يصف الشاعر المصري أحمد الشهاوي نفسه بالحذّاف الذي يكتب نصّه بالحذف أكثر مما يبقي، ويرى ذلك طريقا لإعطاء النص حياة مكثفة وثرية.

وفي حديث لحلقة المشاء 29/10/2015 تحدث الشهاوي عن مرجعياته في الكتابة، فكانت أولاها قريته كفْر المياسرة التي قال إنها مكانه الأول والأخير.

وقدّم الشاعر صاحب "الوصايا في عشق النساء" و "سماء باسمي" مشاهد من القرية التي يحيطها النيل من ثلاث جهات، فيصفها أولا بأنها تقع شمال السماء، وبأنها قريبة ونائية؛ قريبة من القلب ونائية عن البشر.

كما استرجع صورة البيت الذي يُتلى فيه القرآن يوميا بصوت أبيه وصوت شيخ يأتي إلى البيت كل يوم. وعليه يقول إنه منذ ذلك الوقت وهو يتعامل مع القرآن ليس بوصفه نصًّا مقدسا فقط، وإنما لأنه سماء اللغة العربية.

من الاستماع وقراءة النص القرآني سينطلق الشاعر إلى عوالم النفري والجنيد وابن الفارض، ثم ستتاح له سفرة أولى إلى باريس في بداية العشرينيات من عمره ليتعرف أكثر إلى تجارب شعرية يؤكد من خلالها أنها تضيف إليه ولكن دون أن يقلل ذلك من انتمائه لمدونته الشعرية الأولى.

قرية الموالد
ويضيف الشهاوي أنه بالتعبير المصري الشعبي "موالدي"، مشيرا إلى أن قريته قرية موالد دينية، حيث هناك مقام سيدي علي السقا الذي يقع على بعد أمتار من بيته، كما أن النيل لا يبعد عن البيت أكثر من ذلك.

في قريته سيقيم الشهاوي علاقة حميمة مع الطبيعة وكائناتها الحية، فقد ربى آلافا من دود الحرير وآلافا من الأرانب وعشرات من القطط التي قال إنها تعلم الإنسان الرحمة والعشق وكذلك السخرية.

اشتهر الشهاوي بتجربته الصحفية لثلاثة عقود في مؤسسة الأهرام، وهنا يعلن أمنيته لو أنه لم يعمل في الصحافة، حيث لا صداقة فيها إلا فيما ندر ولا خصومات بها فروسية، ثم خلص إلى أنه لو وجد ما يعينه لطلقها إلى الأبد.

ويواصل حواره مع الشاعر والباحث المغربي محمد ميلود غرافي فيقول إن الصوت الخاص أهم عنده من أن يكون شاعرا كبيرا يشبه الآخرين.

كتاب الموت
أما مفردات الموت التي تحضر كثيرا في نصوصه الشعرية فأشار الشهاوي إلى "كتاب الموت" الذي وقف فيه أمام هاجس اللحظة الفارقة الكبرى في حياة البشر وحياته هو.

ويذهب الشهاوي إلى أنه أعد جنازته كثيرا، محيلا هذا الاحتفاء بطقوس الموت إلى جذور مصرية قديمة ماثلة في الوعي واللاوعي الشعبي.

وهنا يتوقف ليصف الأمر قائلا إن الموت لا يمنح فرصة للتأجيل، ولا يقيم معاهدة مع أحد، بل يأتي في الوقت الذي يقرره.

اسم البرنامج: المشّاء

عنوان الحلقة: أحمد الشهاوي.. حذّافُ كَفْرِ المَياسِرة

مقدم الحلقة: محمد ميلود غرافي/شاعر وباحث مغربي مقيم بفرنسا

ضيف الحلقة: أحمد الشهاوي/شاعر مصري

تاريخ الحلقة: 29/10/2015

المحاور:

-   جنوح نحو السماء

-   تناول صوفي واسع الرؤية

-   الموت بمشهد جنائزي

زاد: ملأ أحمد الشهاوي جرابه بثقوب وظل يسدها بالصوف المتطاير من طفولته، من هنا تدخل الثعابين إلى حجره وتخرج متعانقة مع الأرانب، وهنا تغفو القطط حيث ترتاح رآه البعض يقترب من المقدس بزهو ولهو أوصلاه إلى وصايا العشق، يكتب بيتاً من الشعر ويرسم صاريته ويوشيه بالخواتم القديمة، مشاكس هو أحمد الشهاوي قاهري غريب في قاهرته وصحفيٌ لا يحلم إلا بالطلاق من السلطة الرابعة وفانٍ يخصص كتاباً للموت وفي كل هذا لا يستريح من كتابة وصاياه.

