسفات قفصة، ليبدأ تصدير الفوسفات عبر ميناء صفاقس إلى مرسيليا الفرنسية، كما يروي ذلك الفنان التشكيلي محمد علائمي.

ليس الرجال وحدهم من يقدمهم الحوض أبطالا له، فها هن النساء ظاهرة تفردت بها مناجم الحوض التونسي. استطاعت المرأة المنجمية تقديم نفسها طرفا قادرا على تحمل شظف الحياة على قدر المساواة مع الرجل

نقلنا الشاعر محمد عمار إلى ما فعله الحوض المنجمي من تعبئة ثقافية عربية ومغاربية، إذ كان العمال في المناجم من كل المنطقة المغاربية، وقد أنتجوا أدبا سواء المكتوب بالعربية الفصحى أو الشعبي الدارج عبر انتماء مشترك هويته الواحدة لا تريح المستعمر.

عرضت الحلقة في عدة مقاطع مشاهد تمثيلية بين واحد منها التعسف الذي يلاقيه العامل في المنجم من السلطة التي تشغله، حيث يكدح ساعات طويلة بأجر قليل.

كما قدمت فرقة "أولاد المنجم" أغاني من تحت الأرض بمرافقة العود والطبلة تحكي مناقب الرجال الذين يحفرون الأرض وعن صبرهم وأملهم دوما في حياة أفضل.

وليس الرجال وحدهم من يقدمهم الحوض أبطالا له، فها هن النساء ظاهرة تفردت بها مناجم الحوض التونسي، على الأقل في البلاد العربية. استطاعت المرأة المنجمية تقديم نفسها طرفا قادرا على تحمل شظف الحياة على قدر المساواة مع الرجل.

وتحدث الروائي عبد الحميد طبابي عن روايته الأخيرة والتي نمت الأحداث فيها من حياة المناجم إلى إطار أوسع ذهب نحو تونس البلد والتعذيب الذي مورس فيها على يد السلطة.

بين الجبال الرواسي، خطت الخنفساء حكاية إخوة التراب. أناس رهانهم تحت الأرض.. وهاماتهم في السماء.


اسم البرنامج: المشّاء

عنوان الحلقة: الحوض المنجمي.. ملحمة التراب الأسود

ضيوف الحلقة:

-   محمد علائمي/فنان تشكيلي رئيس جمعية صيانة مدينة الرديّف

-   محمد عمار شعابنية/شاعر

-   عبد الحميد طبابي/روائي وعامل منجمي متقاعد

تاريخ الحلقة: 19/3/2015

المحاور:

-   الحوض المنجمي.. أسطورة الجغرافيا والتاريخ

-   شخصيات شاهدة على عظمة المكان

-   الشعر المنجمي والسينما في بوتقة واحدة

-   حديث المناجم

المشّاء: اليوم يا زاد ومن هذا الجبل سأحدثك حديث الخنفساء فلا تستغربي؛ للجبال يا زاد أسرارها وأغوارها وحكايات السواعد المفتولة تنحت منها بيوتاً أو مناجم.

زاد: أعلم أيها المشّاء أنك تقدُّ أسئلتك على مقاس الأمكنة كحائك محترف ولكنني لم أكن أعلم أنك تفهم لسان الحشرات والهوام.

المشّاء: الخنفساء يا زاد تختزل سيرة تراب أسود حيث أسست أسطورتها في الجغرافيا وخطت طريقة سيرها في التاريخ، تقول الأسطورة إن الخنفساء حفرت في الأرض وهذا ديدنها فأخرجت ترابا أسود تلقفه البيطري الفرنسي فيليب توما فصاح في البراري وجدتُها وجدتها ومن يومها تخلقت المناجم والحكايات بطعم العرق والدم والصمود كلما تكلّم الجبل أو نزل.

الحوض المنجمي.. أسطورة الجغرافيا والتاريخ

محمد علائمي: عُرفت منطقة الحوض المنجمي أي منطقة الجنوب الغربي إلي هي معروفة التو بالأربع معتمديات الرديف متلوي أم العرايس المظلية بولاية قفصة عرفت بالحوض المنجمي عند اكتشاف الفسفاط سنة 1885 عن طريق البيطري فيليب توما وهو بيطري فرنسي تابع للجيش الفرنسي آنذاك، وكان في رحلة استطلاعية عندما اكتشف هذا المعدن الأسود أو المعدن الثمين وتم عملية التحليل في فرنسا وانطلقت عملية إنجاز وتأسيس شركة فسفاط قفصة والسكك الحديدية صفاقس قفصة كانت تسمى بالطريقة هذه، بدأت الحماية الفرنسية بإنجاز المباني في المتلوي والسكك الحديدية امتدادها بدأ من صفاقس قفصة المتلوي سنة 1896 إلى سنة 1898 تم تدشين خطوط سكك الحديدية وانطلاق أول قطار من المتلوي عبر قفصة إلى صفاقس لتصدير الفسفاط من صفاقس إلى مرسيليا.

