بدأت علاقته بالكتاب في سن مبكرة، وخاض تجربة الترجمة من خلال ترجمة مقطوعات شعرية.. إنه الأديب والمترجم التونسي محمد علي اليوسفي الذي حل ضيفا على حلقة (26/2/2015) من برنامج "المشاء".

تأثر الشاعر بجده محمد صغير بن يوسف الذي ترك عملا فنيا وأدبيا يحمل صبغة تراثية، وبدأت حكايته مع الشعر قارئا للقصص، ومن شدة حبه للقراءة كلفه معلمه بتوزيع الكتب على التلاميذ.

وفي مرحلة الإعدادية أغرم الشاعر بكتب المغامرات والسير الشعبية، ويروي أن خال والدته كان يشتغل مهنة إسكافي وفي الوقت نفسه يخصص وقت المساء لقراءة السير رفقة أصدقائه، ومن هنا تأثر بهذا النوع من الكتب.

وأما مرحلة الترجمة فبدأت -حسب اليوسفي- بترجمة مختارات ومقاطع من الشعر لشعراء أجانب وتدوينها في دفتر خاص، ولم يكن يعرف معنى النشر في ذلك الوقت.

سافر الشاعر التونسي إلى سوريا، وهناك اكتشف حاجته إلى المزيد من الاطلاع والقراءة، واكتفى بترجمة مقالات في جرائد يومية، ثم انتقل إلى العاصمة اللبنانية بيروت من أجل الدراسات العليا، حيث قام بدافع من بعض الأصدقاء بترجمة أول كتاب هو رواية لغارسيا ماركيز عنوانها "بحار غريق" لدار نشر ابن رشد لناشر سوري يعيش في لبنان.    

وفي بيروت اكتشف الشاعر أنه يملك موهبة الترجمة، لينتقل بعدها إلى ترجمة الأصعب، وهي رواية ماركيز "خريف البطريرك" التي قال إنه ترجمها تحت القصف أثناء الحرب الأهلية في لبنان.. وبعدها تطورت عملية الترجمة عند الشاعر بين الترجمة للصحف ودور النشر.

يصف اليوسفي الشعر بالفراشة التي قد تأتي من الشباك وقد تهرب منه، والرواية بالمشروع، أما الترجمة فهي آلية وعمل حقيقي.

يروي الشاعر أيضا أن قصة لقائه بالشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش كانت عبر ديوان "حجر الشمس" لشاعر مكسيكي، حيث ترجمها الأديب التونسي وطلب نشرها في مجلة الكرمل التي كان يديرها درويش فأعجب بها هذا الأخير وطلب مقابلته.

وينقل أن درويش وصف ذلك الديوان بالمذهل، رغم أن دور نشر رفضت نشره في البداية.


اسم البرنامج: المشّاء

عنوان الحلقة: تغريبة.. محمد علي اليوسفي

ضيوف الحلقة:

-   محمد علي اليوسفي/أديب ومترجم تونسي

-   وليد سليمان/شاعر وإعلامي تونسي

-   ماري اليوسفي/زوجة محمد علي اليوسفي

تاريخ الحلقة: 26/2/2015

المحاور:

-   عمل روائي ملحمي تراثي

-   فن الترجمة والإبداع الفكري

-   حرية مشروطة

-   محطات هامة في حياة اليوسفي

المشّاء: هو سليل عائلة تحب علم التاريخ ولكنه لم يُغفل حظه من الجغرافيا سيوزع محمد علي اليوسفي تغريبته بعدلٍ على مسقط الرأس ومتاهةِ القلب، بحدس خاص قصد اليوسفي فلسطين، أنبأه قلبه الشاب بأن لديه حبيبة تنتظره هناك وأن شاعراً كبيراً سيلاقيه على قمة الكرمل وأن جيروم المقدسي شفيع المترجمين سيعلمه كيف يحتملُ جميع التهم ولو كانت هرطقة شريطة أن لا يحتمل خيانة الترجمة.

زاد: أكابدُ اليوم فرحاً خاصاً أيها المشاء لليوسفي شهر زاده الخاصة وهي التي ستأخذنا اليوم في رحلة إلى حروبه وسلاماته.