[قصيدة من مجموعة سماءٌ باسمي]

أنا الغمام إذا ابتسم

الأصابع حين تحكي

 الأرض في الخرائط المجهولة

العقل في وعيه اللا واعي

البابُ إذا ناداه الطارقون

رائحة الأنامل في النسيج

الخيالُ إذا ركب حصانين في سرج

القلم في يتمه دون ورق

بكاء التماثيل إذ تتذكر صانعيها

المشاءُ على جبل موته وحيداً

محمد ميلود غرافي: في قصيدة لك في مجموعة سماء باسمي تقول أن المشاء على جبل موته وحيداً البالع النار هل في هذا امتداد لطقوس شيخ الوقت أقصد ذلك المياسري الذي كان يأكل النار في قرية المياسرة التي نشأت فيها؟

جنوح نحو السماء

أحمد الشهاوي: قرية كفر المياسرة هي قرية أحب أن أسميها أنها تقع على شمال السماء، لأنها قرية يعني ليست يعني قريبة ونائية في الوقت نفسه قريبة من القلب وبعيدة عن البشر المحيطين والنيل يحضنها من ثلاث جهات، أنا ولدت في مدينة دمياط ومكثت 5 سنوات عندما يعني قرر أبي أن يأتي أن يعود إلى قريته فعشت السنوات الأخرى في هذه يعني سنواتي إلى أن دخلت الجامعة يعني في قرية كفر المياسرة، هذه القرية النيل على بعد أمتار من البيت، مقام سيد علي السقا هذا الصوفي على بعد يعني خطوات من البيت، هذه قرية موالد فأنا ابن الموالد أو باللهجة المصرية أنا موالدي، وأنا باعتباري بدأت الشعر الشعر مبكراً فكنت طوال الوقت إلى يومنا هذا أنا الذي أمشي، أمشي داخلي أولاً مثلما أمشي يعني أمشي داخلي وأسوح كسياحة المتصوف وأمشي أيضاً في الأرض وأنا أمشي في الأرض كنت في الزمن الماضي أنظر لا أرفع عيناي إلى السماء لا أرفع عيناي ربما أرفع عيناي لكي أدعوا فقط للدعاء ولكن لا أرفع عيناي في مستوى النظر ولا أدري هل هو الخجل هل هو اليتم المبكر يتم الأم يعني يتيم الأبوين..

محمد ميلود غرافي: والـ...

أحمد الشهاوي: فالقرية منحتني الكثير لأنني فيها كنت أربي دود القز نسميه في الفلاحين دود الحرير وكنت أمتلك الآلاف من الدود مثلما كنت متفوقاً في المدرسة فكنت متفوقاً في تربية دود القز، وكان أبي يعني ديمقراطياً وحراً في مسألة أن أفعل الكثير في البيت هو بيته يعني بمعنى مثلاً كنت أربي الأرانب الآلاف الأرانب في البيت فدخلت تحت الأرض وكادت يعني كادت تهدم البيت علينا، وفعلاً الأرانب يعني تشعرك بالفرح تشعرك بالولادة طقس الولادة لأن الأرانب مثل القطط..

محمد ميلود غرافي: ولماذا انتقلت من تربية الأرانب إلى تربية القطط لأن القطط أيضاً حاضرة كثيراً في شعرك، وأنا لما زرتك بالقاهرة منذ سنتين وجدت لديك قططاً كثيرة وهذا حاضر في مجموعتك الأخيرة أيضاَ سماء باسمي.

أحمد الشهاوي: القطط تعلم المحبة تعلم العشق تعلم الرحمة تعلم أيضاً أن القطط القط ساخر وألعبان آخر مرة كان لدي يعني 18 قطاً وكنت أفرح بها كثيرا وتعرف لغتي وأعرف لغتها وأتواصل معها بشكل كبير، وهنا أنا كنت أساعد في اصطياد الثعابين لماذا كنت أصطاد الثعابين؟ لأنه بالطريقة الرفاعية فيها طقس أنه عندما تتلو أوراداً ما يخرج إليك الثعبان سالماً شرط أن لا تقتله وهذا موجود إلا بالفلاحين إلى يومنا هذا، أنه هناك رجل من الطريقة الرفاعية يأتي إذا كان لديك ثعبان في البيت أو لدي ثعابين في البيت يأتي ويعني يلقي ورداً ما فتخرج الثعابين له في حجره ولا يأخذها ويمشي شرط أن لا تقتل، لا يوجد هذا القتل يدعها في أرض ما ربما تعود مرة أخرى إلى البيت، الأهم بالنسبة لي القرية هي المكان الأول والأخير في الكتابة بمعنى الآن وأنا أعيش في القاهرة أنا أعيش غريباً على القاهرة حقيقة أنا ضيف على القاهرة، القاهرة إذا كان أحمد عبد المعطي حجازي وصفها وهو شاب أنها مدينة بلا قلب فهي بالنسبة لي حتى عندما تخرجت من قسم الصحافة ولم أذهب إلى القرية أتيت إلى القاهرة مباشرة لأعمل في الصحافة كنت غريباً في مدينة لا أعرفها وما زلت إلى يومنا هذا..