محمد عمار شعابنية: شركة الفسفاط تحتاج إلى الكثير من العمال هؤلاء العمال استجلبتهم في البداية من المغرب ومن الجزائر ثم بعد ذلك بدأ الليبيون، هم الليبيون لم يأتوا بعد سنة 1911 عندما احتلت إيطاليا ليبيا بل أتوا حتى في بداية القرن كتجار ثم بعد ذلك جاؤوا بأعداد كبيرة للعمل المنجمي، لماذا؟ لأن أبناء هذه الربوع وهم معروفون بأنهم بدو رحل وبأنهم يحرثون الأرض وإلى غير ذلك في البداية استنكفوا للعمل في المنجم أولاً الأخطار المنجمية التي كانت محدقة بهم ثانياً لأنهم يريدون الحرية ولا يريدون أن يتعاملوا مع ما يسمونهم كفار في هذه البداية ثم بعد ذلك بدئوا يشتغلون بالمناجم خاصة البداية في سنة 1906 بدئوا يشتغلون بالمنطقة المنجمية تكونت عبارة على لحمة مغاربية في هذه الربوع عمال من المغرب في الجزائر من تونس من ليبيا وبدأت لهم تعبئة ثقافية لكن فرنسا كانت شيطانة أو ذكية في ذلك الوقت أرادت أن تفرق بينهم مثلاً أن يقول الشاعر الليبي قصيدة تقول مثلاً للجزائريين وتحرضهم وتحاول أن تعمل بهم التفرقة كيف هؤلاء يكتبون قصيدة جميلة وأنتم لا تكتبون لا تحفظوا مثل هذه القصيدة، يعني تريد أن تفرق بين هذه الثقافة التي كان يمكن أن تجمعهم لكن بدأت بعد ذلك تفطن هؤلاء العمال بالخصوص بعدما زار محمد علي الحامي المنطقة المنجمية في شهر ديسمبر 1924 وحاول أن يوحد بينهم بدئوا يتداولون ما ينتجونه من تعبيرات ثقافية مختلفة إلى أن انتشرت فيهم بذرة الانتماء إلى الوطن الانتماء إلى الأمة الانتماء إلى  وتوحدت ظروفهم بدليل أن هناك قصيدة رائعة جداً قالها شاعر ليبي في الأربعينيات عندما وقع الإضراب الكبير الذي دام 45 يوم قال فيها:

فسفاطنا خير وعليهم حابس

والشر من دافعه علينا كابس

فسفاطنا وكنوزه غارت عليها ميهاف

كعرت كوزه وإحنا العرب

لمينا زوز بيبان مقفولة علينا من أمس

يعني ها هو قال نحن العرب لم يقل نحن معناها الطرابلسية أو نحن التوانسة أو نحن كذا يعني يعرف أنه بالذات العروبة في هذا الجانب، بدأت تثمر العملية بأن يتوحدوا في دينهم وفي قوميتهم إلى غير ذلك.

عبد الحميد طبابي: العمال الأهليين إلي هم عمال سواء كان الأهليين ما كانوا يسموهم الأهليين سواء العمال العرب ولا البرابرة أو عمال أهل المنطقة أو العمال الأوروبيين وخاصة منهم الفرنسيين كان الفرق شاسع وكبير وكان الأجر زهيد جداً وضئيل كان في حين الآخرين كانت عندهم جميع الامتيازات مش الامتيازات فقط في الوظيفة الامتيازات على مستوى الحياة العامة على مستوى العيش السكن والترفيه.

شخصيات شاهدة على عظمة المكان

محمد عمار شعابنية: أتذكر أن هناك بعض الشعراء الفرنسيين الذين كتبوا في ثلاثينيات القرن الماضي خاصة بعد أحداث 4 مارس 1937 في المتلوي التي توفي فيها 18 عاماً وجرح 31 نتيجة احتجاجات ومطالبة بحقوقهم إلى غير ذلك هناك شعراء فرنسيون واحتفظوا بهذه القصائد الفرنسية كتبوا قصائد يناصرون فيها عمال المناجم يعني حتى من فرنسا كان هناك مثقفون وكان هناك أصحاب ضمائر.

