من طنجة التي استغرقت حلقتين، وصلت كاميرا "المشاء" إلى تطوان التي تريح تلالَها على ساحل البحر الأبيض المتوسط وعلى بعد 56 كلم من طنجة.

ذهبت الحلقة التي بثت مساء الخميس 19/6/2014 إلى تطوان المكان، ولكن من خلال ما يراه بعينه وروحه أحمد بن يسف الفنان التشكيلي ذي الحساسية الخاصة والمكانة المقدرة في الحركة الفنية المغربية عموما.

اضطلعت الشاعرة وداد بنموسى بإدارة الحوار مع بن يسف والتجوال بصحبته في أحياء المدينة العريقة، والتعرف إلى ما تركته تطوان في الفنون البصرية العديدة التي خاض غمارها.

التطواني بن يسف ولد عام 1947، وبرغبته في التجديد وحس المغامرة يستذكر ما قاله لوالده إنه لم يختر مكان ولادته، ولكنه سيختار المكان الذي يعيش فيه، هذا المكان هو لوحته

ولد عام 1947، وبرغبته في التجديد وحس المغامرة يستذكر الفنان ما قاله لوالده إنه لم يختر مكان ولادته، ولكنه سيختار المكان الذي يعيش فيه، هذا المكان هو لوحته.

بداية مؤسفة وجميلة
يصف بن يسف بداياته فيقول إنها كانت متعبة ومؤسفة وجميلة، وبتهكم يضيف "ولدت عبقريا وأريد أن أموت فنانا".

تطوان مدينته الأم أعطت للمغرب الكثير في مجال الفن، ويضيف أن مدرسة الفنون الجميلة خرجت منها أسماء رائدة.

هذه المدرسة التي أسسها فنان إسباني يدعى بيتوتشي خرّجت عدة أجيال من الفنانين، بيد أن بن يسف يبدي أسفه لضياع العديد من الأعمال بسبب عدم وجود متحف.

للفنان ثلاثة أماكن يرسم فيها: واحد في تطوان والثاني في جارتها طنجة والثالث في إشبيلية بإسبانيا.

ومثلما يتنقل بين هذه المدن يتنقل بن يسف بين العديد من التعابير الفنية والتقنيات في النحت والرسم المائي والجداريات الكبيرة الخزفية والرسم بالزيت، ويعتبر أن حالته ومزاجه النفسي هو من يحدد الخامة التي يستخدمها في العمل.

الفنان تنقل بين النحت والرسم المائي والزيتي وجداريات الخزف الكبيرة (الجزيرة)

سر الحمامة
يبرز دائما سؤال أمام ضيف "المشاء" عن سر الحمامة التي تحط هنا وهناك وتؤثث فضاء أعماله الفنية، فيجيب "حتى أخفف من ألم اللوحة".

يضيف أن الحمامة لا تمثل في لوحاته رمز السلام، وهو الرمز الشهير المتداول، بل تضيف ليونة على لوحاته خصوصا مع أعماله ذات الطابع الواقعي الاجتماعي، فهو يقدر أن المتلقي شقي على نحو ما وأن الحمامة تلطف من قسوة هذا الشقاء.

بن يسف الذي يرتدي القبعة دائما ويقول مازحا "أرتديها حتى لا تطير أفكاري"، فنان مغربي بامتياز أخلص لعوالم المغرب من سحنات وأزقة وتفاصيل حياة، ويحضر اسمه اليوم في جل المعاجم المتخصصة في الفن التشكيلي.

هذه المدينة التي لا ينتهي فيها شيء ويسمونها في الأناشيد العربية حافة الانتماء، رافقت رحلة المشاء فيها موسيقى ناعمة للأغنية العربية الشهيرة "بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان/ ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان".

اسم البرنامج: المشاء

عنوان الحلقة: تطوان.. الزاجل بن يسف

مقدم الحلقة: جمال العرضاوي

ضيف الحلقة: أحمد بن يسّف/فنان تشكيلي

تاريخ الحلقة: 19/6/2014

المحاور:

-   لوحات معبقة برائحة الوطن

-   عمل فني خالص

-   الجهود العربية في الحفاظ على التراث

-   سر الحمامة البيضاء

[قصيدة لأبي الشمقمق]

 

بَرَزْتُ منَ المنازِلِ والقِبَابِ                       فلم يَعْسُرْ على أَحَدٍ حِجَابِي

