يدافع الفنان المصري عبد الرازق عكاشة عن انتمائه لقرية عرب الرمل بمحافظة المنوفية لا انتماء القرابة والدم، ولكن لأن عالم القرية الذي رحل به إلى فرنسا غني بذاته وبأحلامه وبأرضه التي تشرب عرق الفلاحين.

وفي فرنسا حيث التقته كاميرا "المشاء" في حلقة 12/11/2015 سيعلن عكاشة من جديد أن فنانه المفضل هو غوستاف كوربيه، وسيكون الخيط الدال على كوربيه هو الانتماء إلى عالم البسطاء.

يقول عكاشة إن كوربيه رفض عرض الملك الفرنسي ليكون رسام العرش، وذهب ليرسم فلاحي قريته وعمدتها وكلابها. هذا الفنان الذي عاش في مرسمه الشاعر بودلير 12 عاما، مما أثر في خياره للذهاب بعيدا عن السلطة، وليسقط الملك من لوحاته.

العمة إحسان
يتحدث ضيف "المشاء" عن عمته إحسان لكنه لا يرسمها، ويقول إنها من مقدساته وكلما حاول أن يقترب ليرسمها ارتجف قلبه، ومع ذلك هي موجودة في كل لوحات القرية.

يستعيد ذكريات غالية مع عمته التي علمته الرسم في الصغر وهي تطعمه الرز باللبن، وبدأ يقلدها برسم الفلاحين برؤوس شامخة، واستمر على منواله هذا متحديا أستاذه في الجامعة الذي وضع صفرا للطالب عكاشة حين رفض أن يكون الفلاحون بهذه الهيئة.

لا يميل إلى تصنيفه فنيا، فهو يعتبر ذلك إطارا خشبيا للفنان، وإنما قراره أن ينصت إلى صوت في داخله وأن يرى ببصيرته ما يريد أن يرى.

قطر المستعجلة
ثمة مفردة بصرية متوافرة في كل أعماله، وهي القطار، وحين يسأل عن ذلك يقول إن القطار حلم وأمل وسفر.

ويمضي متحدثا عن القطار الذي يصل القرية ويسمونه "قطر المستعجلة"، وفي الانتظار وجوه الغلابى وعمود نور شحيح، ثم سيعرف الفنان أن هذا القطار بالغ البطء، يأتي ليحمل الفقراء، وأن تسميته بـ"قطر المستعجلة" جاءت على سبيل السخرية.

يقارن عكاشة بين حال الفن في الوطن العربي وبين حاله في فرنسا حيث يقيم، فيقول إن لدينا فنانين مقدرين على صعيد العالم، ولكن ليست لدينا مؤسسات صادقة تقف وراءهم.

أما في فرنسا فإن وزارة الثقافة ليست هي من يدعم الإبداع عموما بل إن ثمة مؤسسات منتشرة تتولى هذا الدعم، وإن القطاع الخاص يسهم في ذلك، لأن مسؤولية الدفاع عن الثقافة مسؤولية جماعية.

اسم البرنامج: المشّاء

عنوان الحلقة: عبد الرزاق عُكاشة.. أسقِطوا المَلِك من عرش اللوحة

مقدمة الحلقة: ماريا قرمدي/فنانة تشكيلية مغربية مقيمة في فرنسا

ضيف الحلقة: عبد الرزاق عُكاشة/فنان تشكيلي مصري مقيم في فرنسا

تاريخ الحلقة: 12/11/2015

المحاور:

-   فكر جماعي وقطار المستعجلة

-   المحرومون واللون

-   ملامح مسكونة بالنور

-   العمة إحسان

-   الرسم على جسد الكتابة

زاد: جاء عبد الرازق عُكاشة إلى فرنسا بحقيبة من رمل العرب، يصعدُ مرتفعاتِ باريس ويذروه على المعالم ليغير خلفية اللوحة؛ ثم يعود إلى نفسه ليرسم عرب الرمل ويضع قطار المستعجلة على سكك القطارات السريعة فيأبى القطار أن ينطلق في غير اتجاه القاهرة بكامل بُطئه المعهود، يتذكر كيف أوقف قطار الغلابة ويتذكر عمته إحسان التي علمته رسم الشموخ وأمه التي أمرتهُ أن ارفع رأسك يا بني وهو مذاك لا يعترف بغير الانحناء على اللوحة.