[فاصل إعلاني]

محمد علائمي: كان أول شخصية عُرفت في الرديف وقتها الدكتور أرنست كوبير وهو مؤرخ وهو فوتوغرافي أيضاً طبيب وفوتوغرافي ومؤرخ ومعروف في الوقت ذاك وعُرف أكثر من خلال توثيقه للصور الفوتوغرافية الأولى في الرديف ومن خلال معالجته للعمال ووثق عن طريق القلم ووثق عن طريق الصورة، وأجمل توثيق وثقه هو عن طريق الصورة أحلى صورة سماه امرأة ترحل في الرديف الرحالة البربرية وسماها زينة، اسمها زينة، الصورة سماها زينة بنت رديف، وأقام علاقة كبيرة ياسر مع المواطنين، كان يلعب ياسر التنس، والتنس كانت رديف معروفة فيه، رديف سنة 1908 أسست أول ملعب بلدي في تونس وأول جمعية رياضية في رديف 1980 وسجلت في عام 1919 يعني 1919 ومع سكة الحديد ومع درج رياضي وكذا، أرنست كوبير أسس أول ملعب تنس سنة 1903 في شمال أفريقيا والثاني جوهانسبرغ في جنوب إفريقيا إلي هو في الرديف، ومن أهم الشخصيات كذلك إلي زارت مدينة المتلوي الدكتور شارل نيكول، شارل نيكول زار المتلوي والرديف وولاية قفصة ككل ووصل حتى توزر نفطة من سنة 1924 حتى سنة 1928 وتعاون برشا مع الدكتور أرنست كوبير في أبحاثه كان الدكتور شارل نيكول اكتشف مرض في العالم اسمه ليباتون دي قفصة المعروف للتو باسم ليشمانيوز هي حشرة معينة تسبب ضرر كبير في الجلد من خلال عدوة من خلال امتصاص الدم، والدكتور شارل نيكول أخذ جائزة نوبل للطب على القطر التونسي سنة 1928 Je suis Faire باللغة هذه باللهجة الفرنسية Je suis faire de Tunisians ومن أهم الشخصيات أيضاً إلي زارت المنطقة هذه الدكتور بيرنيه جاء في مطلع الأربعينيات، كان من الناس إلي تتجاوب ياسر وحكا ياسر مع العباد وحتى في الثورة التونسية إلي انطلقت ثورة التحرير من 18 يناير في حتى الأواخر 18 يناير في 1952 حتى الأواخر 1954 كان الدكتور برينيه يداوي الجرحى يمشي للجرحى في ديارهم وعمل مع الباهي برشا وكانت الناس الكل تحبه، حتى في أواسط 1954 لما تعرضت سيارته لطلق ناري من بعض المقاومين في جبل من السطح ما كان يعرفوا أنه هو، برشا من المقاومين استنكروا معناها ضرب سيارته وطلبوا منه معناها الـ excuse السماح، فلينير هو فوتوغرافي عالمي ولد سنة 1878 وهو من أصول نمساوية، وكان عنده صديق اسمه لاندروك، لاندروك ريتشمان عنده الفلوس واللباس، فلينير عنده الموهبة وعنده الاحتراف في ذلك الوقت وأكاديمي وفوتوغرافي ومشكلته التمويل تفاهموا على أساس يجيئوا جميعا لتونس وينصبوا في تونس ويعملوا مشروع فوتوغرافي وكانت بعض الأسامي معروفة كما غاريك في تونس وغيره في الفوتوغرافيا، وفي ذلك الوقت جاءوا إلى تونس واختاروا المدينة العتيقة ونجحوا برشا من خلال الاحتراف بتاع فلينير،  صور ممتازة جداً وعمل بطاقات بريدية وصلت أوروبا، أكثر من 600 صورة كل صورة تحاكي شيء دارت العالم كله تعرف فلينير المصور العالمي إلي اقتحم المجتمع وإلي عمل كذا، كتبوا عليه حتى في نيويورك المصور الذي صور فوق أرض الإسلام والأرض كذا بشمال إفريقيا، في حدود سنة 1944 توفيت زوجة الفوتوغرافي رادور فلينير مع العلم أنه يعشق منطقة الحوض المنجمي وقفصة ويصورها برشا ويوثقها برشا تم الاتفاق مع ابنته ومع زوجته للمرة الثانية وجرار تفاهموا مع رادور فلينير للاستقرار في الرديف، رادور فلينير عاش أربع سنوات في مدينة الرديف من سنة 1944 حتى مطلع سنة 1948 وعندي حتى شهادة وفاة شهادة وفاة رادور فلينير في الرديف عندي شهادة وفاته ومسجل في بلدية الرديف تاريخ وفاته وقام بإبلاغ الوفاة وتسجيلها الدكتور برني بيتو نسيبه.

