توقفت رحلة المشاء في حلقة 18/9/2014 بمدينة مكناس المغربية، تلك المدينة التي فيها من فاس ما يجعلها تقارعها بالفكر واللسان، وفيها من مراكش ما يجعلها تنازعها في السلطان.

مكناس التي بناها السلطان المولى إسماعيل العلوي في القرن العاشر الميلادي مُعلنا إياها عاصمة لحكمه، ستبلغ الزمن المعاصر محروسة بأسوارها ومآذنها وتاريخ الكبرياء والهيبة الذي ارتبط بسلطانها إسماعيل لتلتقي واحدا من سلالتها المبدعة الروائي والشاعر وعاشق الخيال التاريخي بنسالم حميش.

يعتبر ضيف "المشاء" الاهتمام بالأندلس فرض عين على كل كاتب عربي ليعرف كيف فُتحت تلك البلاد ثم سقطت على نحو درامي مفجع بعد ثمانمائة عام بلغت فيها ذروة التقدم والمدنية

في جنبات المدينة العريقة يحكي حميش للقاصة فدوى البشيري عن تاريخ ليس بوصفه أرشيفا، بل مجال إبداع يكمل فيه ما لم يستطع المؤرخ قوله، أو ما لم يحفل به. فالمؤرخون يكتبون تاريخ المنتصر القوي، أما الروائي فيذهب إلى النصف المعتم من التاريخ.

إلى المتاهة
يذهب حميش إلى المتاهة ليفككها، ولا ينظر لمكناس من باب الانتماء الغريزي، بل بذلك الانتماء المبني على القراءة والحرية في التحرك في التاريخ والجغرافيا.

يعتبر الاهتمام بالأندلس فرض عين على كل كاتب عربي ليعرف كيف فُتحت تلك البلاد ثم سقطت على نحو درامي مفجع بعد ثمانمائة عام بلغت فيها ذروة التقدم والمدنيّة.

يصاحب حميش العلامة ابن خلدون في رحلته من بلاد المغرب إلى مصر والشام، ويصاحب المتصوف عبد الحق بن سبعين الذي كان أول داع للتخلص من الإرث الأرسطي وطورد من السلطان، فإذا كف عنه طارده الفقهاء من الأندلس إلى سبتة إلى بجاية فالقاهرة وأخيرا لجأ إلى الكعبة ولم يعرف إن كان انتحر أو نُحر، كما يقول ضيف "المشاء".

يقول إنه فوجئ بسؤال لفدوى البشيري ومع ذلك أجاب عن علاقة المشارقة والمغاربة فقال إنها لم تكن سوية ولا متعادلة بين جناحي العالم العربي، مشيرا إلى كثير من الأعلام في مجال الفلسفة والشعر والنثر الذين قدموا إبداعهم وكتبوا باللغة العربية ومع ذلك شكوا من حيف من طرف المشارقة، الذين كانت لديهم عقدة تفوّق.

اللغة كل شيء
أما اللغة العربية، فخلص حميش إلى أنها كل شيء، الأمر الذي قال إنه ربما رأي متطرف، مشددا على أن الرواية التي تتميز لغتها بأنها ضحلة ليست رواية.

للمغاربة أعلام في مجال الفلسفة والشعر والنثر الذين قدموا إبداعهم وكتبوا باللغة العربية ومع ذلك شكوا من حيف من طرف المشارقة الذين كانت لديهم عقدة تفوّق

يذكر أن بنسالم حميش يكتب باللغتين العربية والفرنسية، كما يُتقن خمس لغات. وهو من مواليد مكناس بالمغرب، تابع دراسته العليا في الرباط ثم السوربون في باريس، ليشتغل بعدها أستاذا للفلسفة وتاريخها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

له من المؤلفات أكثر من ثلاثين بين عمل روائي وديوان شعري ومؤلف في الفكر والفلسفة، تُرجمت أعماله لعدد كبير من اللغات الأجنبية.

أما مدينته مكناس فتقع على بُعد 140 كيلومترا شرق الرباط عاصمة المغرب، وتزخر بالكثير من المآثر على شكل أبواب وصهاريج وحدائق وأبراج وقصور وساحات وجوامع وزوايا وأضرحة.

ومن أشهر معالمها: باب منصور العلج وباب الخميس وحدائق الحبول وصهريج الصواني وقصر المنصور وساحة الهديم، وهو ما جعلها ضمن قائمة اليونسكو للتراث الإنساني العالمي سنة 1996.