عبد الرزاق عكاشة: كان برورو نوار هو أستاذي منذ قدومي إلى فرنسا والذي درست في مرسمه وكان برورو نوار أحد أهم الذين اكتشفوا الفنان والفلاح والإنسان بداخلي، ظلت صداقتي ببرورو نوار أكثر من 10 سنوات لن يحدثني عن صالون الخريف وأنه الرئيس الشرفي لصالون الخريف لكن حين حصلت على الجائزة كانت رقم 12 وأنا إلى الآن امتلك الحمد لله أكثر من 18 جائزة دولية فحين حصلت على الجائزة رقم 12 فوجئت أنه يرتب لي جلسة برورو نوار في مرسمه مع رئيس صالون الخريف في هذا الوقت نويل كورييه، وطلب مني نويل كورييه أن أتقدم بدوسيه لدراسته كي أكون عضو مجلس إدارة صالون سنة 2008 وفي 2008 تقدمنا بدوسيه وكانت مصر ضيف الشرف وبعد نجاح مصر كضيف الشرف 2008 عرض علي نويل أن أكون عضو مجلي إدارة بموافقة جميع الأعضاء، وأصبحت العضو الوحيد داخل الصالون صاحب الشعر الأسود وتقريباً الذي يمتلك أقصاه صعب على أذنهم لأنهم كلهم من نبلاء فرنسا ومن كبار فنانين فرنسا، بعد فترة 2009 قرر نويل كورييه أن هو نتعاون في بناء جسر ما بين العالم العربي وما بين صالون الخريف.

ماريا قرمدي: هل عبد الرازق عكاشة الفنان متصالح مع نفسه هل متصالح مع عبد الرازق عكاشة المصري عندما يكون في باريس؟

عبد الرزاق عكاشة: مغرور من يقول لك أنه متصالح مع نفسه 100% لأن التصالح هي محاولات، أصلاً نحن في الحياة نحاول دائماً والفنان والمثقف والمبدع لا بد أن يكون له محاولات للقفز تجاه الحقائق أو الوثب تجاه الحقائق، فالفنان التشكيلي حين يقول لك أنه متصالح مع نفسه فإنه يكذب لا بد أن نكون على طريق التصالح أو نحاول نظل نحاول كي نتصالح مع أنفسنا لأن في مرات عديدة جداً كلنا بشر نخطئ نكذب ونفعل الخير ونفعل الشر، لما تتخلص من كل دا أنت محتاج وقت كبير جداً جداً على طريق الإنسانية فالتصالح مع النفس يظل في إطار المحاولات الحمد لله أحاول أن أسعى أننا أكون متصالح مع نفسي إلى حد كبير جداً.

ماريا قرمدي: أغلب لوحاتك يعني لما نتصفح لوحاتك نشوفها كلها يعني جماعات جماعات لا مكان للفرد.

فكر جماعي وقطار المستعجلة

عبد الرزاق عكاشة: الإنسانية هي حالة جماعية هي فكر جماعي هي خلاص جماعي انتصار اللون وانتصار الحلم وانتصار الـ..، الأشياء الجميلة تبتدئ على أفكار جماعية على مجتمعات كمان الفنان لازم يكون له دور زي الأديب زي السياسي زي الشاعر زي الروائي جوا مجتمعه إن لم تكن مرآة عاكسة لمجتمعك مجتمعك كاملاً فستكون منعزل.

ماريا قرمدي: عبد الرازق عكاشة من المحلية إلى العالمية ومن ثم بعدها رجعت إلى المحلية، هل من الممكن أن تحكي لنا هذا المشوار؟