ماري اليوسفي: كنا ما تقول بيروت تذكر أيام الاجتياح وقت إلي ودعتني بتلك السيارة الصفرة تتذكرها، طلعت قلت لك تعال معي قلت لي لا روحي أنت بس أنا بوعدك ما رح أموت، وطلعنا وجئت لتونس واستقبلوني أهلك استقبال رهيب، قلت لعمي أبوك قلت له كلم ابنك قل له يطلع لشو قاعد، أخد السماعة وطلبك على بيروت وقال لك يا ابني إلي بصير على الفلسطينية بصير عليك، أنا انقهرت يوميها ما فهمت كنت صغيرة بس هو علمني درس أنه اللي اختار طريق النضال ما لازم أبداً إنه يسأل عن النتائج الله يرحمه.

محمد علي اليوسفي: الله يرحمه هو تاريخه كله نضال ولك يكسب شيئا ولم يأخذ شيئا.

ماري اليوسفي: صحيح.

وليد سليمان: نحن الآن في فضاء دار أل سليمانية إلي هو في الأصل المدرسة الباشية عرفت بالمدرسة الباشية، يظهر لي محمد علي الفضاء هذا عنده وقع خاص عندك له أهمية خاصة.

محمد علي اليوسفي: آه بالحق أنا انطلاقاً حتى من التسمية سواء من هذه المكتوب عليها الرخام المكتوب عليها اسمها تذكرني بانطلاق التاريخ بالقرن الثامن عشر، كان جدي  مؤرخا بالقرن الثامن عشر اسمه محمد الصغير بن يوسف ونحن العائلة لقب يوسفي جاء من بن يوسف فعنده كتاب اسمه المشرع الملكي لأولاد حسين الباي أو هيك مش متذكر بالضبط، المهم هذا الكتاب يحكي فيه عن الحرب الأهلية إلي تمت بين الملك الباهي حسين وابن أخيه، ابن أخيه هو علي باشا هذا، وهو كبير- لأن الباهي حسين كان لا ينجب ثم لما أنجب وكبر ولده في الأخير أراد التخلص من ابن أخيه ويحط ابنه، فصارت معركة أهلية ودمرت البلاد تقريباً وأدخلتها في حروب أهلية فهو أرخ القرن الثامن عشر..

عمل روائي ملحمي تراثي

وليد سليمان: أنت شو علاقتك بالكتاب هذا هل استفدت منه يعني في كتاباتك أو استلهمت منه أشياء؟

محمد علي اليوسفي: بصراحة هو أثر في كثيراً لأنه مكتوب بطريقة الوقار بطريقة اللغة العربية واللهجة الدارجة الجانب الأسطوري وجانب العادات والتقاليد هو عمل فني أدبي روائي ملحمي أكثر من أنه تاريخ بالمعنى الكلاسيكي بمعنى المفهوم الكلاسيكي فهنا الاستفادة كانت كثيرة جداً منه.

وليد سليمان: يعني عنده صبغة تراثية.

محمد علي اليوسفي:عنده صبغة تراثية وعنده صبغة.

وليد سليمان: ما هي علاقتك بالتراث يعني من هذه الوجهة وجهة النظر هذه؟

محمد علي اليوسفي: طبعاً أن هناك تراث يأتي ضمن الجانب لا هو التاريخ بالمعنى الدقيق للكلمة ولا هو الفلكلور بالمعنى الدقيق للكلمة، تصير المسألة مسألة أنه ماذا يتبقى من هذا التراث؟ النقطة التي تهمني هي التراث دائماً، ليس أن تأتي به كجلمود وتضعه أمامك وتقول هذا تراثنا بقدر ما هو ماذا تبقى من هذا التراث في حياتك وفي يومياتك وفي شارعك وفي بيتك وفي عاداتك وتقاليدك وأكلك وملبسك هذا هو امتداد التراث فينا.

كنا نشاهدهم مندفعين في اتجاه المستقبل

نرى القتيل يسقط

فلا نقول:

ها أنت ذا تذهب بدمك كما فعل الأولون

ولا نقول إن تمت من أجل الوطن ارفع غيرك درجة

ولأن كل شيء صار مباشراً

صرنا نرى الشهيد قبل أن يسقط

والثائر الذي سوف يلاحق الحكومة الجديدة من أجل تركيب ساق اصطناعية

والأم التي ستبكي ابنها بقية العمر

وعيناها جمرتان على شاشة المنتصر

وليد سليمان: ما هي الشرارة التي دفعت محمد علي اليوسفي لكي يدخل غمار الشعر ويكتب قصائده الأولى؟

