من حي الحسين العريق في القاهرة إلى جامعة السوربون في باريس، ومنها إلى جامعات كبرى، كانت رحلة الفيلسوف وعالم الرياضيات المصري رشدي راشد، حيث تؤكد على أخوة ووحدة الفكر الإنساني.

في حلقة 19/11/2015 من "المشاء" يمشي الفيلسوف في عقده الثامن على مهل بصحبة محاوره رئيس المركز الثقافي المصري السابق محمود إسماعيل، ويحكي عن تكوينه الشخصي والتكوين العام، انطلاقا من مدرسة الجمّالية الابتدائية في الحسين.

يصف راشد مستوى التعليم إذ ذاك بالممتاز، إذ كان ثمة امتحانان شفوي وتحريري لقبول الطالب في الابتدائية، بينما يبدأ تعلم اللغة الأجنبية في سن ثماني سنوات.

من قاهرة المعزّ
على مقربة من السلك المدرسي، سيواظب الطفل على المذاكرة في كتب بالإنجليزية في جامع الأزهر، وفي الفضاء المحيط ستكون القاهرة المعزّية بجوامعها وأحيائها وتقاليدها، مما سيدفع للربط الأبدي بينه وبين الحضارة العربية والإسلامية.

غير أن المناخ العام في خمسينيات القرن الماضي سيكون ضاجا ومفتوحا على اتجاهات عديدة، فتجد الشيوعي الماركسي والإسلامي في فضاء واحد، ويشير رشدي راشد إلى أن عالم اللغة السني محمود شاكر يساعده في اللغة العربية، بينما يفتح محمود أمين العالم الماركسي له المكتبة ليستعير منها ما شاء من الكتب.

ورغم قبوله لإتمام دراسته العليا في جامعة أكسفورد في بريطانيا، فإن الفكرة الرومانتيكية عن باريس داخل الثقافة المصرية، التي روّج لها طه حسين وتوفيق الحكيم، ستدفعه لاختيار العاصمة الفرنسية.

هزيمة 67
يؤمن رشدي راشد بأن التاريخ من دون فلسفة أعمى، وأن الأمم بلا حضارتها لا تستطيع تكوين عقلية الذهاب للأمام، إلا أن ذلك لن يجري الحديث عنه دون هزيمة يونيو/حزيران 1967.

ماذا فعلت الهزيمة بطالب العلم والفلسفة؟ يقول إن أوهاما سقطت مع الهزيمة وبدأ يفكر في بناء حضاري للمستقبل، "أما الحاضر فلم أعد أثق به".

انشغل بالذاكرة، وأراد وضع التاريخ الفكري والعلمي للأمة العربية والإسلامية في مكانه دون زيادة، ودون نقصان أيضا.

ستتكرر الهزائم بعد 1967، لكن الفيلسوف بقي على عهده في تبني مشروع البناء ومحاولة البناء دون ادعاء.

العلم كقيمة اجتماعية
يلفت ضيف "المشاء" النظر إلى أن العلم كان أحد أسس الحضارة الإسلامية، وأنه إذا أردنا أن يكون العلم والعقلانية قيمة اجتماعية وليس مجرد تدريس جامعي، فلا بد من تشجيع ذلك على مستوى الدولة.

وعليه، يمضي بالقول إن مسيرته لم تكن لتتم لو لم تتح له الفرصة الباريسية، ذلك أنه لا يوجد من يهتم بتاريخ العلوم في أي بلد عربي وإسلامي.

وختم بأن المؤسسات البحثية الحقيقية هي التي يمكن أن تؤسس للبناء الحضاري وليست الجوائز والمؤتمرات التي لا تنتهي إلى شيء.