اسم البرنامج: المشَّاء

عنوان الحلقة: مكناس.. بنسالم حميش في متاهته

مقدمة الحلقة: فدوى البشيري/كاتبة قصة

ضيف الحلقة: بنسالم حمّيش/مفكر وأديب

تاريخ الحلقة: 18/9/2014

المحاور:

-   مكناس بين التاريخ والجغرافيا

-   إبداع روائي على طريقة التخييل التاريخي

-   الأندلس.. مخاض عسير وتراجيدي

-   المشرق العربي بعيون مغاربية

-   مركزية المرأة في النصوص

[قصيدة لأبي الشمقمق]

بَرَزْتُ منَ المنازِلِ والقِبَابِ                  فلم يَعْسُرْ على أَحَدٍ حِجَابِي

فمنزليَ الفضاءُ وسقفُ بيتي                 سماءُ اللهِ أوْ قطعُ السحابِ

فأنتَ إذا أردتَ دخلتَ بيتي                   عليَّ مُسَلِّماً من غَيْرِ بابِ

لأني لم أجدْ مصراعَ بابٍ                    يكونُ مِنَ السَّحَابِ إلى التُّرَابِ

فيها من مراكش ما يكفي لكي تنازعها السلطان وفيها من فاس ما يكفي لكي تقارعها بالفكر واللسان، فرساي المغرب لكي لا يختال لويس الرابع عشر في العالم وحده زهوه مكناس أرض السعادة والكرامات، بنسالم حميش شاعر وروائي ومفكر وناقد بدأ بنقد الحاجة إلى ماركس وانتهى بنقد الحاجة إلى أدونيس يشكر السلطان إسماعيل كثيراً على جعل مدينته عاصمة الإمبراطورية قبل قرون ويَعدَه بإدخاله إلى غرفة التشريح ليخرج به منثوراً في رواية تخيلية تاريخية.

زاد: مرحباً رأيت فيما يرى الطائر ما حصل هنا بين الشيخ الكامل ومريديه قبل عشرة قرون، رأيته يجمع منهم مئة في يوم عيد الأضحى ويعلن عن رغبته في ذبحهم واحداً تلو الآخر ورأيت مريديه يدخلون الواحد تلو الآخر إلى أن تدافعت الدماء وكبر السيل فجاء من يريد أن يوقف ذبح المريدين.

[مقطع من قصيدة الشاعر بنسالم حميش]

لمَا خصَني الدهرُ بالدلكِ وحنّكني

أصبحتُ - واحَسْــــرَتاه!-

قَابَ قوسينِ من توديع الحياةْ

أو قلْ تلقيها ورماً عضالاً أو خردلهْ

أو قلْ تحرّيها بعينِ

من لا حُبَّ

ولا لُبَّ لهْ.

مكناس بين التاريخ والجغرافيا

فدوى البشيري: أستاذ بنسالم حميش أنت ابن مدينة مكناس كيف قضيت طفولتك في هذه المدينة؟

بنسالم حميش: والله حسب ما أتذكر كانت الطفولة يعني مرتجة يعني بالأحداث التي تبعتني وكنت أعيش طبعاً في المدينة القديمة وثمة يعني أبي كان خطيب يوم الجمعة وإماماً في المسجد الأعظم وطبعاً كانت صلته قوية بالدين وبالعبادات، فكان طبعاً يتركني حراً في بعض الأشياء ولكن في بعض الأشياء الأخرى يحاول يراقبني، الأم كانت ككل الأمهات لطيفة ومتسامحة وطبعاً أنا كنت ميالاً إلى العنف- والله، وظللت كذلك حتى في مرحلة المراهقة مش العنف يعني قضية الدفاع على نفسي وعلى أصحاب وعلى أقراني في الحومة في الحي.

فدوى البشيري: في الحي.