فمنزليَ الفضاءُ وسقفُ بيتي                     سماءُ اللهِ أوْ قطعُ السحابِ

فأنتَ إذا أردتَ دخلتَ بيتي                       عليَّ مُسَلِّماً من غَيْرِ بابِ

لأني لم أجدْ مصراعَ بابٍ                         يكونُ مِنَ السَّحَابِ إلى التُّرَابِ

جمال العرضاوي: حديقة ساحرة على حافة الجرح القاري مدينة تطوان، سمعت شعراً وأسمعت وطربت لأهازيج وأطربت ولكنها ظلت تلح في طلب صورتها إلى أن برز من بين ألواح الكتاتيب حمام أحمد بن يسف ولكي تستقيم له الصورة دأب هذا الصقر على اصطياد الذهاب والإياب بين العدوتين، ثقف أحمد بن يسف ريشته بالتشديد والتجريد وبالتصعيب والتكعيب وبما وراء الواقعية إلى أن بلغ واقعيته التي تعيده أبداً إلى مرابعه الأولى، ستتوهين اليوم يا زاد لقد اخترت لك ضيفاً لا عهد لك بمحاكاته تعرفين في الشعر والسحر وحتى في الموسيقى ولكن هيهات أن تعرفي شيء عن الرسم.

زاد: في حكاياتنا أيها المشاء لا نرسم بالريشة ولكن الرسم عندنا ذائب في الكلمة اسأل بن يسف كم ألهمته حكاياتنا.

وداد بنموسى/شاعرة: سيد أحمد بن يسف تربيت ونشأت في هذه المدينة العريقة مدينة تطوان شمال المغرب، تلقيت تكويناً دينياً في أسرة محافظة تعتبر الفن التشكيلي عيباً وتعتبر الفن التشكيلي حرام، وأُخبر في سن التاسعة حفظت القران الكريم وكان الفقية فقيه المسيد أبو الكُتاب القرآني قد أخبر والدك بأنه بعد أن تكتب.

أحمد بن يسّف: أرسم على اللوح في نهاية الصورة.

وداد بنموسى: أنت ترسم على اللوح، فكيف كانت البداية أستاذ أحمد.

أحمد بن يسّف/فنان تشكيلي: هو البداية في الحقيقة وأنا أتجول معك في هذا الحي في حيي وفي هذه المدينة العتيقة كانت متعبة وشيقة وحيزة ومؤسفة وجميلة جداً.

وداد بنموسى: هنيئاً لك.

أحمد بن يسّف: وجميلة جداً لأن كان هو يعني عن بعد الزمن أراها كأنها يعني صراع بين الأمل واليأس.

وداد بنموسى: جميل.

أحمد بن يسّف: أنا كنت أعيش هذيك المرحلة كأنني كأني أشوف هذا الحدث اليومي.

وداد بنموسى: ما يحدث الآن.

أحمد بن يسّف: كأنني.

وداد بنموسى: ما أصبحت عليه اليوم.

أحمد بن يسّف: أي ما أصبحت عليه اليوم ولهذا في هذا الموضوع يستحضرني صديقي الدكتور المهدي المنجرة عالم المستقبليات.

وداد بنموسى: نعم طبعاً.

أحمد بن يسّف: كأنني كنت أعرف أنني سأصل إلى هذا المكان، مرة قلت لوالدي أنني خسرت للمكان.

وداد بنموسى: لماذا؟

أحمد بن يسّف: أخسر المكان الذي أتمنى أن أعيش به.

وداد بنموسى: جميل.

لوحات معبقة برائحة الوطن

أحمد بن يسّف: والمدينة التي أعيش فيها هي لوحتي، وطني هي لوحتي.

زاد: أتعرف أيها المشاء لماذا لوحته هي وطنه، لأنه أرخ بلوحاته، أنظر مثلاً إلى سلسلة عباقرة تطوان منهم مثلاً سيدي علال الذي سمعه رسامنا وهو صغير ينبأ أباه بضياع القدس المحدق، وعندما كان والد بن يسف يرجوه أن يبتعد عن الكلمات البذيئة في حضور الطفل كان سيدي علال يجبب: القدس ستضيع وأنت تتمسك بالتأدب في الكلام.

وداد بنموسى: يستحضرني قولاً شهيراً لك، كنت تقول أنك ولدت عبقرياً وتتمنى أن تموت فناناً.

أحمد بن يسّف: أقولها يعني كتهكم عن العبقريين الذين يسمون أنفسهم عبقرية.