اسم البرنامج: المشّاء

عنوان الحلقة: رشدي راشد.. من أين تبدأ الفلسفة؟

مقدم الحلقة: محمود إسماعيل/ رئيس المركز الثقافي المصري بباريس سابقاً

ضيف الحلقة: رشدي راشد/ فيلسوف ومؤرخ للعلوم الرياضية العربية

تاريخ الحلقة: 2015/11/19

المحاور:

-   عوامل تكوين شخصية المؤرخ

-   مشاكل ميتافيزيقية

-   فلسفة التاريخ وفلسفة العلم

-   هزائم متكررة

زاد: من القاهرة تبدأُ الفلسفة، من الحيرةِ القاهرة أمام العالم ثم تبدأُ مرة أخرى من الهزيمةِ القاهرة، هذه المرة تخرج الابستمولوجيا من عباءة الميتافيزيقا ويترعرع السؤالُ الفلسفيُّ في كنفِ التاريخِ العلميِّ، يعودُ رشدي راشد إلى الصفر بخفيّ حُنين استلفهما من راهنِ الهزيمة، وهنا يلتقي بالخوارزمي والطوسّي وغيرهما ويلتقي خاصة بابن الهيثم الذي سيأخُذهُ إلى جامعاتِ فرنسا وأميركا واليابان، سيصرفُ هذا الفيلسوفُ الراشدُ عُمره وهو يُحاورُ الإبداعَ العلميَّ العربيَّ دون عدميةٍ ودون تهليل، في هذه الفلسفة ما يُؤسس وفيها ما يُؤنس وفيها ما يعترفُ لابنُ رُشده برشادِ فِكره.

محمود إسماعيل: طبعاً دكتور رشدي إحنا يعني في سعادة غامرة إن إحنا نلتقي مع حضرتك في هذا اللقاء الجميل.

رشدي راشد: شكراً جزيلاً بالعكس.

محمود إسماعيل: وبالرغم إن إحنا يعني هنا في أحد الحدائق الخلابة في باريس من أجمل حدائقها سنحاول نعود كدا حبة للوراء وتكلمني حضرتك على أهم ذكريات الطفولة والنشأة في هذه المدينة اللي أنت حبيتها وما زلت تُحبها مدينة القاهرة.

عوامل تكوين شخصية المؤرخ

رشدي راشد: الطفولة والنشأة أنا نشأت في حي الحسين- الأزهر وكنت في مدرسة الجمّالية الابتدائية واللي أذكره هو مستوى التعليم في هذا الوقت في المدرسة الابتدائية كان أول شيء يعمل أنه حتى ندخل المدرسة الابتدائية كان في امتحان..

محمود إسماعيل: امتحان للابتدائية.

رشدي راشد: قبل الابتدائية أول سنة.

محمود إسماعيل: نعم.

رشدي راشد: كان أنا عندي 7 سنين في هذا الوقت، فامتحان تحريري وامتحان شفوي.

محمود إسماعيل: ما شاء الله.

رشدي راشد: وبعدين ندخل المدرسة وفي داخل المدرسة كان التعليم على مستوى ممتاز وبدأنا اللغة الأجنبية كان عندي تقريباً 8 سنوات.

محمود إسماعيل: يعني مجرد تقريباً دخول المدرسة تبدأ اللغة الأجنبية مباشرة بعد عام سنة بعدها.

رشدي راشد: سنة بعدها، 8 سنوات وأربع سنوات في هذه المدرسة، وفي هذه المدرسة انتهت برسالة الابتدائية الأولى وبعد هذا دخلت مدرسة فاروق الأول الثانوية اللي كانت الآن أظن اسمها العباسية.

محمود إسماعيل: نعم يعني حي برضه مش بعيد عن حي الجمّالية وحضرتك هذا الحي الجميل العريق اللي ما زال ينظر له العالم على أنه أحد يعني تيجان العمارة الإسلامية والتراث المعماري الإسلامي..

رشدي راشد: كل دا تدخل في تكوين الشخصية.

محمود إسماعيل: أكيد.

رشدي راشد: كل هذا تدخل في تكوين الشخصية لأني أنا أذكر في سن عشر سنوات كنت أذهب لجامع الأزهر..

محمود إسماعيل: نعم.