بنسالم حميش: فأحتفظ بذكريات يعني هي بين الآلام وبين الفرح رغم هذا الطابع شوية يعني المرتج المتضارب في المدرسة كنت جيداً حسب النقاط ومنذ الابتدائي يعني علاقتي باللغة والله كانت تنمو وتقوى عبر السنين، ويعني ذكريات أخرى جميلة وأخرى أقل يعني هذا ولكن هكذا حياة كل الأطفال بهذا السن، كان هذا الحلم دائماً يخامرني وأؤجله وهو ليس أن أكتب عن مكناس هذا ممكن أي واحد عنده علاقة بالسياحة وعنده علاقة بالتجوال أن يرى المآثر وأن يكتب عنها إلى آخره لا أنا فترة معينة ومحورية ومؤسسة وهي فترة المولى إسماعيل وكانت عاصمته مكناسة الزيتون وكل هذه المآثر التي ترينها والمحيطة بنا كان هو مشرف على تشييدها وبنائها بما فيه طبعاً هذه الأسوار التي تدور حول المدينة أو تحيط بالمدينة بما فيهم  ساري الجسواني هذا..

فدوى البشيري: نعم.

بنسالم حميش: أي نعم، بما فيهم يعني الحدائق، الحدائق أعتقد وهناك حدائق أخرى فإذاً أنا أعد يعني رويداً رويداً لعمل تاريخي، عنده جانب تاريخي، ولا بد له من يعني التحصيل والتتبع على كل الأرشيفات وعلى كل الوظائف والكتابات التاريخية وإلا ما يمكن يكون الرواية تطلع بشكل جيد وأسميتها إسماعيل هو المولى.

زاد: فهمت الآن بنسالم حميش يود القيام بالعمل نفسه هو ذا يراود المولى إسماعيل إلى مخبره ليذبحه، لا تستغرب فقد فعل ذلك مع الحاكم بأمر الله وحتى مع العلامة ابن خلدون، وطبعاً لا أنسى عبد الحق ابن سبعين إنه لا يعطيهم فرصة الهروب يزورهم في مراقدهم وبين الرفوف ويقرأ بين السطور يلملمهم ويعمل فيهم مشرطة كما يحلو له.

بنسالم حميش: المولى إسماعيل يعني أمشي للحديد أمشي الباب ديال منصور العلج، وكل هذه المآثر تشهد على أنه هذا السلطان كان حقيقة قوي الشكيمة قوي العزيمة، استطاع أن يوحد المغرب ما بعد العهد السعدي وكذلك أن يجعل أوروبا وبالأخص فرنسا وإنجلترا وحتى هولندا يحسبون ألف حساب لهذا السلطان، وبلغت به الأنفة والشعور بالعزة أنه عندما كان يرِّد عليه سفراء من البلدان الأوروبية يعني يتركهم ينتظرون حتى يفرغ من مشاغلة ومن اهتماماته إلى آخره بمعنى وكان كذلك مهيب الجانب من طرف السلطان ما يسمى السلطان ليس وهو..

[مقطع من قصيدة الشاعر بنسالم حميش]

إذا لويت على معنى دقيق

وسر حقيق

حرره بالقلم الأمضى على سعف النخيل

أو جلد دقيق

وإن لم تستطع فاجهر به في جمع حفيل

وانتظر ما قد يأتيك.

[فاصل إعلاني]