زاد: سبقك مشاءون آخرون إلى هنا أيها المشاء فلا تجعل خطوتك سبقاً واكتشافا أردت أن تحكي لنا السيرة وأنا أريد أيضاُ أن أعرف الصورة.

المشّاء: كعادتك يا زاد مأخوذة بالسبق والسباقين، المشاءون يا زاد لا يكرر بعضهم بعضا وإلا صار المشي حثراً خارج المعنى، أما الصورة التي تنشدين فاقرئيها في الوجوه وفي الحجر وفي الأعماق الغائرة كالنفوس.

زاد: هذه المرة أيها المشّاء تبعتك حد التيه فأخذتني إلى مجاهل لا تطلب إلا لنفسها كالحقيقة.

الشعر المنجمي والسينما في بوتقة واحدة

محمد عمار شعابنية: كانت في المرحلة الأولى لا يؤم قاعات السينما إلا الأوروبيون يتفرجون على الأفلام ويشاهدون المسرحيات والحفلات الغنائية أما العرب فكانوا محرومين من دخول هذه القاعات، بعد 1945 العرب وخاصة بدأت حركة الإتحاد العام التونسي والحركة الوطنية إلى غير ذلك، بدأ العرب يأتون كفضوليين إلى هذه القاعات إلى أن سمح لبعضهم كمنتقين ينتقونهم للتفرج على بعض هذه الأفلام فلم يرضهم ذلك وقرروا أن يدخلوا مثلما يدخل الفرنسيين والأوروبيين بصفة عامة في أوقات معينة ثم بدأت التسرب حتى بعض المسرحيات التي كانت تأتي تنتج في تونس تعرض في هذه القاعات لأن العرب بدو يتململون يريدون ذلك، ثم بدأت الأفلام المصرية لأنهم قالوا كيف تعرض أفلام فقط هي أوروبية وشرق غربية فقط ونحن لنا أفلام عربية فبدأت تبرمج هذه وبالتالي وقع هذا المزيج.

محمد علائمي: السينما كان اسمها في ذاك الوقت  قاعة الأفراح وبرشا للناس التو يقولوا يعني قاعة الأفراح، سنة 1908 تم كمل بنائها والفضل دائماً نقول نحن برشا ناس ما تعرفوا لكوبير الذي أحب الرديف برشا ودائما يقول أنا ابن الرديف لأنه تقاعد، أساسها وسماها ساندوفات وعمل فيها نادي الموسيقى نادي مسرح والبول بول الكرة الحديدية كانت تلعب تّم، وكانت تكاد تكون القاعة الوحيدة بالجمهورية التونسية إلي فيها عرض لبرا إلي دور السينما أوتوغراف كانت خاطر واحد من 8 عام 1914 جاب سينما أتوغراف يخدم بالمانيفيل، وفي مطلع الثلاثينات جاب ديفزور سيني إلي يمشي إلي فيه الصوتيات إلي فيه الصوت وجاب خدمة أخرى قصة سينما الرديف.

محمد عمار شعابنية: وبالتالي في قاعات الأفراح بقدر ما في البداية انطلقت أوروبية أصبحت وحرضت أبناء هذه المناطق بمختلف انتماءاتهم المغاربية والمحلية إلى تعبيرات وإنتاجات ثقافية مختلفة.