رشدي راشد: وهناك كنت أذاكر في بعض الأوقات وكان حتى السواح يمروا يروا إن إحنا على الأرض يعني جالسين على الأرض وأقرأ كتبا إنجليزية وكانوا يستعجبوا لهذا الوضع، غير هذا إن كل هذا يعني أولاً الشكل المعماري القاهرة المعزية خاصة القاهرة المعزية بجوامعها بأحيائها بتقاليدها مثلاً تقاليد رمضان في الفيشاوي، كل هذه الأشياء هي اللي كونت الشخصية وهي اللي ربطت الواحد أساساً بهذه الحضارة وبمصر أساساً.

محمود إسماعيل: نعم هي دي كانت بداية الربط فعلاً مع هذه الحضارة.

رشدي راشد: هذا هو الربط الحقيقي..

محمود إسماعيل: نعم، نعم.

رشدي راشد: الربط العميق.

محمود إسماعيل: وهو الحقيقة خرج عظماء كثيرين لأن فعلاً زي ما تقول له سحر وله تأثير عميق فيمن ترعرع بين دروبه.

رشدي راشد: أذكر أنه من الشخصيات الكبيرة في مصر خرجت من مدرسة الجمّالية الابتدائية.

محمود إسماعيل: نعم.

رشدي راشد: يعني أسماء غائبة شوية عن ذهني لكن خرجت من هذه المدرسة ومن هذا الحي.

محمود إسماعيل: وحضرتك بعد كده بقى انتقلت من المدرسة الثانوية اللي كانت في العباسية إلى الجامعة.

رشدي راشد: إلى الجامعة نعم، إلى الجامعة كانت في هذا الوقت كانت بسنة 1952 لما خلصت التوجيهية وكانت جامعة فؤاد الأول ثم غُيّر اسمها إلى جامعة القاهرة، هذا هو أيضاً كان هذا تقليد آخر ومرحلة أخرى الجميل أيضاً في هذا هو يعني في هذه المرحلة والواحد في 7 سنين 8 سنين كانت المعركة الوطنية يومية من حيث طلب الاستقلال إلى آخره كانت المظاهرات في كل وقت وفي هذا الحي بالذات فأيضاً هذا دخل في تكوين الشخصية.

محمود إسماعيل: إلي هو الارتباط بالوطن والعمل أو حب العمل لقضية قومية.

رشدي راشد: لقضية قومية مع تكوين جيد، مع تكوين جيد، دا بعد هذا القاهرة أصبحت بالفترة ما بين 1948 و1952، 1954، 1956 كانت القاهرة تجد فيها ما تشاء، تشاء إسلامياً تجد، شيوعياً تجد، ماركسياً تجد، وكان يمكن أن تقرأ وكان التكوين مستمرا يعني أذكر على سبيل المثال من ساعدني في تعلم العربية كان الأستاذ محمود شاكر، الأستاذ محمود شاكر كان رجل سني إلى آخره، وكنت وأنا في الجامعة اتصل بمحمود العالم وكان أستاذ..

محمود إسماعيل: محمود أمين العالم.

رشدي راشد: محمود أمين العالم إلي هو كان ماركسي واستعير منه كتب الفلسفة وأسأله في الأشياء التي لا أعرفها وهكذا كان التكوين، فكانت القاهرة بلد مفتوح وفيه كفاءات متعددة وفي كل الآراء وكل الاتجاهات وهذا الذي كوّن هذا الجيل.

محمود إسماعيل: نعم.

رشدي راشد: ذاك التكوين في مدينة القاهرة كان في الواقع في المدارس وفي الجامعة وأيضاً في المجتمع.

محمود إسماعيل: وفي الشارع.