إبداع روائي على طريقة التخييل التاريخي

فدوى البشيري: في مجال الفكر والدراسات هل من صلات بينه وبين إبداعاتك الروائية؟

بنسالم حميش: نعم، أعتقد أنه هناك صلات ظاهرة أو خفية لأنه مثلاً بالأخص فيما يتعلق بما سمي هذا في نقاش الرواية التاريخية أنا أسميها رواية التخييل التاريخي على كل حال لن نطيل في هذه النقطة، هذه طبعاً لا يمكنكِ أن تكتبي يعني في حقبة زمنية ما لها شخصياتها لها عقدها لها قضاياها في تجرد عن معرفة هذه الحقبة وأن تتعاملي معها كمؤرخ يستند إلى الوثائق إلى الأرشيفات وإلى ما تركه المؤرخون حول هذه الفترة بالذات كذلك كان شأني بالنسبة لمجال الحكم كذلك بالنسبة للعلامة ابن خلدون وطبعاً لابن سبعين في رواية هذا الأندلسي، هذه الكتابة في هذا الموضوع لا يمكن أن تتخلصي بسهولة من المعطيات كل المعطيات وهي كثيرة ومعقدة اجتماعياً يعني فسيولوجياً كما يقال اقتصادياً سياسياً نفسياً وما إلى ذلك إذاً أنا أحيط علماً بهذه كل هذه المعطيات وبعد ذلك أترك خيالي يعمل استجابة لشيء مهم أن المؤرخين لا يقولون كل شيء لا يمكنهم أن يقولوا كل شيء لأنه إذا غابت الوثيقة توقفوا عن العمل وتوقفوا عن الكتابة وهنا يبدأ عمل الروائي فمثلاً عشت هذه التجربة كان يسرني كثيراً أن أجد مادة خام عند المؤرخين مثلاً لنعطي مثالا ليس لنا أن نطوله مثلاً بالنسبة لمجنون الحكم شخصية من أغرب ما يكون ليس لها مثيل أعتقد في تاريخ العرب السياسي، ولكن تجدي المؤرخين تقريباً يذكرون بكلمات قليلة جداً عن شخصيات عاشت في محيطه وواكبته مثلاً العبد مسعود مثلاً أبو ركوة الذي طار عليه وكاد في برقة ويعني زحف بجيشه إلى القاهرة وكاد يعني أن يسقط الدولة الفاطمية في عهده ولكن وقعت خيانات في صفوفه مما أدى إلى يعني مصير تراجيدي، لكن أنا أعتقد بأن القضية هي كيف أن الروائي يعطي لهذه الشخصية التي كادت أن تقضي على الدولة الفاطمية حيزه المشروع والضروري، فلذا خصصت له فصلا كاملاً وهناك من عاب علي هذا لكن أنا أقول لا أنا كروائي أهتم بتاريخ المغلوبين نسبة للست الملك التي كانت قاب قوسين هذه كانت قاب قوسين هذا كان بالنسبة لأبي ركوة ولكن بالنسبة لي أنا هي التي سعت إلى القضاء على حكم يعني الحاكم بأمر الله هذا الذي كان أخاها من أبيها هذه كذلك خاصة لابد أن تكون لها فسحة في مستوى ما فعلته لإنقاذ الدولة الفاطمية وإلا ألا أمر عليها هكذا مرار النيام مش الكرام النيام هذا هو.

الأندلس.. مخاض عسير وتراجيدي

فدوى البشيري: أيضاً اهتمامك بموضوع الأندلس في روايتك هذا الأندلسي.

بنسالم حميش: هذه قصة طويلة حقيقة لا هو الذي كنت أهتم به كدارس هذا فرض عين بالنسبة للمثقف أن يهتم بالأندلس كيف فتحناها وكيف ضاعت منا في 711 مع هذا الفتح الإسلامي الكبير ثم ضاعت منا يعني وسقوط سقوط آخر مدينة وهي غرناطة فإذاً هذا الحدث المفجع الكبير الدرامي كان لابد أن نهتم به أولاً كباحث ولكن رأيت فيما بعد أن هناك شخصية غير معروفة أو غير معروفة بما فيه الكفاية هي عبد الحق ابن سبعين وعندما اطلعت عليها بيوغرافيته قلت والله هذا وشكسبير أتى يعني ثلاثة قرون بعده لو عاصره للحق ابن السبعين والله لكن اهتم به أيما اهتمام، لهذا أنا من هذا النافذة يعني من هذه الحالة عبد الحق ابن سبعين الذي كان متصوفاً وكان فيلسوفاً كبيراً أول واحد كان له الجرأة للدعوة إلى التخلص من الإرث الأرسطي الشيء الذي لم يفعله أي فيلسوف مشائي قبله، مشائي قبله، هذه من جهة وثم الرجل كان يطارد من طرف السلطات المركزية ولكن طبعاً بتحرش وبتحريض من الأوساط أوساط الفقهاء بالدرجة الأولى ومن هنا اضطر إلى الانتقال من مرسيا إلى سبتة إلى سبتة ومن سبتة اضطر إلى الرحيل إلى البجاية حيث تعرف إلى أبو الحسين الششتري ومن البجاية اضطر كذلك اضطر من باب الاضطرار إلى القاهرة حيث يعني حورب كثير من طرف فقهاء مصر ثم من هنا لم يكن له إلا اللجوء إلى الكعبة وهنا وقع له ما وقع إما أنه انتحر أو نحر الله أعلم، فإذن هذا هو كل المعطيات هي حالة ولكن تعطيكِ رؤية عن هذه المخاضات العسيرة والتراجيدية في تاريخ الأندلس وما كان يعيشه طبعاً ابن السبعين عاشه آخرون ولكن بدرجة أقل كابن رشد، وقد يطول الحديث كثيراً في هذا المجال.