عبد الرزاق عكاشة: أول شيء مهم جداً ودا مصدر مهم جداً في حياتي عمتي إحسان، عمتي إحسان وأنا طفل صغير كانت تعلمنا الرسم وهي تعمل لنا الرز باللبن الساعة خمسة الفجر تصحينا وتقعدنا على رجليها أولادها كان عندها أولاد كثير يمكن سبعة ولا حاجة وإحنا أولاد أخوها الأستاذ سعد وتختصني من دون الأطفال لا أعرف ليه تبتدئ تعلمني الرسم، فكانت ترسم الفلاحين لأن عمتي كانت فلاحة وتأخذنا معها الغيط وندرس معها الغلة ونروي معها الزرع ونتشعبط نطلع شجرة التوت ونحذف على بعض التوت فكلها صور عمالة تتركب، بالليل أو الصبح الساعة 5 الفجر لما عمتي تعلمني إزاي أرسم فلاح وترسمه وهو شامخ عمرها ما رسمت فلاح مكسور فبدأت تلفت نظري بدأت أرسم زيها لما رحت المدرسة المدرس بتاع المدرسة قال لي لأ أنت ترسم بطريقة غلط لازم تكسر دا وترسم بالطريقة دي، قلت له لأ أنا سأرسم بطريقة عمتي أنا شايف فلاحين عمتي شامخين الفلاحين إلي أنت راسمهم ضعاف، فكان نصيبي صفر في الرسم لكن 10 من 10 في الإنسانية، لأن أول مرة أعرف يعني إيه شموخ يعني أعرف عزة يعني أعرف كرامة.

ماريا قرمدي: عندما أشاهد لوحاتك لا أصنفها في أي مدرسة فنية محددة، فهل أنت تريد أن تصنف نفسك أو أنت خارج التصنيف؟

عبد الرزاق عكاشة: أولاً أنا ضد التصنيف لأن أنا أشوف أن التصنيف هو سجن للفنان التشكيلي أو أطر أو كدر أو إطار من الخشب يضعوا الفنان حول نفسه حول فكرته، فأنا أرفض التصنيف ضمن المدارس دي أول جزئية الجزئية الثانية أن أنا أعتبر نفسي أن المدللات بتاعتي والحياة الموجودة في لوحاتي هي لا توجد عند فنان آخر لدي ثراء ولدي غنى من قريتي ولدي تعب وعذبات ووجع وفرح أهل قريتي، أهل قريتي هم مدرستي فبالتالي هم أعطوني الروح أني أنا أكون حر طليق خارج الأطر المدرسية، أوجاعهم وأنا أعبر عنهم فرحهم وأنا أعبر عنهم لا يمكن أن يأتي رجل آخر من مكان آخر أو فنان آخر ويعبر عن هؤلاء كما أعبر عنهم.

ماريا قرمدي: نلاحظ أن القطار متواجد دائماً في أغلب الأحيان في لوحاتك ما هي حكاية هذا القطار؟

عبد الرزاق عكاشة: القطار لا يعبر فقط عن القطار، القطار مبني عندي على 3 أشياء: أول شيء الحلم، الأمل، السفر، الحلم إلي يأخذه في حضنهم ناس غلابة يضموا الحلم لصدرهم وهم خارجين الصبح في البرد، في قريتي على الرصيف تلاقي الوجوه شاحبة جداً وإضاءة خافتة عمود نور واحد بلمبة صغيرة منور على وجه 200- 300 شخص واقفين ينتظروا قطار اسمه المستعجلة، رغم أن القطار اسمه المستعجلة يعني المفروض يكون سريع إلا أنه لأنه قطار الغلابة لكن الاسم طلع سخرية طلع كاريكاتير من أهل بلدنا، القطار بيجي الفجر بعد صلاة الفجر بالضبط 5 صباحاً عليه علم مصر متزيت ومتشحم ولونه غريب وصفارته وسط النور هي تكمل الإضاءة الكاملة إلي على وجه البشر، الإضاءة مع صفارة القطار يصنعه حالة حلم لما تدخل جوا القطار تلاقي ناس واقفة وناس نايمة في الأرض وناس تعبانة وناس موجوعة لما أروح في وسط الناس دول واركب القطار وألاقي عسكري غلبان حلمه أن يدافع عن وطنه وألاقي شيخ قاعد رايح يزور ابنه الطالب إلي شايل كتابه ورايح عشان يدرس كل دي صور أنا أشوفها بالقطار كل يوم الصبح وبعدين أنا قاعد طفل صغير عمال يراقب، الزجاج مكسور ونايم عليه واحد غلبان فتربط الصورة الغريبة بوجه كسره الزمن والقطار كسروه عشان بتاع الغلابة ألغوا القطار بحجة أن هو يعطل قطارات الأغنياء بأنها ما توصل في ميعادها القاهرة.