رشدي راشد: في الشارع وفي العلاقات، في الشارع على أساس كان في تكوين قومي وطني في الشارع وفي المدارس وكان في تكوين علمي في المدارس، وكان في تكوين أيضاً علمي خارج المدارس في المثل الذي أعطيته لك وهو مثل بالنسبة للغة العربية واحترام اللغة العربية الاتصال بمحمود شاكر اللي هو كان من أكبر علماء اللغة في هذا الوقت، فهذا أو بالنسبة للفلسفة الاتصال يعني الاتصال الشخصي بمحمود العالم وفتح هذه المكتبات لشاب في 16 من عمره أو في هذه الحدود فكان هذا هو التكوين الأساسي، بعد هذا داخل الجامعة كان في أساتذة محترمين وفي نفس الوقت تعدد التخصصات يعني كان ممكن لطالب يدرس الفلسفة كان ممكن أن يذهب لكلية العلوم ويدرس الرياضيات.

محمود إسماعيل: نعم.

رشدي راشد: وهذا أيضاً من ميزات هذا العصر بذلك الوقت.

محمود إسماعيل: وحضرتك يعني لما نقول نختار يعني إيه السبب إن حضرت اخترت الفلسفة.

مشاكل ميتافيزيقية

رشدي راشد: مشاكل ميتافيزيقية لأنه كان من المفروض كنت أدرس الرياضيات كان هذا هو الميدان الذي كنت أحبه لهذا ولكن كان هناك مشاكل ميتافيزيقية ولاهوتية فهذه المشاكل دعتني أن أختار الفلسفة وبعد هذا رجعت.

محمود إسماعيل: وهذه المشاكل بدأت مع شاب عنده 16 سنة.

رشدي راشد: أقل.

محمود إسماعيل: أقل يعني دا يمثل مدى الزخم اللي كان موجودا في هذا الوقت نعم، نعم وبعد كدا بقى جمعت حضرتك ما بين الفلسفة والرياضيات في آن واحد.

رشدي راشد: في آن واحد وهذا لمدى الحياة فأصبحت يعني على علاقة كالذي تزوج من اثنتين.

محمود إسماعيل: حضرتك يعني كنت تقول مع هذا الثراء بقى وهذا الزخم إلي كان على كل المستويات حضرتك اخترت أنك تدرس في نفس الوقت وتجمع بين الفلسفة وبين العلوم وخاصة الرياضيات.

رشدي راشد: نعم.

محمود إسماعيل: فمع هذا الجمع وهذا يعني الفكر المستنير اللي نقول إن هو بدأ في سن مبكرة كان من الواضح إن عند حضرتك مشروع علمي وخاصة فيما نسميه في الدراسات العليا الدكتوراه.

رشدي راشد: كان في مشروع علمي فعلاً ولهذا هذا المشروع كان له عنوان ولهذا بعد ما انتهت دراستي في الجامعة سافرت رأساً إلى باريس لتحضير الدكتوراه في هذا الميدان.

محمود إسماعيل: نعم.

رشدي راشد: طيب وحضرتك لماذا اختيار لباريس في حين إن كان في أوقات كثيرة الناس بتروح برضه لانجلترا وتروح أميركا؟

محمود إسماعيل: أنا قبلت في أكسفورد.

رشدي راشد: نعم.

محمود إسماعيل: ولكن فضلت باريس على أساس فكرة رومنطيقية عن الدراسة في باريس وفي فرنسا، وهذه الفكرة الرومنطيقية كانت من داخل الثقافة المصرية من الداخل؛ عن طريق طه حسين عن طريق توفيق الحكيم عن طريق أسعد زكي الذين كلهم درسوا في باريس وهكذا، هذا هو السبب الأساسي ويعني هذا هو السبب الأساسي ولهذا لم أذهب إلى أكسفورد ولكني جئت إلى باريس، وبعد هذا لم يكن في ذهني إطلاقاً البقاء في فرنسا لم يكن هذا في ذهني ولكن كان ما كان، وكان في تشجيع من شخصيات مصرية مثل الدكتور طه الله يرحمه ننتظر حتى نراه..

رشدي راشد: نعم وبدأت الحياة في فرنسا بالدكتوراه ثم استمرت بقى في المجال العملي.

محمود إسماعيل: في كل المجالات وخارج فرنسا لأن في وقت من الأوقات اضطررت أن أذهب إلى ألمانيا لتدريس المنطق في برلين ثم رجعت إلى فرنسا.

