دون تردد يمكن القول إن طنجة ظاهرة فريدة بين مدن العالم من حيث احتفاؤها بجماليات الهامش، يلتقي فيها مجانين الفن والكتابة والهاربون من العروش الباذخة إلى مدينة تطل ببساطة وعبقرية على محيط وبحر.

واصل "المشاء" مشيه في طنجة، فكانت الحلقة الثانية التي بثت مساء 12/6/2014 تقودنا على خطى الكتاب الذين حملتهم المدينة في مقاهيها وشوارعها وأزقتها وحملوها في نصوصهم.

بعض هؤلاء الكتاب من اشتبك مع طنجة وبادلها ضجيجا بضجيج، وهذا ليس حال الكاتب الفرنسي الشهير جان جونيه الذي كان يقيم في المدينة شبحا، حسب وصف الشاعر عبد اللطيف بن يحيى.

كان جونيه لا يريد لأحد أن يقطع عزلته فيأتي إلى طنجة دون أن يعلم به أحد ويقيم بثيابه الرثة في أفخم فنادقها. ولدى سؤاله قال إنه يشعر بمتعة كبيرة "عندما يجد كلب حقير مثلي أناسا أنيقين يخدمونه"

كان جونيه لا يريد لأحد أن يقطع عزلته، فيأتي إلى طنجة دون أن يعلم به أحد ويقيم بثيابه الرثة في أفخم فنادقها. ولدى سؤاله قال إنه يشعر بمتعة كبيرة "عندما يجد كلب حقير مثلي أناسا أنيقين يخدمونه".

مقهى الحافة
مقهى "الحافة" يمكن اعتبارها قلب طنجة الصيفي. يقول الفنان العربي اليعقوبي إنها كانت ملتقى المبدعين من أطراف العالم، وحين يأتي الشتاء كان الزوار يلجؤون إلى المقاهي الداخلية.

استقر في طنجة وليام بوروز الكاتب الذي قدم فيها لغة الجيل المطحون وبذر بذرتها في هوامش المدينة. أما بول بولز فكان مقامه فيها أرسخ وأكثر شهرة، خصوصا للعلاقة التي جمعته مع كاتب طنجة الشهير محمد شكري.

تحدث بن يحيى عن مسرح مدينة طنجة العريق الذي مر عليه كبار الفن، من الممثلة الفرنسية سارة برنار ويوسف وهبي وأمينة رزق والعديد من الأسماء العالمية في الغناء والباليه، لكن هذه البناية المتداعية الآن -يضيف بن يحيى- لو كان لها لسان لقالت كلاما يدمي القلب.

كثيرا ما يرد فعل كان في حديث أبناء طنجة من الذين عاصروا فترة ازدهارها أواسط القرن العشرين، يتذكرون المدينة التي جمعت في مسارحها ومقاهيها ومنتدياتها أعلام الثقافة والسياسة المغاربة، ثم لم تتردد في استقبال المبدعين من مشارب فنية وثقافية مختلفة، وكلهم ترك فيها أثرا.

لا يترك المشاء طنجة إلا ليعود إليها، ففيها مستقر المشاء الكبير "سيدي ابن بطوطة" الذي لديه السر الأعمق لموهبة المشي والاكتشاف والدهشة.