المحرومون واللون

ماريا قرمدي: المحرومون الذين تتكلم عنهم كثيراً وترسمهم في معظم لوحاتك كذلك فهل هذه أيديولوجيا أو اختيار؟

عبد الرزاق عكاشة: أكيد مش أيديولوجيا لكن أكيد هي محاولة للانتصار، الانتصار على أشياء كثيرة جداً الانتصار على الوجع على الألم على فقرهم، الانتصار لناس كل الناس نسيتهم دا حتى إلي يطلع ويبقى غني من وسطهم أو يسافر باريس أو القاهرة ينساهم، الانتصار للإنسانية الانتصار لناس هي إلي تصنع الحضارات حقيقي وهي إلي تشكل الإنسانية وهي إلي تشكل الوجدان، الناس دول لازم يلاقوا حد ينتصر لهم، أنا لما أسافر لهم كمان مش أيديولوجية ولا عايز أنتصر لهم مش عاوز أكون عندي شيفونية ولا أي حاجة بس على الأقل عاوز أقول لهم شكراً شكراً لأن أنتم بطيبتكم زرعتم فيّ الحنية. في فنانين كثيرين مهمين في التاريخ لكن في فنان مهم وحيد غيّر شكل التاريخ اسمه كوربيه، كوربيه هو مثلي الأعلى لأنه جاء لقي الملك قاعد على الكرسي ويرسموا الملكة وهي حاضنة قطتها قرر يكسر كل دا ويعمل أعظم لوحاته عن فلاحين قريته أرنان بسويسرا، كوربيه أسقط الملك من لوحاته وخلا العمدة والفلاح والكلب هم أبطال لوحاته، أنا شايف إن كوربيه كان مثل مهم جداً خاصة كوربيه تربى مع شعب بودلير، بودلير عاش 12 سنة في مرسم كوربيه فمزيد من الإنسانية والشعر فأنا لما جئت باريس وقرأت حكاية كوربيه في متحف أورسيه فرحت اطمأنت قوي لأني أعبر عن ناس بكرا التاريخ يخلدهم كليمت وإيغون شيلي وكوكوشكا ثلاثي الإمبراطورية النمساوية العظماء هم الذين تنبئوا بالحرب العالمية، الحرب العالمية الثانية، تنبأ بها إيغون شيلي، إيغون شيلي لخص الحرب أو إحساسه بأن هناك حربا قادمة بعد 8 سنوات في خط، كليمت لخص الحياة في قبلة، قبلة كليمت، وأن الوجهين في القبلة عند كليمت لا يظهران وكأن المجهول سوف يقضي على الحب إلي هو الحرب العالمية، كوكوشكا ظل يحارب هتلر ويتنقل من بلد لبلد وهو مطلوب بالإعدام والنازية تطلق عليه أستاذ الفن المنحط وهو يقيم المعارض بجوار الشاعر نورك ويكتب يحيا الفنان المنحط.

ملامح مسكونة بالنور

ماريا قرمدي: من هي المرأة التي تستوحي منها والتي عند حضورها في لوحاتك المرأة الأم أو الحبيبة أو الأخت أو الصديقة أو المرأة المكافحة إلى غير ذلك؟

عبد الرزاق عكاشة: أكيد أمي لأن أمي هي ملخص لكل دا يعني أمي أثرت فيّ كثيرا جداً وأمي فضلت تدافع عن مشروعي الفني كثير جداً وأمي زرعت في أشياء كثيرة جداً جداً يعني في يوم من الأيام كنت راجع من المدرسة زي الأطفال نلعب لعبة كدا نشوط حاجة بأرجلنا، ووجهي منحني ففوجئت بست تصرخ فيّ من البلكونة وهي تنشر الملابس ارفع رأسك أنا ما بحبش ابني يوطي رأسه فببص لقيت وجه أمي ذاب مع الشمس هي فوق تنشر ففي شمس تنشر الغسيل في الشمس فببص مش شايف وجه أمي من الشمس هذه اللقطة وأنا طفل في ثانية ابتدائي 8 سنين تقريباً لن تغادر بصري، فدائماً ملامح المرأة عندي ملامح مسكونة بالنور لأن دائماً أتذكر هذه الصورة للسيدة التي طلبت أن أرفع رأسي دائماً في الحياة وصورتها وعلاقتها بالشمس علاقتها بالنور فتأتي السيدات في لوحاتي دائماً مسكونة بالنور ومسكونة بالأمل وحتى السيدات اللي فيهم وجع ستلاقي الوجع أنا أعكسه على أجسامهن، لكن دائماً في جزء كبير جداً من النور على وجه المرأة نتيجة عشقي وحبي للسيدة التي علمتني الكرامة في بداية حياتي.