محمد ميلود غرافي: كيف استطعت أن توازن بين هذه البيئة التقليدية المحافظة فكرياً وقصيدة النص؟

تناول صوفي واسع الرؤية

أحمد الشهاوي: يعني النشأة يعني الأسرة الأزهرية حيث كان القرآن يتلى يومياً بصوت أبي لوقت طويل ثم يتلى بصوت آخر لرجل يأتي لشيخ يأتي إلى البيت ليقرأ بشكل منتظم يومياً أيضاً، في هذا الجو نشأت وتعاملت ربما مبكراً مع النص المقدس مع القرآن ليس باعتباره فقط كتاب دين وليس باعتباره فقط كتاباً مقدساً ولكنني اعتبرته سماء اللغة العربية منه ذهبت إلى النص الآخر لكنني كنت مستنداً على أسسي بمعنى لدي النفري ولدي سان جون بيرس لدي ابن فرض ولدي الرامبو لدي الجنيد ولدي والت ويتمان وهكذا، ولأنني سافرت مبكراً يعني في العشرينيات للمرة الأولى إلى باريس لمدة شهر وإضافة لمعرفتي بشعراء يعني جيل السبعينات في مصر وقراءاتي الشخصية كان علي أن أذهب إلى النص الآخر النص الغربي حتى نص الشرق سواء كان في الصين أو في اليابان الحضارات الأخرى الحضارات الكبرى الذهاب إلى الحضارة المصرية القديمة لأن غنون المصري هو أول من فك الحروف حروف اللغة الحروف الهيروغليفية يعني قبل شمبليون وكان يفهم في الكيمياء وفي علوم السينياء وهكذا، من هنا لم أكن مستلباً أو منكسراً أو أشعر أن الغربي سيحتلونني أيضاً اتخذت النص الشعري، النص الشعري الغربي رافداً وليس أساساً ليس هو مدونتي الأولى ليس هو كتابي الأول، ولكنه أحد الكتب التي تؤسس، أحد الكتب التي تضيف، ولكن لأن أنا كنت مؤمن من فترة مبكرة بأنه لا أريد للغربي أن يقول هذه بضاعتنا ردت إلينا بمعنى عندما يترجم نصي إلى لغة فرنسية أو لغة إنجليزية فهل هو نص عربي لشاعر قادم من مصر أم هو نص كتبه مصري ينتمي إلى الحضارة الغربية، وهذا هو المأزق الحقيقي الذي تعاني تعاني منه الشعرية العربية بشكل عام على مدى يعني تاريخ طويل من الشعر.

محمد ميلود غرافي: أنت تقول أن الصحافة قادتك إلى الشعر بصيغة ما على ما أذكر في حوار لك أن الصحافة على كل حال أعطتك الشيء الكثير شعرياً.

أحمد الشهاوي: طموحي الحقيقي عندما كنت طالباً في الثانوية أن أدرس الإعلام الصحافة تحديداً، وأن أجد مكاناً أعمل فيه يكون قريباً من الكتابة قريباً من الشعر يعني بمعنى لا أريد أن أكون طبيباً أو مهندساً أو مثلما يحلم كل قروي أن يكون طبيباً أو مهندساً.

محمد ميلود غرافي: في القرية عموماً يعني.

أحمد الشهاوي: فدخلت دخلت الصحافة بشكل كبير أحصل على تقديرات عليا علاقاتي بالأساتذة أعمق بكثير من علاقاتي بزملائي وزميلاتي وكنت وقتذاك دخلت حصلت على جوائز على مستوى مصر وعلى مستوى الجامعة في مسألة الشعر، وكنت أظهر في التلفزيون وأنا طالب في الكلية وأصدرت كتاباً وأنا طالب في الجماعة يعني إذاً في المهنة كنت أريد مهنة لا تعطلني عن الشعر أريد مهنة قريبة من الشعر لكنني الآن بعد 30 عاماً من العمل في الأهرام تمنيت أن لا أعمل في الصحافة لماذا؟ ليس لأن المهنة عظيمة هي مهنة ورسالة ولكن للذين يعملون فيها لا صداقة إلا فيما ندر لا خصومات حقيقية فيها فروسية ونبل، أعطيت الكثير ولكن كنت أيضاً أنا أذهب الآن إلى الأهرام وأنا غريب، فعلاً ما تزال هناك أمامي 6 سنوات لكي أكون لأخرج إلى المعاش ولكنني لو لدي ما يعينني لا كما نقول ..