محمد علي اليوسفي: أنا بدأت كقارئ نهم للقصص عندما كنت طفلاً حتى أن معلمي كلفني في المكتبة مكتبة المدرسة وصرت أنا الذي أوزع القصص والذي يأخذ بعض المليمات القليلة من التلاميذ، ثم يشتري بما يوفره قصصاً جديدة، بدأت هناك علاقتي بالكتاب بطريقة متميزة عن الآخرين لأني صاحب المكتبة أيضاً وكثيراً ما كانت هذه المكتبة معلقة في محفظتي على ظهري، المهم وكنت متميزاً بالكتابة وخاصة بالإنشاء العربي والفرنسي منذ الابتدائية ثم لما انتقلت إلى الإعدادية بدأت مطالعتي تختلف صرت أكتشف بعض الكتب ليس من المدرسة لكن من المكتبة العمومية صرت أكتشف بعض الكتب التي لها علاقة خاصة بالمغامرات وبسير الشعبية، أغرمت بالسير الشعبية لأنني لي خال هو ليس خالي هو خال أمي بالأحرى هذا كان إسكافياً حذّاء يصنع أحذية هذا الشخص هو حذّاء وفي نفس الوقت هو بعد المساء بعد فترة العشية يستقبل أصدقاؤه من الشيوخ الكبار وينظفون الدكان ويرشون الماء حول وأمام الدكان حتى لا يفاجئهم الغبار ثم يبدأ بقراءة السير، يُخرج من عنده خلفية في الدكان يُخرج هذه السير الشعبية وكل مرة كتاب سيف بن ذي يزن إلى آخره ويبدأ بالقراءة فكنت أنا أصغر مستمع إليه.

فن الترجمة والإبداع الفكري

وليد سليمان: هناك مرحلة أخرى في حياتك وهي مرحلة الترجمة، لماذا الترجمة بالذات وما هي الظروف التي حثت بدخولك في هذا المجال؟

محمد علي اليوسفي: الترجمة أيضاً بدأت بفترة متواضعة في تونس وأنا أدرس بدأت بمختارات من الشعر أترجمها لنفسي، بدأت بكراس آخر كنت أختار فيه قصائد أو مقاطع أو أسطر لشعراء أجانب مثل رامبو مثل لوركا مثل كذا يعجبني بيت أترجمه للعربية وصار عندي أيضاً دفتر لمترجماتي الشخصية وليست للنشر لأني لم أكن أعرف ماذا يعني النشر أصلاً، وكنت طموحا وأريد أن أكمل دراستي فسافرت إلى الشرق إلى سوريا تحديداً، في سوريا اكتشفت أن كل ما قرأته ما زال يتطلب أن أقرأ الكثير وكل ما طالعته في بلدنا المغلق لأن تونس كانت مغلقة كانت لا  تصلنا الكتب بشكل جيد تصلنا الكتب الكلاسيكية تصلنا كتب نجيب محفوظ محمود تيمور طه حسين إلى آخره، لكن لم نصل إلى الشعر الجديد والرواية الجديدة إلى آخره فالمهم في سوريا بدأت أترجم بعض المقالات في الجرائد اليومية واكتشفت أنني أستطيع بهذه الطريقة أن أوفر أيضاً مبلغاً أوفره لإقامتي ولدراستي يعني لما أنهيت الجامعة في دمشق انتقلت إلى بيروت لأكمل الدراسات العليا، في بيروت في الحقيقة لم أجرؤ على الترجمة أيضاً لكن مرة تآمر علي بعض الأصدقاء وقالوا أنت تجيد ترجمة مقالات كثيرة لماذا لا تترجم كتاباً أنا خفت وقلت كيف يترجمون كتابا؟ لم أكن أنوي لم أكن حتى متأكداً إنه ممكن أترجم كتابا، فالمهم اتصل الأصدقاء ببعض دور النشر وتمت الموافقة أعتقد يمكن أول كتاب دار ابن رشد هي دار لناشر سوري يعيش في لبنان ترجمت له أول كتاب هو كتاب صغير رواية لماركيز هي قصة "بحار غريق"، قال لي هل أسلمها لناس يراجعونها؟ قلت له: أكيد طبعاً، فسلمها وقال لي كيف تقول أكيد طبعاً وروايتك مترجمة لغة عربية سليمة ودقة في الترجمة إلى آخره، ففرحت أنا واكتشفت أني مترجم فعلاً، بدأت الترجمة من هناك من حكاية بحار غريب إلى الأصعب اللي هي "خريف البطريرك" لماركيز ترجمتها لدار أخرى ثم تطورت العملية بين الترجمة للصحف والترجمة لدور النشر وأتذكر أنني ترجمت "خريف البطريرك" تحت القصف وتحت بقايا الحرب الأهلية في لبنان وكنت آخذ كل فصل آخذه إلى دار النشر أول بأول، المهم كان من جملة الناس إلي بدئوا يتلمسون طريقهم في الترجمة المترجم الكبير والعظيم أنا أقول صالح علماني، صالح علماني كان قد جاء وكان قادماً حديثاً وكونه يعرف الإسبانية كُلف بالقراءة والمراجعة فكان رده- وعلى فكرة هذا الرد دائماً يكرره صالح وهذا يعني رائع جداً منه لأنه عادة صاحب مهنتك عدوك في أوساطنا الثقافية- صالح دائماً يقول عندما يسألونه لماذا ترجمت كل أعمال ماركيز إلا خريف البطريرك؟ فيقول لهم: لن أستطيع أن أترجمها كما ترجمها محمد علي اليوسفي وهذا طبعاً شهادة من إنسان صادق صدوق.