زاد: عندما وصل جند السلطان وجدوا أن كل مريد قد أتم ذبح وسلخ كبشه أما عندما أتم بنسالم حميش تشريح ابن سبعين فقد جاءته الوزارة وزارة الثقافة ففرش أوراقه أمام منتقدين الذين رأوا أن يذبحوه في بيت الشعر لم يصدق رؤياهم ولكن حبكة الذبح والسلخ عاودته بعد الوزارة فقرر الاهتمام بأمر المولى إسماعيل سلطان مكناس وطبعاً بزوجته العالمة خناتة بنت بكار وسلالته التي لا تنتهي، ترى كم من الدماء مرشحة للسيلان من محبرة بنسالم إلى باب المنصور.

المشرق العربي بعيون مغاربية

فدوى البشيري: كيف ترى العلاقة بين المشرق والمغرب في الثقافة العربية؟

بنسالم حميش: بكل صراحة هذه العلاقة لم تكن سوية ولم تكن متعادلة ما بين الجناحين المكونين للعالم العربي، وإذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن الكثير من الأعلام الذين ليسوا فقط هم مغاربة هم يمثلون العالم العربي والإسلامي ككل يعني من الشيخ الأكبر ابن عربي من ابن خلدون من لو  رحنا إلى ما تلا العصر القرن العشرين عبد الله كنون في النبوغ المغربي كانوا دائماً يشكون من يعني حيف كان يلحقهم من طرف المشارقة على العموم الذين كانت لهم نوعاً من عقدة التفوق وأنهم كانوا السباقون إلى أشياء كثيرة إلى أمور كثيرة، في حين أن هذا غير صحيح غير صحيح تماماً لأن المغرب في مجال الفلسفة أعطى أهم الأسماء وأكبرها على كل حال، كذلك في الشعر كذلك في النثر ولكن هؤلاء كانوا طبعاً يعتبرون أنهم لا يعملون كمغاربة وكإقليميين أو كمتعصبين لهم ما كانت لهم رؤية أشمل بمعنى أنهم أولاً يكتبون بهذه اللغة لغة الضاد وينتمون إلى بلدان عربية لكن هم مغاربة حقيقة، فنصوص لو كان هناك لم أتوقع هذا السؤال ولكن لو كان هناك وقت لأظهرت نصوصاً تُظهر كيف أن من خيرة الإعلام المغربي كانوا متضايقين من هذا الإجحاف من هذا الجحود وهو ما جعل عبد الله كنون يكتب النبوغ المغربي هو بالذات لأنه لاحظ هذا الإجحاف وهذا الجحود عندما قضى فترات في القاهرة على وجه التحديد فكتبها لتعريف المشارقة بالتراث المغربي.

مركزية المرأة في النصوص

فدوى البشيري: المرأة في كل أعمالك الروائية تحتل مكانة متميزة من مجنون الحكم مع السلطانة ست الكل إلى أسماء في رواية امرأة أعمال مروراً بالرؤوس والنسوة وزهرة الجاهلية وغيرها فهل يطلب منك تبرير هذا الولاء؟

بنسالم حميش: تبريره أبرره كون النساء شقائق الرجال أولاُ ثم بالحديث النبوي "خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء" ويقصد بها عائشة أم المؤمنين أو "ما أكرم الناس إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم" وعند أبي الطيب المتنبي قُدس سره وذكره في هذه القضية بالذات..

ولوْ كانَ النّساءُ كمَنْ فَقَدْنا      لفُضّلَتِ النّساءُ على الرّجالِ

وما التأنيثُ لاسمِ الشّمسِ عَيبٌ  ولا التّذكيرُ فَخْرٌ للهِلالِ

هذا أجمل شيء قاله في المرأة، والمرأة هي أو هي يعني أولاً كما قال ماو تسي تونغ "النساء يرفعن نصف أعمدة السماء" والمرأة لنسجل أو نغير شوي عند ماركس نفسه اعتبر أن المرأة هي معيار الحكم على المجتمع له أو عليه فإذا تخلفت المرأة تخلف المجتمع إذا تقدمت المرأة تقدم المجتمع، وغير ذلك من المأثورات التي طبعاً جعلتني أهتم بالمرأة، لماذا المرأة هي أمي هي أختي هي زوجتي، ابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة هو يقول بأنه مدين للنساء في كل شيء حتى فيما يخص تعلم الشعر وحتى الموسيقى هكذا وأنه ربي أي تربى في أحضان النساء أيام عز الأندلس.