محمد ميلود غرافي: تركتها..

أحمد الشهاوي: مش تركتها لطلقتها إلى الأبد.

[فاصل إعلاني]

[قصيدة لأحمد الشهاوي]

غمامةٌ حَطًّتْ على كَفِّي

وَأَلْقَتْ حملَها

قالت:

كل ما بي

ليس لي

نصفٌ لأرضكمُ

يغير شكلها

ونصفٌ للفتى أحمد

يعيد لقلبه بعض الأمان

محمد ميلود غرافي: ما الذي أحدثه نزوحك من القرية إلى المدينة في شعرك؟

أحمد الشهاوي: هذا الانتقال من القرية إلى المدينة مؤكد كان هناك انتقال من نص إلى نص آخر، أولاً تعرفي إلى عدد كبير من الأدباء والكتاب والشعراء الكبار الذين يعني أخذوني إلى طريق أخرى في الكتابة يعني معرفتي المبكرة مثلاً بعبد المنعم تليمة بصلاح فضل بمحمد عبد المطلب بعبد القادر القط بعز الدين إسماعيل بجابر عصفور بجمال الغيطاني يعني أسماء ادوار الخراط طبعاً له دور كبير بحياتي الإبداعية هذه الأسماء محمد سليمان، عبد المنعم رمضان يعني مجموعة كبيرة، ماجد يوسف مجموعة كبيرة من جيل السبعينيات ومن الشعراء في المشهد الشعري المصري وأيضاً الشعراء العرب الذين كانوا يأتون.

محمد ميلود غرافي: أريد أن أسألك عن راهن الشعر العربي القصيدة العربية راهناً هناك انفتاح كبير على الأقل هناك شبه تحول أقول أيضاً شبه قطيعة تكاد تكون مع الموروث الشعري العربي القديم تفعيلياً وعمودياً بغثه وسمينه إلى أين ذاهب هذا الانفتاح؟

أحمد الشهاوي: لا يوجد نص لا يستند إلى جدار لا يستند إلى إرث لا يستند إلى أب وأم وأجداد وأسلاف وإلى عمارة إلى مدينة إلى حياة إلى تاريخ إلى دين إلى فلسفة، كلما ابتعد النص العربي عن جذوره وعن أصوله وعن يعني عن لغته فيكون هذا النص لا أقول مجهولاً مجهول النسب ولا سأقول أنه هجين ومختلط، مختلط بمعنى أنه يعتمد على النص الغربي أكثر مما يعتمد على النص على النص..

محمد ميلود غرافي: على المرجعية..

أحمد الشهاوي:على المرجعية العربية الأساسية لأنه نحن مثلما نحن فقراء في السياسة وفقراء في الاقتصاد ويتامى في أشياء كثيرة فنحن يتامى عند الآخر في الشعر وفي الإبداع وفي الكتابة وفي الفن التشكيلي، من خلال قراءات كثيرة ومن خلال حتى ذهابي إلى مهرجانات في العالم أن الانطباع السائد على الشعر العربي أنه شعر هذا ليس في المجمل ولكن مظهر من المظاهر أو سمة بارزة أنه شعر بلا أفكار، هناك زحام في الشعر المصري زحام مثلما يوازيه هناك زحام أيضاً في الشعر العربي، الصوت الخاص أهم عندي أنا من أن تكون شاعراً عظيماً لأنه شاعراً عظيماً وتشبه آخرين هذا لا يعني شيء لا يعني شيئا كبيرا يعني أن تكون أنت صاحب تجربة شخصية وتلعب في ملعب وحدك أو تبتكر وتخلق في منطقة تخصك تشبهك تشبه خلاياك تعبر عنك تخلق مفردات أو المخيلة الشخصية لك تمنح النص تكويناً مختلفاً، هذه الفسيفساء المتعددة حولك هل ممكن أن تكون مبعثرة مجرد فسيفساء أم هي لوحة؟ هنا الفنان هو القادر على أن يقيم اللوحة، في الحركة الشعرية العربية في مصر يعني الغربلة أو النخل المستمر أو مصفاة الزمن طرحت كثيرين بعيداً وهناك يعني إذا قلت أن الحركة الشعرية في السبعينيات كان هناك ما يزيد على 40 شاعراً الآن لا يزيدون على 5 منهم من تحول إلى الأكاديمية ومنهم توقف عن الكتابة ومنهم من غادر المشهد تماماً يعني بمعنى أنه لم يعد موجوداً حتى ربما لم يعد قارئا للفن وهذه طبيعة كل الحركات الأدبية في العالم، ومن الأخطاء الأخرى التي وقع فيها المفكرون أو النقاد في بلداننا العربية أن نادوا بقطيعة معرفية دون أسس بمعنى أن أنت تقطع، تقطع مع من؟ تقطع مع مقدسك تقطع مع بيئتك تقطع مع إرثك! مسألة فيها جهل شديد بالتاريخ، جهل شديد بديناميكية الحركة الإبداعية أو بمسيرة الفن أي فن لأن هذا الفن هو شجرة لها أنساب ولها تواصلات ولها تقاطعات ولها جذور أو كونك تتصور أنك ستكون مقتلعاً من بيئتك أو لا جذر لك هذا هو السقوط نفسه أو الاسم الذي بلا صوت.

