يقال إنها كانت قرية بيضاء صغيرة، ويقال كبرت وكبرت، وإن أفواج الزاحفين لم تنقطع عنها. الدار البيضاء حيث هناك من يرى في هذه الأفواج هجوما للقرية على المدينة، وقلَّ من يرى في ذلك مشاريع مبدعين تبحث عن مكانها في المدينة "المتروبول".

الدار البيضاء ليست هبة البحارة البرتغاليين ولا الميناء، بل هبة المغاربة وهبة هجرتهم الداخلية وهبة المشائين إلى الحلم.

ضربها الزلزال مرة، وقصفها المستعمر مرات، ولكنها ظلت بيضاء تسر القادمين الحالمين، وتتشكل كل يوم في زبد المحيط حيث الميناء وحيث تأخذ المدينة على عاتقها إعادة ترتيب نسيجها الاجتماعي.

لا تتميز بمعالم كفاس ومراكش وغيرهما، ولكنها تتميز بالقبض على يد المستقبل، وقد تضج الدار البيضاء بمن يدخلها من المتسللين ولكنها تترك دائما فرصة للمفاجأة. لعل مبدعا دخل وبدأ ينسج مشروعه.

كان "المشاء" في رحلته التي يواصلها داخل المغرب، يلتقي نحاتة الصخر إكرام القباج التي ولدت في الدار البيضاء، وهي منذ ناداها الصخر تجرحه كل يوم وتعمّر بإبداعاتها فضاءات مدينتها.

في حي الأحباس الشهير بالدار البيضاء مع الناقد محمد بهجاجي (الجزيرة)

في سوق الأحباس
تسير القباج بصحبة الناقد محمد بهجاجي في حي الأحباس التقليدي العريق، ويسألها عمّا يوحي هذا المكان فتقول إنه من أجمل أحياء الدار البيضاء لما فيه من تصميم هندسي متقن واشتماله على أماكن عمومية بطراز واحد، من أسواق ومساجد وحدائق ومقاه ومطاعم.

والقباج أيضا لديها غرام في أن تشغل المنحوتات مكانها في الفضاء العام، لكنها ترى أن على الفنان تقديم اقتراحاته الجمالية دون أن يتجاوز الفضاءات المكتملة بتراثها.

وحين تنظر إلى المعالم التقليدية في مدينتها تأمل خيرا في جهود الفنانين لإبراز التراث البيضاوي وهندسته المعمارية الأصيلة، وإعادة بناء الأماكن التي تهدمت مثل المسرح البلدي.

من المتوقع أن تسأل الفنانة عن علاقة المرأة بالصخر وعن الأدوات التي تبدو خشنة من أزاميل ومطارق ومقصات حجر كهربائية. فتحكي عن عشقها للحوار مع المادة الخام، ولا تفكر إلا بشيء واحد: هل ستقودها الصخرة إلى الشكل الذي سيولد أم هي ستقود صخرتها؟

تميل القباج إلى إعطاء أهمية كبيرة للفضاء الذي ستضع فيه المنحوتة، ولذلك هي تفضل العمل بمشاركة مهندسين معماريين يحددون الفضاء ويتركون لها تدبر أمرها مع الصخر.

ومن الخلاصات المهمة في تجربتها أنها لا تشخص منحوتاتها، بل تذهب إلى أن "التجريد يخلصنا من قبر الكائن"، ويقلع بالإنسان إلى فضاء المخيال الشاسع.

من الخلاصات المهمة في تجربة إكرام القباج أنها لا تشخص منحوتاتها، بل تذهب إلى أن "التجريد يخلصنا من قبر الكائن"، ويقلع بها إلى فضاء المخيال الشاسع

ورقة الطريقة
نذهب مع الفنانة إلى عمل منصوب في أحد ميادين الدار البيضاء اسمه "ورقة الطريق". هذه الورقة ارتفاعها 16 مترا ونصف المتر، وتتكون من أنابيب، وبين الأنبوب والآخر فراغ يجعلك ترى ما وراء الورقة.

تبدو القباج  مرتاحة لخيارها وتقول "ما أجمل أن يكون لديك عمل تراه بعد خمسين عاما -إن كُتب لنا عمر- دون أن يتغير".

يصفها زوجها ورفيق دربها الكاتب محمد قاوتي بالعنيدة، وعنادها ضد غبن المرأة العربية وضد غبن الفنان، وبأنها استطاعت تحويل الإخفاقات إلى نجاحات باهرة.

تحدث  قاوتي عن شغفها بالفن حتى حين أنجبت طفلهما واضطرت إلى "إقامة جبرية" لرعاية وليدها كانت بين وجبات الفطور والغداء والعشاء تحول المطبخ إلى ورشة فنية أنتجت فيها تجربة مميزة.

المشاريع العمرانية ليست الأسمنت والحجر والحديد، بل مشاريع حضارية تحتفي بالحاجة إلى الجمال، وبحاجة الناس لأن يقيموا في مساحة أليفة. تعمل إكرام القباج بصمت وتواضع وتؤمن بأن الجمال قد ينقذ العالم من الرتابة.

في المشغل.. إكرام القباج والناقد محمد المهجاجي (الجزيرة)
 
تشكيلات بيضاء في الدار البيضاء (الجزيرة)
تميل الفنانة إلى وضع أعمالها في فضاء عام على ألا يكون فضاء تراثيا (الجزيرة)
القباج: لا أعرف هل ستقودني الصخرة أما أقودها (الجزيرة)
في ضيافة البيت: إكرام القباج إلى جانب رفيق دربها الكاتب محمد قاوتي (الجزيرة)