العمة إحسان

ماريا قرمدي: منذ عرفتك وأنت تحدث لي دائماً وأبداً عن عمتك إحسان فهل رسمتها؟

عبد الرزاق عكاشة: لم أرسمها لكن أرسم قريتي فيها يعني كل شخص أرسمه فيه طيبة وكرم فوراً أشعر بوجودها، لكن لا أقدر أن أرسمها، هناك ناس مقدسة في لوحاتك لا تستطيع أن ترسمها، يعني أنا رسمت جدتي آمنة لوحاتي المعروضة الآن في القاهرة في قصر الفنون هي اسمها عشاء جدتي آمنة والسباع فرسمت جدتي آمنة ورسمت أعمامي وعماتي وكل العائلة حول جدتي حتى الديك إلي كانت تذبحه لنا ونأكله حتى القطط تحت الطاولة لكن لم استطيع أن أرسم عمتي إحسان ولا عمي محمد هناك أشياء مقدسة قلبي يرتجف حين أقترب منها.

[فاصل إعلاني]

ماريا قرمدي: المرأة تحضر في معظم اللوحات الكلاسيكية والحديثة جسداً عارياً، أما في لوحاتك فنجدها خجول، هل هذا موقف أخلاقي أو اختيار وخجل فلاح؟

عبد الرزاق عكاشة: ولا موقف ولا خجل الفلاح، لكن هو وقار واحترام للمرأة التي تعلمت منها الكثير، المرأة عندي ليس وقت كمان عندي لأن أدلع المرأة برسمها عارية هو دلال وجمال..

ماريا قرمدي: أكيد.

عبد الرزاق عكاشة: وجسد المرأة جمال، لكن ليس لدي وقت من كثر المشاعر المزدحمة أن أعبر عن آلام ووجع ووقار وأيضاً كبرياء هذه المرأة، لا تنسي أن هذه المرأة التي أرسمها هي تذهب للقاهرة أو للإسكندرية ربما عشان تبيع جبنة أو زبدة أو بتاع من الفلاحين كي تأخذ قليل من الأموال تربي بها أولادها، فهذه المرأة بالتالي أصبح يعني أنا ما شفتها بمواقف تستدعيني لا جمالية ولا عكس الجمالية تستدعيني أن أنا أرسمها عارية، لكن كل المواقف إلي أنا شاهدتها فيها هي جدية الحياة هي السعي تجاه أولادها تجاه الحلم، فبالتالي أصبح عندي مسكون بأني إزاي أعكس هذا الوقار في لوحاتي عن هذه المرأة، دائماً أستخدم الألوان الرمادية والزيتية والأزرق في ملابس النساء لأن هي ألوان أحادية، ألوان ليست بها فرح وليست بها حزن ولكن بها وقار، وكأنهم لوحات عارفة كان في متحف أورسيه ستلاقي كل ما زاد حجم البنيات والرماديات والأزرقات في فساتين السيدات وملكات القصور زاد الوقار للوحة، فأنا أيضاً أطعمهم وقاراً كما أطعموني حباً.

ماريا قرمدي: ما هو رأيك في الفن في البلدان العربية حالياً؟

عبد الرزاق عكاشة: الحقيقة لدينا فنانين جيدين في العالم العربي جداً جداً جداً، والعالمية تقف لهم احتراماً لكن ليس لدينا مؤسسات صادقة تقف خلف الفن العربي ليس لدينا الرعاة الحقيقيين وللأسف الرعاة وأصحاب المؤسسات والأغنياء في العالم العربي للأسف لا أقول معظمهم للأسف لكن عدد كبير منهم ليس له علاقة بالفن والشعر والأدب، شوفي في أوروبا مثلاً نأخذ وزارة الثقافة في فرنسا وزارة الثقافة لا تدعم الفن التشكيلي ولا تدعم الشعراء ولا الأدباء ولا الثقة بالمرة ليه؟ لأن في مؤسسات جمعيات 1901 المؤسسة في القانون 1901 هذه المؤسسات منتشرة جداً وتجد فلان يدعم وصاحب قهوة يدفع عشان تعمل معرض وصاحب مطعم يعزم لك الناس، الفكر جماعي لإنتاج ثقافة حية تحيى بها البلاد، بلادنا لا تحيى إنما تموت لأنه ليس لدينا مؤسسات تعمل لإحياء البلاد وصحوة البلاد.