وداد بنموسى: فقط.

أحمد بن يسّف: عباقرة فقط، فالعبقرية يعطيها الزمن.

وداد بنموسى: سيد أحمد في سنة 1945 أسس الفنان الكبير بيتوتشي مدرسة الفنون الجميلة في تطوان، هذه المدرسة سيتخرج منها رواد الفن التشكيلي في المغرب ستخرج منها أسماء رائدة في هذا المجال يمكن لك فقط تحدثنا عن هذه التجربة خصوصاً وأننا نعرف أنه..

أحمد بن يسّف: هو في الحقيقة أن تطوان أعطت الكثير لهذه المملكة وللمغرب في ميدان الفن التشكيلي لأن ميلاد المدرسة الفنون الجميلة بتطوان كان على يد الأستاذ والمرحوم ماريلو بيتوتشي إلي أسس مدرسة الفنون الجميلة في تطوان، وتخرج منها عدة أجيال مهمين ولسوء الحظ لعدم المناخ ولعدم.

وداد بنموسى: وعليك السلام.

أحمد بن يسّف: وعليكم السلام، ولعدم الجو المناسب للخلق والإبداع ضاع عدة أشياء يعني حتى مدة قليلة وإحنا ندعو لإنشاء المتحف ولحد الآن لم يتم المتحف.

وداد بنموسى: ولحد الآن لم يتحقق هذا المشروع.

أحمد بن يسّف: لأن صورة المتحف هو المحافظة على الذاكرة.

وداد بنموسى: بكل تأكيد.

أحمد بن يسّف: فكان مجموعة الأصدقاء والرفقاء ديالي اللي كانوا في المدرسة في الفنون الجميلة وكان لهم عمل جيد وعمل يعني له قيمة ولا ثقافية ولا فنية ولا تقنية.

وداد بنموسى: نعم.

أحمد بن يسّف: لأن يعني اللوحة لها تقنيتان التقنية الباطنية والتقنية المدرسية، فأنا شفت أشياء ومن سوء الحظ أنهم أن لا يعرف عليهم أحد.

وداد بنموسى: نعم.

أحمد بن يسّف: لأن الجو والمناخ وحتى الإعلام له دور وحتى الإعلام اللي هو توه فُقد في هذا الميدان.

وداد بنموسى: سيد أحمد واحد الفترة بعد مدرسة الفنون الجميلة ستقرر وسيقر العزم على أنك ستغادر هذا البلد وستسافر إلى إسبانيا، هناك حماس قوي وهناك طموح ورغبة في أن تجد طريقك في بلد آخر غير المغرب، سيد أحمد التو كنت في إسبانيا وسألك الأصدقاء ماذا تنوي أن تشتغل، قلت لهم أنك تريد أن تشتغل بالفن أن يعني.

أحمد بن يسّف: لا أشتغل بالفن أعيش منه وإليه.

وداد بنموسى: أن تعيش أن تعيش بالفن.

أحمد بن يسّف: ومنه.

وداد بنموسى: فأجابوك هل أنت مجنون؟ يعني هنا في إسبانيا لا يعيش من الفن إلا اثنان سلفادور دالي وبيكاسو وأنت قلت لهم سأصبح، سأصبح ثالثهم، يعني.

أحمد بن يسّف: بحالة الشباب والطموح قلت لهم أنا سأكون الثالث.

وداد بنموسى: الثالث، يعني أنا أريد أن أسأل عن هذه القدرة العجيبة على أن تخترق عالم هؤلاء الاثنين الكبار في هذيك الوقت من الزمان.

أحمد بن يسّف: لا لأن مجال الفن يخص نوع من التحدي.

وداد بنموسى: هذا هو إلي كان..

أحمد بن يسّف: والشجاعة فأنا مثلاً لما تخلص دراسياً يا أستاذ أنا حامل license فكان الكل يتوظف أنا يعني ضحيت بمغامرات لأن الحياة مغامرة.

وداد بنموسى: بكل تأكيد صحيح.

أحمد بن يسّف: لو بدون مغامرة ما يمكن هناك الإبداع، هي الحياة نفسها كلها مغامرة.

وداد بنموسى: بكل تأكيد.

أحمد بن يسّف: وخصوصاً في عالم الخلق والإبداع.

وداد بنموسى: طيب تحقق لك أن كنت ثالث هذا.

أحمد بن يسّف: لم يتحقق لي لم يتحقق لي أي شيء لا زلت.