بين الأرض الفسفاطية والقلب الشاعر

أصوات لا يفهمها إلا العشاق

والأرض الفسفاطية حبلى دوماً بالأشواق

تضحك حين تطل الشمس

وتحزن حين يموج الليل

وتغرق فيه الآفاق

وتظل تفكر فينا ونظل نفكر فيها

نرسمها وشماً في الأحداق

ونعلمها كيف تغازلنا

فتمد إلينا أذرعة من عرق العمال

تزدان أصابعها بخواتم كدّ ونضال

الظاهرة الكبيرة التي برزت في المناجم هي ظاهرة الشعر المنجني هذا الشعر الذي هو مكتوب بالعربية الفصحى بطبيعية الحال أصبح هناك من تعلم بالعربية الفصحى في جامعة الزيتونية أو في المعاهد الثانوية فبرز الشعر المنجمي من طرف أحمد المختار الهادي سنة 1962 ثم التحقنا به كفريق محمد الطاهر سودة وسالم الشعباني وحسن بن عبد الله إلى غير ذلك وكان محمد صالح الجابري ألف روايته يوم من أيام الزمرة ونشرت سنة 1968 وبدأ إبراهيم بن سلطان يكتب القصة ويكتب الرواية، وانتشرت هذه الحركة الأدبية التي أصبحت تدرس في الجامعات وهناك بعض الطلبة الذين تحصلوا على شهايد الأستاذية وشهايد التبريز حول الشعر وحول الأدب المنجمي وظهرت المسرحيات مثلاً مسرحية فرندموس التي كتبتها أنا واشتهرت كثيراً من 6 نوفمبر 1986 إلى 1987 ثم أوقفت نهائياً ولم تعد تبث، بثت مرة واحدة في التلفزة.

فسفاطنا يا خضرار الدرب في وطني

يا ثروة في بلادي كلها ذهب

جباهنا ارتفعت والحلم مرتفع

وشمسنا لا تغطي وجهها السحب

وذي مناجمنا عمّ العطاء بها

وكلنا لرباها سمر ننتسب

فاليوم فاليوم ما وضعت أمٌ هنا ولدا

إلا وفي يده المصباح يلتهب.

محاور: رجعنا بك سنين يا سي عبد الحميد.

عبد الحميد طبابي: هذا غادرت المنجم التو منذ على الأقل ما يفوت 30 سنة وبكرا نشرع في الذكرى الأولى عنا يعني أولجت المنجم وأنا في سن 19.

المحاور: صغير.

حديث المناجم

عبد الحميد طبابي: كان بالنسبة لي هو عالم آخر عالم مجهول، عالم كله مجاهل، كله دهاليز، كله معناها ضجيج، النصوص التي تتحدث عن الحياة المنجمية هي انطلقت بالشعر الشعبي الذي كان يروي مأساة العمال معناتهم ظروف العمل القاسية تعاملهم مع الأجنبي معاملة الأجنبي المهينة لهم وغيرها، اطلعت على هذه الأشعار كذلك قرأت لبعض الأدباء والشعراء المنجميين هذا كله أعطاني دفعة أن أكتب نصي الخاص وأذكر أني بدأته بنص أحمينا يرشف نخبه الأخير، والتي تعرضت فيها إلى جانب من الحياة الهامشية للعامل المنجمي، حيث صورت بعض الزوايا من حياته التي لا يمكن أن يشاهدها أو يتفطن إليها الإنسان العادي يعني ثم كذلك تعرضت إلى ظاهرة تفردت بها المناجم ولعلها سبقت غيرها من المجتمع التونسي هي ظاهرة العمل النسوي بالمنجم وما استطاعت المرأة المنجمية أن تفرض نفسها كطرف قادر أنه هو كذلك يتحمل العناء ويتحمل شظف العيش والقسوة التي يعانيها العامل المنجمي، في الحقيقة الأدب المنجمي بالنسبة لي لا يمكن أن يخرج عن إطار الأدب العام، هو جزء من الأدب العام وشخصياً عندما كتبت روايتي الأخيرة انطلقت من الحدث بالمنجم لأتحول إلى موضوع آخر هو موضوع التعذيب في تونس ما قبل الثورة، وهذا ما جعلني أني أتدرج من الحدث الذي وقع في الإطار المنجم ثم يتغير الإطار لتصبح..

المحاور: معاناة منجمية.

عبد الحميد طبابي: إلى تصبح الزنزانة تصبح مواجهة البوليس تصبح أشكال التعذيب تصبح القدرة على الصمود تصبح النهايات المأساوية، هذا ما يجعل أنه عندما نتحدث أنه هنالك خاصية للأدب المنجمي صحيح هنالك خاصية أنها تتناول الواقع المنجمي الذي لا يدركه إلا من عايشه.

[فرقة أولاد المناجم]

في الدمس الدنيا ظلمة

يعدي نهار وكيف الفار

وعلى جلده كسوة زرقة

ما يفارقها حتى نهار

خذ العبرة يا سامعني

المينا ما تحقر خدّام

ضربته حارة توجعني

العيشة باطل وحرام

العيشة باطل وحرام

المشّاء: يتنهد الجبل ينهد وينهد، ترتفع السواعد تمتد بلا حدّ، كحجر في واد دحرجه المدّ، والوجه المطحون يسود ويسود، يا زمن الإنسان سجل واعتدّ، للمنجم حكايته كالندب على الخد.