رشدي راشد: لكن لا أجد اسم اهتم فيه بالذات في فرنسا أو حتى في دول أوروبا بهذا المجال وأدى له عمره مثل حضرتك.

محمود إسماعيل: يعني دعني أذُكر باسم مصطفى نظيف في مصر.

رشدي راشد: نعم.

محمود إسماعيل: إلي هو كان عميد كلية الهندسة.

رشدي راشد: الهندسة.

محمود إسماعيل: وكان يدرس علم المناظر، هذا الرجل بدأ بقوة وبصلابة وبإتقان لم أكن أعرفه عرفته هنا عندما بدأت أهتم بهذا الموضوع.

رشدي راشد: غير هذا عندك حق بهذا الكلام لم يكن هنا شيء إلا في فرنسا إلا أحكام سابقة وليست معمقة وليست موضوعية، ولكن مما خدم الأمر أنني لم أبدأ بهذا الموضوع أنا بدأت بموضوع آخر وهو تطبيق الرياضيات في الميادين التي من الصعب فيها تطبيق الرياضيات وكان خاصة مهتم بحساب الاحتمالات واستمر هذا عشر سنوات.

محمود إسماعيل: يعني المشروع كان تطبيقي أكثر منه..

رشدي راشد: لا، تطبيق الرياضيات كان نظري.

محمود إسماعيل: نظري نعم.

رشدي راشد: الموضوع نظري لماذا لا تطبق في هذا الميدان وما هي الأسباب العميقة في هذا، وكان هذا يجعلك تذهب إلى الشكل الافتراضي Axiomatic بالرياضيات وأشياء من هذا النوع وخاصة في حساب الاحتمالات التي كنت أعمل من داخله ثم كان ما كان.

محمود إسماعيل: تم بقى التحول لهذا الاختيار إلي سيأخذ العمر.

رشدي راشد: إلي سيأخذ العمر نتيجة لأسباب عامة أكثر منه أسباب شخصية وهو هزيمة 1967.

محمود إسماعيل: نعم.

رشدي راشد:  نعم.

[فاصل إعلاني]

فلسفة التاريخ وفلسفة العلم

محمود إسماعيل: طبعاً دكتور رشدي إحنا هنا في هذا الإنتاج العلمي الضخم في مكتبة حضرتك وإنتاج حضرتك على مر السنوات الطوال يخلينا نسأل السبب في التحول من هذا الاهتمام الأول ببحث علمي يخدم الحاضر ورسالة تبحث في تطبيق الرياضيات في العلوم الإنسانية لخدمة الحاضر يتحول إلى التاريخ والعودة في الماضي للتاريخ، ما سر هذا التحول؟

رشدي راشد: هو الجزء الأول هو أيضاً كان له علاقة بالتاريخ على أساس إن أنا لا أؤمن بفلسفة لا علاقة لها بالتاريخ ولا تاريخ بدون الفلسفة أو كما يقولون إن التاريخ بدون فلسفة أعمى والفلسفة بدون تاريخ علوم، أقصد تاريخ علوم، والفلسفة بدون تاريخ علوم فارغة، فكان هذا الاتجاه من الأول لكن هذا التحول من العلاج أو البحث في تطبيق الرياضيات وخاصة حساب الاحتمالات في العلوم الاجتماعية وفي المجالات التي يتعثر فيها تطبيق الرياضيات هذا التحول أولاً له سبب موضوعي وسبب أيضاً شخصي، السبب الموضوعي عند البحث في هذا المجال بدأت أبحث أيضاً في لماذا لن تطبق الرياضيات بشكل سليم في الميكانيكا قبل غاليليو وقبل هذه الفترة، وفي نفس الوقت بدأت أفكر لماذا لم تطبق الرياضيات في المناظر بهذا الشكل ولماذا تعثرت في بعض فصول المناظر ليس في كل علم المناظر، عندئذ قابلت الحسن ابن الهيثم عند قراءتي للأشياء باللاتينية ليس بالعربية عندئذ قابلت الحسن ابن الهيثم وأدركت أهمية ما جاء به الحسن ابن الهيثم في هذا المجال وخاصة في مجال الربط ما بين الرياضيات والعلوم الفيزيائية، وقررت في هذا الوقت كان في فرنسا في الرسالة الأساسية والرسالة الإضافية فأخذت الرسالة الإضافية عن الحسن ابن الهيثم وكنت مستمرا بالرسالة الأساسية وهي ما يسمى ترييض النظريات الغير مكتملة.