وداد بنموسى: ولكن أنت تعتبر وأنت تعتبر نفسك فناناً كبيراً وعالمياً الآن.

أحمد بن يسّف: لا أنا أعتبر نفسي فناناً فقط.

وداد بنموسى: ما هي مقاييس العالمية في رأيك سيد أحمد بالنسبة للفن التشكيلي؟

أحمد بن يسّف: المقاييس العالمية هي الجدية والمواظبة في العمل والعمل النهائي، وثانياً أنا لا أؤمن بالتنصيف الفني فاللوحة ليس هي لا تجريدية ولا واقعية ولا تشخيصية ولا انطباعية، هي إيجابية أو لا إيجابية.

زاد: كل شيء يمكن أن يكون إيجابياً في عالم أحمد بن يسف، من بين عباقرته الدرويش سيدي الهاشمي المدعو ازرع وكون وهي خصلة شريفة في أهل تطوان الذين لا يتبعون فعل الخير بالمنة ومنهم سيدي فضال الذي كان حيثما مشى ترك وراءه شارعاً من المسك، هل تصدق أن الناس كانوا يتصيدون فترة قضاء حاجته لأن كل من يقضي سيدي فضال عنده حاجته يأتيه الرزق من حيث لا يدري.

أحمد بن يسّف: أغلبية النقاد للفن التشكيلي هم كلهم مهزومين يعني وفاشلين ولهذا فلأن اللوحة دائماً عندها قراءتين قراءة أدبية وقراءة تقنية وقراءة أدبية وتقنية يلزم أن يجمعوا بينهما.

عمل فني خالص

وداد بنموسى: طيب سيد أحمد أنت انتقلت من عدة تعابير تقنيات متعددة من النحت إلى الرسم بالماء إلى الزيت على القماش إلى الجاريات الكبيرة بالخزف، يعني أين يجد سيد أحمد بن يسف نفسه في كل هذه التقنيات؟

أحمد بن يسّف: اللوحة على حسب الحالة الوضعية التي أعيش فيها.

وداد بنموسى: هي إلي كانت..

أحمد بن يسّف: والموضوع الذي هو يحكم علي باختيار المادة إلي نهيئ بها الموضوع الذي اخترته لعملي، فلهذا فطبيعة الحال يعني قمت بعدة تجربات شكلية بالألوان المائية بالألوان المائية الثقيلة بالألوان زيتية والحفر والخزف .

وداد بنموسى: والنحت.

أحمد بن يسّف: والنحت ولهذا فالمبدع ولهذا أقول أنا لست رساما أنا فنانا فأنا ألقي الضوء وثائقي والفنان يصبح موثقا.

الجهود العربية في الحفاظ على التراث

وداد بنموسى: سيد أحمد، هل في رأيك وأنت تجولت في كل بقاع الأرض عارضاً لوحاتك في كل معارض العالم، هل في رأيك استطاع العرب أن يؤسسوا لهذا التراث عبر متاحف تحفظ ذاكرتهم وتحفظ سيرتهم؟

أحمد بن يسّف: لا من سوء الحظ هذا المناخ لا وجود له وكأنه هو السبب الذي بقيت أنا به في إسبانيا، عرفت أنني إذا دخلت إلى أي بلد عربي وبلدي سيكون صعب علي أعيش من هذا الميدان ومنه وإليه وديانتي كانت تسمح لي بكل سهولة يعني بالاحتكاك مع الغرب يعني هي ثقافة، ثقافة جديدة علينا ما كنا قد عرفناها لأن الفن التشكيلي هي ثقافة جديدة علينا.

وداد بنموسى: صحيح.

أحمد بن يسّف: دخول الفن التشكيلي إلى العالم العربي الإسلامي جاء عن طريق حملة نابليون على مصر.

وداد بنموسى: صحيح.

أحمد بن يسّف: فهناك دخول بعض الرسامين اللي نقول مستشرقين.

وداد بنموسى: المستشرقين.

أحمد بن يسّف: هم مبدعين أوروبيين.

وداد بنموسى: أسسوا لهذه.

أحمد بن يسّف: أوروبيين دخلوا مع نابليون لتوثيق يعني ما كنتش صور فوتوغرافية لتوثيق.

وداد بنموسى: الحملات.

أحمد بن يسّف: حملاته، آخر دولة عربية دخلت الفن التشكيلي على المستوى الدراسي هي المغرب.

وداد بنموسى: المغرب.

أحمد بن يسّف: عن طريق...