الرسم على جسد الكتابة

ماريا قرمدي: لاحظت من إجاباتك أنك تريد نقل الواقع فهل هذا الشيء لا يضر بالفنان؟

عبد الرزاق عكاشة: لن أنقل أي واقع أنا نقلت ما خلف الواقع زي ما قلت لك عمري ما شفت الأشياء بالبصر المباشر، لكن طول الوقت أشوف الأشياء بالبصيرة المعمقة، فبالتالي ما كنش في واقع لكن خلقت واقع موازي للواقع، واقع أنسج فيه حكاياتي وواقع أركب فيه قطاري وواقع موازي أركب فيه ناسي ووجعي وألمي، لكن مش واقع بالمعنى اللجوء للمدرسة الكلاسيكية أو الأكاديمية لكن واقع بفعل ما قرأت وتعلمت ورأيته مثلاً في الواقعية الشعبية في أميركا اللاتينية أو واقعية البسطاء عند يحيى حقي كروائي أو الواقعية عارفة كما يسمونها في باريس الواقعية الجديدة، لن أرى أن هناك واقعية في أعمالي لكن هناك واقعية موازية هي واقعية البسطاء واقعية بسطاء عبد الرازق عكاشة، نعم أنا لست فنان تجريدي لكن نعم أنا أشعر أني فنان يمتلك النواصي التعبيرية الإنسانية في شكل واقعي جديد، أنا لي تجربة اسمها الرسم على جسد الكتابة كان بيني وبين نزار قباني قبل أن يتوفى رسائل كنت أريد أن أدعيه لندوة في معهد العالم العربي العالم العربي 25 سنة بعد عام 1995 قبل أن يتوفى نزار قباني فبدأ يبعث لي رسائل وأبعث له رسائل ففكرت كيف أحول هذه الرسائل إلى علاقة ما بين الصورة والكلمة فعملت حاجة اسمها الرسم على جسد الكتابة، اشتريت أحبار شفافة وأبقيت على نص نزار قباني وبدأت أشتغل بالطريقة الشفافة أضع أشكالاً حين أقرأ رسالة نزار قباني صباحاً كيف تؤثر فيّ شخصياً فأرسم بالحبر الشفاف كيف تؤثر فيّ وطلعت من نزار قباني على رسائل كل الناس المهمة اللي بعثوا لي في حياتي إلى أن أصل يعني كان عندي رسائل من الدكتور مدكور ثابت سعيد شيمي أسماء كبيرة جداً من العالم العربي، أصدقائي في إيران، أصدقائي في تونس في المغرب، وإلى أن أعود بالرسائل إلى رسائل أمي وأختي قبل عصر الإنترنت ففكرت وعملت معرض في الوقت دا اسمه الرسم على جسد الكتابة، رسائل ما قبل الإنترنت، لأنها رسائل مسكونة بالحساسية والإنسانية والانفعالات الصادقة رسائل مليانة حميمية حتى كنت أراها كانت دموعي تنزل كما تنزل الآن، كانت هناك مشاعر حقيقية تمر عبر الحبر واللون والورقة وليست مشاعر تمر عبر الأجهزة الحديدية.

زاد: له في صالون الخريف الباريسي خريفه، وله في عرب الرمل رمله، وله في قطر المستعجلة زجاج مكسور يتشظى على حكايات الطفولة الملأى بالكد وعذاب الفوارق بين المدينة والقرية له من يكاتبه وله في اللوحة حنين يعيد تشكيلها في كل مرة، عمتي إحسان والقطار قد يكونوا من العناوين المرشحة ليومياته الباريسية المعطوفة على ذكرياته المصرية، وعلى من يريد أن يكون بين دفتي كتابه أن يُولد بين عرب الرمل وأن يترعرع رافعاً رأسه.