ماري اليوسفي: تتذكر وقت إلي زارنا محمود درويش في الليل كان تعبان شوي وقال لي بدي مليسة بالذات المليسة كان يحبها وكان يحب الزهورات وقال لي بكرا  السهرة عندكم وكانت من أجمل سهرات العمر تتذكرها.

محمد علي اليوسفي: آه بتذكرها.

ماري اليوسفي: كانت سهرة توجعني كل ما أتذكرها توجعني لأنه حكينا وقتها كثير على فلسطين وعلى بيروت وعلى ذكرياتنا وعلى قبرص أيام الكرمل وفلسطين الثورة كانت أيام حلوة.

حرية مشروطة

محمد علي اليوسفي: "حرية مشروطة" هو كتاب مكون من ثلاث مجموعات شعرية المكسيكي الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث هذا في الحقيقة أنا ترجمته في البداية لي لأني أحببته وأذهلني في كتاباته المختلفة تماماَ والتي تناسب مزاجي، بعد فترة أطلعت بعض الأصدقاء من السودان ومن لبنان ومن فلسطين ذهلوا بهذا الشاعر الذي هو غير معروف، بالأخير قدمتها لدار نشر أولى ثانية ثالثة كانوا يعاملونه كأنه شاعر مبتدئ، شاعر مبتدئ مش معروف إلى آخره ولا يريدون نشره رغم أنهم يقبلون بالكتاب لكن لا يريدون نشره، طبعاً عن طريق الأصدقاء وصل الكتاب إلى دار صغيرة هذه إلي حكيت عنها إلي هي دار العالمية وفي الأثناء لما قدمت الكتاب كنت أخذت منه قصيدة طويلة، ثمة قصيدة هي ديوان اسمها حجر الشمس، هذه القصيدة الديوان أخذتها وأرسلتها لمجلة الكرمل لما بدأت تصدر في بيروت يشرف عليها محمود درويش، لا أعرف محمود درويش كنت في تلك الفترة فأعطيت القصيدة للروائي الفلسطيني يحيى يخلف أوصلها هو إلى محمود درويش طبعاً وقتها أنا تعرفت على محمود درويش بفضل هذه القصيدة لأن هذه القصيدة أذهلت محمود درويش وقال من هو محمد اليوسفي وأين هو أريد أن أتعرف عليه، وفعلاً ذهبت إلى مقر مجلة الكرمل وتم التعارف مع محمود درويش وقال لي قصيدة مذهلة يا أخي قصيدة رائعة ونُشرت فعلاً في الكرمل، في الأثناء في دار النشر لما حكيت له هذه الحكاية طمع في حاجة أكبر قال لي ماذا لو يقدم محمود درويش الديوان لأن الشاعر غير معروف، فقلت له لا أدري، محمود درويش يقدم للديوان أو لا لكن سأحكي معه فعلاً حكيت لمحمود درويش قال لي أوكتافيو باث لا يحتاج لمحمود درويش، وقلت لدار النشر فليصدر الكتاب بدون تقديم ما عدا المقدمة إلي كتبتها أنا عن حياته ومن هو أعماله وإلى آخره وحياته إلى آخره، فصدر الكتاب بتلك الطريقة.