وداد بنموسى: مدرسة.

أحمد بن يسّف: بيتوتشي.

وداد بنموسى: بيتوتشي.

أحمد بن يسّف: 1945.

[فاصل إعلاني]

سر الحمامة البيضاء

وداد بنموسى: سيد أحمد بن يسف ما سر تلك الحمامة البيضاء التي تحلق في جل لوحاتك؟

أحمد بن يسّف: أنا قلت كنت أنتظر هذا السؤال لأنني استغربت لأنك لم تطرحي علي هذا السؤال، هو الوحيد..

وداد بنموسى: كنت أنتظر الفرصة.

أحمد بن يسّف: الحمامة أنا أرسم الحمامة لأنها لديها عدة مفاهيم في اللوحة ديالي، المفهوم الأول والدافع الأول لجعل اللوحة فيها الحمامة هو لتخفيف على المشاهد أو على المتلقي ألم اللوحة.

زاد: أعجبتني كثيراً فكرة الحمام الذي يخفف من ألم اللوحة ولكن من يخفف من ألم الحمام؟ يؤبده بن يسف في صورة ثابتة لا تتحرك.

جمال العرضاوي: ألم أقل لكِ إنك لا تفقهين في الرسم يا زاد، هناك في اللوحة حرية وهناك فيها حركة لا تنتهي، أنظري إلى هذه الحمامة أو إلى هذه أليست متحفزة للطيران، أنظري إلى هذه اللوحة ألا ترين خشوع الطوفان في حركة الطواف؟

أحمد بن يسّف: لأن فيها الوصف قلت يعني.

وداد بنموسى: كنت فعلاً لوحة قاسية ملامح قاسية.

أحمد بن يسّف: لا يعني نستعملها لتوضح الواقع الاجتماعي وكنت أعكس فيها إنسانية الإنسان بمحتوياتها بجميع أصنافها ولهذا كنت أحتاج إلى نموذج ليخفف عندك المأساة وعندي الألم لأن لما اتجهت إلى اتجاه الواقعية الاجتماعية فكانت لوحاتي كلها كانت قاسية على المتلقي أو المشاهد ولهذا فكنت نحتاج بش نحلي ذاك الموضوع ونحلي اللوحة أو نعطيها نوع من الليانة.

وداد بنموسى: بجمالية معينة.

أحمد بن يسّف: لا نوع من الليونة للمتلقي.

وداد بنموسى: نعم.

أحمد بن يسّف: فوظفت الوردة وظفت الحلقة أمام ذاك الشخص في حالة تعيسة، فاللوحة أنا ما وظفتها فقط كنموذج للسلام أو كشعار السلام أو sample لا، أنا وظفتها.

وداد بنموسى: بينما جزء من اللوحة.

أحمد بن يسّف: طرف من اللوحة اللي طرف من رسالة اللوحة.

وداد بنموسى: نعم.

أحمد بن يسّف: سواء كانت اللوحة يعني شقية أو وثائقية أو تاريخية أو إنسانية موضوعية.

وداد بنموسى: ذات موضوع ذات موضوع معين.

أحمد بن يسّف: لأن يعني إلي حسبته أن التوظيف ديالها ليس فقط من ناحية الموضوع إنما حتى من ناحية الشكل.

وداد بنموسى: الشكل.

أحمد بن يسّف: يعني أنا حسيت هذا الميدان لما حسيت بوجودي في الحياة يعني أنا الإبداع والرسم هو أكسجين بالنسبة إلي أنا لا يمكنني أن أعيش بدون هذا.

وداد بنموسى: إن شاء الله بعد طول عمر إن شاء الله سيد أحمد.

أحمد بن يسّف: شكراً.

زاد: مضطرة للاتفاق معك، هذه الحمامة تحركت كثيراً وها هي تخلط الأندلس بفلسطين وترفض تقسيم القدس تحت شعار لا غالب إلا الله.

وداد بنموسى: إحنا متواجدين في بيتك وعلى..

أحمد بن يسّف: مش بيتي في مرسمي.

وداد بنموسى: في مرسمك وهذا الشاي كأس الشاي المنعنع، أنا لم أراك إلا بقبعة لماذا لا تنزع قبعتك؟

أحمد بن يسّف: إذا نزعت قبعت أفكاري ستطير ولهذا أحب أن تبقى هنا.

وداد بنموسى: وهذه اللوحة لماذا هي عذراء لم ترسم فيها أي شيء؟

أحمد بن يسّف: كل اللوحات تكون عذراء، بداية دائما هي عذراء.