محمود إسماعيل: نعم.

رشدي راشد: وكان هذا موضوع رسالتي في الحقيقة واستمرت الأشياء من سنة 1956 إلى سنة 1965، عند سنة 1965 دخلت المركز القومي للبحوث واستمر العمل كابستملوج يعني في يعني في الابستمولوجية على هذا المنوال بعد هذا جاءت سنة 1967، وجاءت هزيمة 1967 فكان كل المشروع الحضاري إلي بذهن الواحد وكل..، يعني سقطت الأوهام.

محمود إسماعيل: نعم.

هزائم متكررة

رشدي راشد: فعندئذ عندما سقطت الأوهام بدأت أفكر ما هو الواجب عمله الآن في بناء حضاري للمستقبل ليس للحاضر لأن الحاضر لم أكن ولم أعد أثق بالحاضر، فبناء حضاري للمستقبل هنا كان يجب تاريخ الحضارة لأن الأمم التي لا تعرف حضارتها لا يمكن أن تكّون عقلية حقيقية للذهاب إلى الأمام فالأمم التي ليس لها ذاكرة هذه الأمم لم تستطيع التقدم، فبدأ هذا المشروع يجيء رويداً رويداً وعندئذ بدأت أن أعمل فيه ثم أخذ أغلب الأشياء ولكن من وقت لآخر كنت أكتب في الموضوعات الأخرى ولكن أخذت هذا الموضوع على أساس بناء حضاري بناء التاريخ العلمي والفكر العلمي لهذه الأمة ووضعه في مجاله الصحيح، لا أكثر ولكن لا أقل لا زيادة ولكن بدون نكوص لأن التجارة بالذاكرة هذا من أسوء ما يمكن أن يحدث، والذي يحدث عادة هو التجارة بالذاكرة بمعنى أن العرب عملوا كل شيء لم يعملوا كل شيء إلى آخره إلى آخره كل هذه المقولات التي تقرأها في الصحف وتقرأها في المجلات وتقرأها على ألسنة بعض المفكرين إلى آخره، بس أردت أن أعمل بهذه الطريقة بس عندئذ كان علي أن أفكر ما هو المنهج؟ وما هي الأدوات اللازمة لعمل هذا حتى نصل بسرعة إلى أعلى مستوى علمي في هذا الميدان حتى لا يأتيه الشك من خلفه ولا من أمامه حتى لا يكون هناك نقاش، لأنني أعرف إذا قلت أن هذه النتيجة كانت موجودة في القرن العاشر أو الحادي عشر أعرف أن الكثيرين سيملون من هذا بالنسبة لكتابة التاريخ لأن التاريخ مكتوب ومكتوب بالصورة الأوروبية المعروفة التقليدية، فكنت أعرف أن هذا سيحدث ومن ثم كان يجب بناء الأشياء على أسس صلبة وغير قابلة للنقد أو على الأقل عندما تنقد سينهار النقد لأن لا يمكن الاستمرار فيه، هذا هو السبب يعني فإذاً في قضية أساسية هي سنة 1967 ولكن عند سنة 1967 لم أكن أفكر بعد الهزيمة أن الهزائم ستتكرر وستتكرر وستتكرر ولكن المشروع هو نفس المشروع هو البناء ومحاولة البناء هذا هو بدون أي ادعاء بدون أي ادعاء.