محطات هامة في حياة اليوسفي

وليد سليمان: أود أن أتوقف قليلاً يعني في محطة لبنان بيروت يعني أنت عشت في لبنان في مرحلة خاصة يعني في ظروف حرب أهلية في ظروف استثنائية كيف كانت تجربتك في هذه المنطقة في يعني في لبنان؟

محمد علي اليوسفي: شوف أنا كنت دائماً مصر ومصر على استقلاليتي ككتاب وكمثقف، ملتزم لكني لا التزم الأحزاب لأني أعرف أن الأحزاب هي دائماً أولاً قاتلة للأدب وللثقافة وتحاول أن تأطرك وتكتب كما تريد هي ليس كما تريد أنت، وحتى لما عشت في بيروت كنت Ok أميل لليسار والحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية وانخرطت كتابة وترجمة ونشراً مع هذه القوى اليسارية لكنني لم أنتمي بمعنى الحزبي للكلمة أيضاً كنت لا أرضى بما أراه من كتابات يعني تساير اللحظة أو تدعي الثورية إلى آخره.

وليد سليمان: هناك مرحلة أخرى في حياتك مهمة هي مرحلة يعني محطة قبرص يعني عشت فترة في قبرص وخلال تلك الفترة كنا نتابعك يعني في مختلف الصحف التي تصدر، الصحف والمجلات التي كانت تصدر هناك ماذا لو تحدثنا قليلاً عن هذه المرحلة يعني مرحلة قبرص.

محمد علي اليوسفي: مرحلة قبرص فعلاً كانت مرحلة غريبة وجميلة أيضاً، كانت جاءت مباشرة بعد بيروت لما ذهبت هناك كانت جزيرة جميلة، جزيرة صغيرة جميلة الحياة فيها رخية أحياناً الأمان فيها رهيب، جزيرة بعدها تعيش على البراءة الأولى يعني تضع الفلوس أمام بيتك يأتي بائع الحليب يحط لك الحليب يأخذ الفلوس ويجيب لك الأشياء كل شي تشتريه هناك أشياء مثلاً تصلحها يصلحها تحط له فلوس يصلحها يجيبها لك على البلكون يحطها لك، عشنا فيها فترة استرخاء رهيب فترة بحث عن تفاصيل الجزيرة في رحلاتنا وفي نفس الوقت التفرغ للقراءة والكتابة والنشر في تلك الفترة، وكنا نطل على الناس من جزيرة شخصياً يعني لعبت دوراً كبيراً في نشر الكثير للكتاب التوانسة والشعراء إلى آخره كانوا يبعثون لنا كانت مجلة في أوجها مجلة فلسطين للثورة والكرمل، نشرت الكثير لشعراء الآن مهمين أو لكتاب، كما كتبت عن أغلب الكتاب إلي كانوا يرسلون بكتبهم ثم أكملت أيضاً بوضع كتاب عن شعر الانتفاضة اسمه أبجدية الحجارة، بدأت بكتابة الرواية الأولى كما حدثتك في قبرص طبعاً لما اكتملت أرسلت بها من قبرص- ليست هناك دور نشر مباشرة عربية- فأرسلت بها إلى دار توبقال إلى الصديق الشاعر بنيس فرد رداً سلبياً وقال لي أعتذر وعنا ظروف و و.. والقصة هذه، فكان من حسن حظي لأني أرسلتها لدار الريس، ودار الريس قبلت ثم شاركت في الجائزة ونالت جائزة الناقد عام 1992.

وليد سليمان: كيف أن تقسم وقتك بين الشعر والترجمة والرواية؟

محمد علي اليوسفي: بالنسبة لي الشعر يأتي دون طرق الأبواب، الرواية أطرق بابها وأناديها وأحياناً يعني تزعجني لأنها لا تريد أن تكتمل وأصبر عليها أكثر إلى آخره، الترجمة آلية أخرى هي عمل حقيقي تجلس وتترجم آلياً أو شبه آلياً لأن أنت بشر ولست كمبيوتر أو روبوت، الرواية مشروع والشعر فراشة قد تدخل من شباكك وقد تهرب منه.