 

الموت بمشهد جنائزي

محمد ميلود غرافي: أنت تطرق بابا لا يجرؤ الكثير من الشعراء طرقه باب الموت، لديك العديد من النصوص فيها طقس جنائزي: كفن، نعش، قبر، لديك قصيدة عنوانها هكذا قبري.

أحمد الشهاوي: نعم.

محمد ميلود غرافي: مشهدها جنائزي كأنك تعد جنازتك يا أحمد، من أين أتى هاجس الموت في شعرك؟

أحمد الشهاوي: هو أنا يعني كأنني أعد جنازتي أنا فعلاً أعدت جنازتي كثيراً في نصوص كثيرة ولي ديوان عنوانه "كتاب الموت"، حقيقة أنا يعني المصري بشكل عام هو ابن موت المصري ويحتفي ويحتفل كثيراً بطقوس الموت لأنه يعني إذا كان المصري الحديث هو ابن الحضارة الإسلامية فهو سابقاً ابن الحضارة المصرية يعني في وعيه أو في لا وعيه في وعيه ولا وعيه ابن الحضارة المصرية التي احتفلت بالموت، الموت لا يمنح فرصة للتأجيل بمعنى أنه لا يقيم معك معاهدة وإذا أقام معك معاهدة فهو دائماً ما ينقضها ويأتي في الوقت الذي هو يقرره، فحتى إذا أنت لذلك يعني لذلك أنا طوال الوقت مستعد بمعنى صنفت كل ما كتبت إذا مت اليوم ستكون أعمالي أو كتبي لأنه لدي مخطوطات كثيرة، هذه الكتب جاهزة للنشر ربما ولذلك أنا يعني أعيد الصياغات طوال الوقت، أعيد صياغة ما أكتب، أحذف أنا حذاف كبير أنا شغلتي في الحياة يعني شغلتي في الحياة أنني حذاف ولست كاتباً أو لست شاعراً يعني أكتب لأحذف، في الحذف كتابة، في الحذف إضافة، في الحذف حياة، لأن أنت في الحذف تكون أكثر قدرة على أن ترى ما لا يراه الآخرون.

[قصيدة لسان النار]

خذي صورتي واسمي

وهاتي لي كؤوساً من حنين

أنا حجر تكسر في غيومي سمائه

وأوجعني الخريف

اقتربت من النهاية

حاملاً نعش الملوحة

صوب نائية القرى

أنا رقم يؤرخه النعاس

تحطمت في بحر ظلي سفائني

موتي يهدهدني ويهدم قبره

ويروح منفرداً يُقلب ظله

في ساحة الشمس القديمة

هذه حرابي لم أمت

لا شيء يهزمني سواي

زاد: لا يترك أحمد الشهاوي لمن حوله مجالاً للخلاص يربطك بأحابيله الصوفية ويخشاك بأحاييله اللغوية ويريك من ألوانه ولوحاته ومقتنياته القديمة ما لا يبقي شيئاً لقصص هواه طافية على عمره، لا يترك باباً للشعراء إلا ويطرقه من دمياط إلى أميركا الجنوبية يأخذ بيد الشباب ويدلهم على المنابر والمعابر ودور النشر، تلك هي الصورة التي يريد أن يذكر بها الشهاوي كل من كان له فضل عليه عندما كان شاباً مياسيرياً يشحذ ممحاته بمشوار من حثّ.