عندما دخلت القوات الثورية العاصمة هافانا منذ نصف قرن وعد الزعيم الجديد وقتها فيدل كاسترو بتحسين ظروف حياة الفقراء من الناس بإنهاء التغول الرأسمالي.

من أهم التدابير التي اتخذها كاسترو إلغاء سوق العقار الذي كان نشطا ومربحا، واعتبر السكن من حقوق الإنسان وألغي الإيجار الفردي، ومنحت غالبية الكوبيين مساكن مجانية. ولكن الحكومة أفلست لأن الولايات المتحدة فرضت حظرا اقتصاديا على كوبا "الثورية" ولأن الدولة اعتمدت على اقتصاد مسير ضعيف الأداء.

تدهورت أحوال قطاعات واسعة، ثم اتخذت الحكومة إجراء غير مسبوق عام 2011 بفتح الاقتصاد على مصراعيه وقلب قوانين العقار رأسا على عقب، فسمح للكوبيين من جديد بشراء مساكن أو بيعها.

وتقول الحكومة إن منظورها "الثوري" ما يزال على حاله، وإن هدف الإصلاحات هو الإبقاء على الاشتراكية وليس القضاء عليها. ولكن هل يأتي الترخيص بالملكية العقارية الفردية بما يخدم فقراء كوبا من الحضر؟ وكيف تتعامل الحكومة مع طبقة ثرية طارئة حاربها النظام سابقا أشد المحاربة؟

في ساحة بلازا دي آرماس -الأقدم في كوبا- التقى برنامج "عالم الجزيرة" في حلقة (31/7/2016) آيلين روبينا كبيرة المهندسين المعماريين في "مكتب ترميم الآثار" التابع للحكومة ومسؤوليته إصلاح قلب هافانا التاريخي.

وتقول آيلين إن كل شيء بدأ من هذا المكان. فمن هذه الساحة تطورت أول الأعمال الأثري، وهنا جُعل للمكتب مقر، إنها مؤسسة واسعة النفوذ نشرت مخططا شاملا هو بمثابة برنامج عمل لتطوير هافانا.

وأوضحت أن الفكرة الأساسية هي استخدام مداخيل السياحة لتمويل عمليات الترميم. وقد وصلت تلك الإيرادات إلى 120 مليون دولار عام 2011. ولكن هدف المخطط الشامل هو الإبقاء على أكبر عدد من السكان الأصليين قدر الإمكان بقلب المدينة. وفي ساحة فييخا تحولت قصور قديمة إلى مقرات لأعمال تجارية.

عقبة كؤود
تواجه سلطات هافانا عقبة كؤودا، وهي تجتهد للمحافظة على المدينة. فبالإضافة إلى الاكتظاظ الشديد والتعديلات المعمارية، هناك أضرار الرطوبة العالية التي تضعف متانة المباني وبالتالي تجعلها غير آمنة. وعام 2015 كانت تنهار بناية كل يومين في هافانا.

عندما أدركت الحكومة ضرورة الاستعجال بحل مشكلة الإسكان في ستينيات القرن العشرين، قررت بناء مساكن جاهزة على الطراز السوفياتي حول هافانا. كانت مطلوبة جدا ثم أصبحت اليوم مستقرا لمن لا يمكن إسكانهم بالعاصمة.

وتأمل الحكومة أن يسهم الترخيص لقطاع العقار الخاص في إنعاش الاقتصاد. فرصة اغتنمها الناس بسرعة شديدة، ففي الأسبوع الأول من عام 2011 سارع 750 ألف كوبي إلى تسجيل ممتلكاتهم.

كل يوم أحد،، يتحول أحد أهم الشوارع في هافانا إلى سوق عقار غير رسمي. ويعرض عدد ليس بالقليل من الناس مساكنهم للبيع لكسب أموال تسمح لهم بدخول قطاع الأعمال.

وفي بلد لا يمنح إلا القليل من فرص الإقراض الرسمي، خلفت تلك السوق فرصا جديدة وحقيقية. وهناك قسم من أنجح المشاريع، على رأسها كوبيون عادوا من المهجر بعد أن أغرتهم التغييرات التي تشهدها البلاد.

كل صفقة جديدة تزيد تعداد الطبقة الوسطى بالعاصمة. وقد يصل سعر فيلا في هافانا إلى 850 ألف دولار. غير أن قطاع العقار من الجاذبية بحيث رسمت الحكومة له حدودا لا يتخطاها. فقد منع على الأجانب شراء معظم أنواع الممتلكات غير المنقولة بهدف الإبقاء على العقار في أيد كوبية.

وقد ذهب معظم تلك العقارات إلى كوبيين مغتربين اشتروا أجمل المساكن وأغلاها ثمنا.

مليار دولار تتدفق من كوبيي الخارج على أقاربهم بالجزيرة كل عام. ويسهم ذلك في تحريك المبيعات بسوق العقار الراقي. ويبدو للعديد من المراقبين أن الرأسمالية تتسلل لكوبا من باب خفي.

الشيء الأكيد هو أن فقراء كوبا ينتظرون التغييرات بفارغ الصبر. هم أيضا يشعرون أن كدحهم ينبغي أن يؤتيَ أكله.