وليد سليمان: محمد علي اليوسفي عاش بين المشرق والمغرب كيف ترى يعني الحياة بين هذين القطبين؟

محمد علي اليوسفي: في الحقيقة هذه مسألة مهمة جداً وكتبت عنها كثيراً، عندما عدت إلى تونس وبعد أن زرت المغرب والجزائر وإلى آخره دائماً كنت أحس بنوع من العداوة بين المشرق والمغرب تنطلق من المغرب العربي انطلاقاً من كونهم أن بلدان المغرب العربي يعتبرون المشرق يتجاهلنا ولا يعرف عنا شيئا بينما نحن نعرف عن الشرق كل شيء من أغانيه وأفلامه وكتبه وجوائزه وإلى آخره، فهذه مسألة أنا أعتبرها مغلوطة أولاً، ثانياً كنت أحس أحياناً يصل إلى الصراع إلى درجة نصب المدافع كنت أرى بعض المثقفين والصحفيين وغيرهم ناصبين مدافع باتجاه الشرق يطلقون النار والشرق ما يعلم بذلك، الشرق لاهي في حاجات أخرى، فكنت أحس بعدوانية ما، لأنه أنا عشت بالشرق وأعرف أنهم يبحثون بالاسم وتحت ضوء شمعة عن أسماء يبحثون عن كتاب يبحثون عن كتاب نادر، تُرجم كتاب في تونس ولا يمكن أن يصل كيف يصل؟ كيف أوصي عليه؟ كيف أعمل؟ أيضاً المسرح التونسي أول ما وصل أنا ما زلت بالجامعة أدرس لما وصلت أول مسرحية للمسرح الجديد عملت ضجة رهيبة في دمشق كلها لم يفهموا اللهجة كثيراً لكنهم واظبوا على هذه المسرحية حتى يتمتعوا بطريقتها وبإخراجها وبصدمتها وإلى آخره، فكانت مغلوطة النظرة لأنه أعطيني إنتاجا سيفرض نفسه على العالم أعطيني إنتاجاُ سيفرض نفسه، واضح أنه كان ضعيفا كان احتفالياً، للآن إحنا مازلنا احتفاليين على فكرة نؤمن بالاحتفال الثقافي بالفرجة الثقافية أكثر مما نحتفل بالإنتاج الثقافي.

ماري اليوسفي: لما يقرب عيد الميلاد كنت بتذكر عمي أبوك الله يرحمه كيف كانت أمك خائفة إنه ماري بدها تعمل شجرة عيد الميلاد بركي تحسس، بما إني أنا كنت دلولته رحت قلت له بدهم يودوك زيارة قال لي ليش؟ الدنيا برد قلت له من شان أنا أعمل شجرة عيد الميلاد، فقال لي اعملي بدك تروحي على الكنيسة أنا راح آخذك، بعد شوي راح يصلي العصر طول شويّ ولا هو فايت وحامل شجرة خضرة قطفها من الجبل وقال لي خذي يا ابنتي زيني شجرتك وهاتِ أزن معك الله يرحمه كثير كان متسامحا ودائماً بتذكره بالخير، بتعرف أحياناً بس أتذكر من أيام دمشق لبيروت لقبرص لتونس في محطات بحياتنا كثير غنية ودائماً بحب أحكيها لأولادي لأنه أنا انتميت لتونس وصرت تونسية زي ما أنت انتميت لفلسطين وصرت فلسطيني وهذه الخلطة الحلوة إلى كان دائماً درويش يحكي عنها أعطت الأولاد بعدين تونسي وفلسطيني، وهذا يفرحني كثير ودائماً بحس إنه في أوصي أولادي على فلسطين زي ما أنت فيك توصي أولادك على تونس والعكس صحيح دائماً موجودين فلسطين تونس سوريا بيروت كل هذه العواصم حتى أثينا إلى زرناها تركت وطبعت أثر في قلوبنا، بتصور قصتنا بكل ما فيها من مر وحلو تُروى.

زاد: لم يعد محمد علي اليوسفي من غربته ربما لأن التاريخ والجغرافيا ما زالا مريضين، ولكني أعترف بأن اليوسفي قد أثلج اليوم صدري أن مثله لا أعترف بحدود ثقافية بين المغرب والمشرق، علينا فقط أن نصل ما قُطع لدينا 28 حرفاً ولو عجنّا لغتنا بحاضرنا لجئنا بما لم تستطعه الأوائل، أود أن أوجه الشكر لماري اليوسفي على الحكاية التي تستحق فعلاً أن تُروى شكراً على الأجيال التي ستهتم بتونس وفلسطين وما جاورهما، وشكراً على ما شرب درويش.