محمود إسماعيل: يعني كان رد حضرتك في مقابل الهزائم المتكررة هو إعادة بناء..

رشدي راشد: إعادة بناء نفسي في نفس الوقت وإعادة بناء حضارة..

محمود إسماعيل: نعم عن طريق إعادة بناء حضاري..

رشدي راشد: لماذا؟ لأن الذي كان ينكص الأمة العربية أساساً والإسلامية الفكر العلمي لم يكن يتصوروا أن الفكر العلمي هو احد دعائم الحضارة الإسلامية بل بالعكس كانت هناك مقولات تقول أن العلم لم يكن داخل الحضارة الإسلامية وأذكر من بين هؤلاء صديقي وزميلي عبد الحميد صبرا بأن يقول أن العلم خارج عن الحضارة في حين أن العلم أحد الدعائم وأحد أسس الحضارة الإسلامي فهذه النقطة الأولى، النقطة الثانية أن لا يمكن أن مجتمع سيكون للعلم فيه قيمة اجتماعية بدون إدخال تاريخ العلوم وفلسفة العلوم في هذا المجتمع بصوره المختلفة فإذا أردنا العلم يكون قيمة اجتماعية ليس مجرد شيء يدرس في الجامعات ثم ينسى ولكن قيمة اجتماعية وأن العقلانية العلمية هي قيمة اجتماعية لا بد من العمل في هذه الميادين وتشجيع هذه الميادين، ولكن نحن نعمل هذا في أوروبا وللأسف امتداد هذا يعني في امتدادات لهذا بالنسبة للترجمات إلى آخره ولكن نحن في بداية الطريق وربما لم نبدأ بهذه الطريقة.

محمود إسماعيل: ولكن يقولوا إيه البيئة التي ترعرع فيها هذا البناء هي بيئة أوروبية.

رشدي راشد: أزعم أن هذا كان لا يمكن أن يتم في العالم العربي لأسباب عدة: السبب الأول هو أن ليس هناك اهتمام بهذا، السبب الثاني هو أن الإيديولوجيات الموجودة كانت عادة لا تسمح بهذا ولأن هذا يعني مثل هذا العمل يجب أن يكون هناك مؤسسات علمية حقيقية ومؤسسات بحثية حقيقية ليس مجرد جوائز ومؤتمرات هذا لا ينتهي إلى شيء، ولكن هناك مؤسسات حقيقة لتربية الأفراد لتربية الباحثين إلى آخره، وأنا اعتقد أن هذا الفرع من العلوم لن يتم لن يعني لن يزدهر إلا إذا خُلقت هذه المؤسسات في بلدان عربية، ولكن للأسف ممكن أن أقول ليس هناك معهد لتاريخ العلوم بشكل حقيقي في أي بلد عربي ولا في أي بلد إسلامي على الإطلاق، لكني أصر وأعيد وأكرر أن لن ينجح حقيقة مثل هذا المشروع إلا في بلد عربي متنور أو في بلد إسلامي متحرر.

زاد: لن يملأ رشدي راشد باريس بصخبِ الفلكلور ولا بما يتطلبه فراغ الاستشراق ولا باللهاثِ وراء قطعان القطيعة، سيُمسكُ هذا العارفُ تاريخَ العلوم من فراغاته ويعيدُ له محتواهُ المنطقي مما أنجزه علماء العرب، هناك أخوةٌ توحد بين الرواد في التاريخ ورشدي راشد خادمٌ لهذه الأخوة التي تجدُ بكل أريحية مكاناً لابن الهيثم ورفاقهِ بين إخوانهم في التاريخ والعالم، هناك معادلاتٌ بمجاهيل عديدة تجعلُ من أحد ما في مكان ما في حقبة ما حاملاً لفانوسِ الاكتشافات الإنسانية ورافعاً صِفر التجاهل إلى قوة الواحد، التاريخُ واحد والعِلمُ واحد وتاريخُ العلم واحد ورشدي راشد واحدٌ من كبار المحتفين بوحدة الفكرِ الإنسانيّ.