وداد بنموسى: سيد أحمد ما علاقتك بالمكان؟

أحمد بن يسّف: الذاكرة، الذاكرة هو المكان والزمان.

وداد بنموسى: ما هو المكان المفضل للسيد أحمد بن يسف؟

أحمد بن يسّف: هو المكان الذي أنزل فيه وأنا مرتاح سواء أكان في الهند أو في باريس أو في تطوان أو في دمشق أو في قطر.

وداد بنموسى: لا خصوصاً وأننا نعلم أن لك مرسم في تطوان ومرسم في طنجة ومرسم في اشبيلية، هل هذا الانتقال من مرسم إلى آخر لا يشكل بالنسبة إليك نوع من الضياع بين يعني هذه الأماكن.

أحمد بن يسّف: أنا عملت ثلاث أشياء بحياتي مهمين هو القران الكريم والسنة النبوية والأمثال الشعبية، والأمثال الشعبية يقولوا المنازل راحة.

وداد بنموسى: سيد أحمد أنا أعددت ورقة عنك وأعلم مسبقاً وأنا أقرأها أنك ستقاطعني فقط حاول أن لا تقاطعني رجاءاً.

أحمد بن يسّف: على حسب ماذا ستقولين؟

وداد بنموسى: هو فنان من العيار الثقيل الفنان التشكيلي أحمد بن يسف يشهد لنفسه بالعبقرية ويطالب العالم بأن يحتفي به في حياته، عودنا على حماماته التي تحط هناك وهناك كأيقونات تؤثث فضاء أعماله الإبداعية حتى أنها أصبحت تُخبأ في أكثر الأماكن سرية، في لوحاته سحر يستحوذ عليك وقوة تنفذ إلى أعماقك بعذوبة سخية بعذوبة مغلفة بالأسى كذلك، ذلك أنه رسم الإنسان في كثير من لحظات ضعفه وصراعاته ضد الفقر والاضطهاد والجهل والجوع، معاناة ترجمها على الوجوه الحزينة التي صادفته في الممشى الرحب في مدينة تطوان البيضاء شمال المغرب هناك من يعتب عليه تلك الواقعية المفرطة التي قد تنحو نحو كل ما تنقله العين كصورة مباشرة تتحول إلى عمل تقني بامتياز خصوصاً وأن الرجل راكم خلال دراسته الأكاديمية تجربة قوية مكنته من سبر أغوار اللون والأبعاد والخطوط وما إلى ذلك من مكونات العمل الفني الخالص، هناك أيضاً من يعتب عليه ارتفاع ثمن لوحاته ويرجع ذلك إلى تهافت التجار جماعين على لوحاته وأعماله، حين وطأت قدماه أرض إسبانيا لم يكن إلا ذلك الفتى الطموح الذي قرر أن يكون ثالث اسم في الفن التشكيلي الإسباني بعد سلفادور دالي وبيكاسو، يحضر اسمه اليوم في جل المعاجم المتخصصة في الفن التشكيلي، تنقل بين العديد من التقنيات والتعابير الفنية من النحت إلى الخزف إلى الرسم بالماء إلى الحفر وإلى زيت على القماش لكنه بقي وفياً إلى تقنية واحدة الفن الرزين، في هذا الحوار كثير من بوح الرسام الذي ما فتئ يتشبث بنظرته المواربة وبحماماته التي تحلق في سماء اشبيلية، في هذا الحوار أيضاً كثير من الكلام الذي خلف الكلام للفتى الذي يحتفظ بالجوائز الثلاث التي لم ينلها قبله ولا بعده نفس الشخص، إنه فنان مغربي بامتياز سيد أحمد بن يسف أخلص لعوالم المغرب من سحنات وأزقة وتفاصيل حياة.

زاد: أشكرك أيها التطواني الجميل على الحمام وخاصة على الحركة في لوحاتك، بعدما سمعته من وداد عن غلاء لوحاتك اقتنعت بأن سيدي فضّال لم يجانب بين آل يسف أما أصدقائي النقاد فرفقاً بهم لا بد لكل نفس نافذة من نفس ناقدة.

جمال العرضاوي: لا ينتهي شيء في تطوان يسمونها في الأناشيد العربية حافة الانتماء وهي البداية، قد تغرب شمس المشاة هنا ولكن المشاءين يوقدون كواكبهم من تطوان ويمضون.