فدوى البشيري: لغتك العربية سرداً وشعراً شيقة جذابة ذات غنى ما شاء الله ما شاء الله ماذا أقول.

بنسالم حميش: غناء.. غناء غنى فاحش.

فدوى البشيري: لا لا أعوذ بالله بل نائم.

بنسالم حميش: غنى نائم الحمد لله.

فدوى البشيري: من أين لك موهبتها ونعمها؟

بنسالم حميش: لا الموهبة يعلمها الله أنا جُبلت على هذا منذ البدايات كنت طبعاً أحب هذه اللغة عبر نصوصها وعبر تراثها وإنتاجاتها وأعلامها هذا ما كان هؤلاء هم الذين علموني اللغة وعلموني حب هذه اللغة وأنا أعتقد أولاً هذا هو المرجع وثانياً أنه اشتغلت على اللغة نحواً وصرفاً وتركيباُ، أسرار البلاغة وكل هذه الأشياء طبعاً هي كانت مرجعي وحببتني أكثر فأكثر بهذه اللغة التي هي حسب التصنيف الأخير ليونسكو رابع لغة عالمية بعد الصينية والإنجليزية والإسبانية، والاعتراف يأتينا من منظمة دولية اليونسكو ومن طبعاً من الأمم المتحدة التي جعلت العربية اللغة ما بين اللغات الست الرسمية، فإذاً أعتقد بأنه مازال البحث وما زال الرواية ويمكن اللغة يمكن متوسطة لأنها أداتية وظيفية ولكن في مجال الإبداع أكاد أقول وأتطرف إلى حد ما أن اللغة هي كل شيء هي كل شيء يعني الرواية التي اللغة فيها تكون ضحلة أو ضئيلة فهي ليست رواية من لا لغة له لا رواية له.

فدوى البشيري: هل لك عمل روائيأ أو دراسي ماثل للصدور حالياً.

بنسالم حميش: لا الحمد لله الحمد لله كان طبعاً كان من بعد امرأة أعمال الآن تقولي أنني نقيب عن النساء والنساء كما قلت لك ترفعن نصف أعمدة السماء

فدوى البشيري: قرأتها رواية جميلة جداً.

بنسالم حميش: هناك هذه الرواية اسمها من ذكر وأنثى..

فدوى البشيري: نفس الموضوع أنثى.

بنسالم حميش: شفتِ ولكن كان رجل من ذكر وأنثى.

فدوى البشيري: مناصفة.

بنسالم حميش:هي إن شاء الله الآن قائمة للنشر.

[مقطع من قصيدة للشاعر بنسالم حميش]

من فيض الوحدة وشدتها علي

بت أنظر في ثقب بابي

عساني ألمح زائراً ضالاً فأدعوه إلي ّ

من فيض الوحدة وشدّتها علي

 بت أطرقُ جدراني وأقول تفضل.

فدوى البشيري: الدكتور بنسالم حميش مفكر أديب وشاعر مغربي يكتب باللغتين العربية والفرنسية ويتقن لغات أخرى، ترجمت مؤلفاته إلى عدة لغات يتجاوز نطاق لغات أوروبية لتصل إلى لغتين الصينية والاندونيسية، تتراوح اهتماماته بينما هو فكري وإبداعي أثر المكتب العربي بالعديد من الكتابات والإصدارات يتساءل النقاد عن سر هذا التنوع والاهتمامات التي تتوزعها في مجالات مختلفة وهو توزع قد يكون على حساب التخصص بمجال محدد.

زاد: يخلط بنسالم حميش في ذواته بين دم الضحية والأضحية ليعدد الأصوات، ينافح عن تعدد مشاربه الإبداعية كغنيمة حرب ضد أحادية النوع، ومن يدري لعله إن تواترت عوداته إلى مكناس سيصبح شيخ الطريقة السالمية وقد يجد من مريديه ما لا يحتمل الذبح من الطاعة.

المشَّاء: مسرحٌ عظيمٌ هي مكناس، مصطبة مغرمة بإعادة تمثيل القصص من سيدنا إبراهيم كما فعل الشيخ ابن عيسى إلى المولى إسماعيل كما ينوي الأستاذ بنسالم، فضاء تتداخل فيه الغصة بالقصة والحكاية بالرواية بسارد الرواية، تاريخ طوح بالمخيال بعيدا ما يسمح بجرأة التخييل مخافة ألا يفي واقعنا بما يسمح بتصوير ما كان من وقائع مكناس.