يحظى الشيخ عبد العزيز الثعالبي بأهمية بالغة في تاريخ الحركة الوطنية التونسية وتاريخ الفكر الإصلاحي في مطلع القرن العشرين في تونس وخارجها، ويشهد المفكر عبد الرحمن الكواكبي في رسالة خطية تركها بأنه تأثّر بأفكار هذا الرجل في مقاربته لنقد الحكم المطلق الاستبدادي.

حلقة (4/1/2016) من برنامج "عالم الجزيرة" عرضت شريطا (من الوثائقية) عن شخصية الشيخ عبد العزيز الثعالبي من إنتاج الأستاذ محمد العشي الذي مارس تجربة في إطار الجامعة التونسية للسينمائيين الهواة. وفي الشريط تحدث أساتذة ومفكرون وباحثون عن مواقف هذا الرجل ومراحل حياته.

الشيخ الثعالبي ولد عام 1876، لأسرة جزائرية هاجرت من بجاية نتيجة ضغط الاستعمار الفرنسي، وانتقلت إلى تونس، حيث استقرت في ربض باب سويقة في حومة الأندلس، وحينما دخل الاستعمار الفرنسي إلى تونس كان في الخامسة من عمره، ويذكر في سيرته الذاتية التي لم يستكملها أنه رأى جده يبكي عندما حلت القوات الفرنسية بالعاصمة تونس، فسأله عن السبب ليخبره بعد أن كشف عن آثار رصاص في صدره: خرجت من بلدي بالجزائر حينما دخلها الاستعمار الفرنسي عام 1830 فإذا بالاستعمار يلاحقني في تونس.

حفظ  الثعالبي القرآن مرتين واستكمله وهو في السادسة من عمره، ودخل جامع الزيتونة وعمره 14 عاما، كما أسس وهو دون العشرين جريدة "سبيل الرشاد".

سافر الشيخ إلى بعض الدول، منها ليبيا واليونان وتركيا ومصر، حيث كان يلتقي مع المفكرين والسياسيين المصريين، وعند رجوعه إلى تونس جاء بالأفكار الثورية، وكان محكوما برؤية إصلاحية حداثية تقوم على إصلاح العقيدة، لكنه لقي التعنت الكبير، فجرت محاكمته عام 1904، واتهم باتهامات خطيرة جدا تمس العقيدة والشرف، واختلقت له الأكاذيب.

وكما قال أحد المتحدثين لحلقة "عالم الجزيرة"، كان الثعالبي أوّل سجين رأي في تونس.

ولم يرد الثعالبي على تلك الاتهامات، بل إنه لمّا خرج من السجن ألف كتابا عام 1905 سمّاه "روح التحرر في القرآن" وكتبة باللغتين الفرنسية والعربية، وكان يبشر بمشروع تنويري في مرحلة تتسم بالظلمات، فكان من أوائل الذين اهتموا بالمرأة ودعوا إلى تحريرها من القيود التي كانت مكبلة بها.

شارك في الحراك السياسي ضد الاستعمار الفرنسي ضمن حركة الشباب التونسي، لكن الفرنسيين نفوه وسجنوه سنة تقريبا، واضطر للخروج من تونس عام 1923 في رحلة طويلة دامت 14 عاما، بعدما تأكد أن الساحة الوطنية في تونس ضاقت عليه، فتوجه إلى الشرق العربي الذي كان وقتها ساحة مفتوحة للنضال.

محطات
وكان اليمن هو المحطة الأولى لرحلة الثعالبي، ويعترف اليمنيون بفخر واعتزاز بأن الشيخ كان له دور كبير في توحيد بلادهم، ثم المحطة الثانية في العاصمة العراقية بغداد (1926-1930)، حيث كان يقدم محاضرات ودروسا في جامعة آل البيت التي كان هو شخصيا من مؤسسيها.

وتمثلت المحطة الثالثة في مؤتمر الخلافة الإسلامية، عندما أسقط كمال أتاتورك الخلافة، فقد شارك الثعالبي في المؤتمر ممثلا عن العراق، وأكّدت العديد من الدراسات أنّه اقتنع اقتناعا كليّا بأنّ الخلافة لم تعد هي الحل لجمع شتات المسلمين وإنما الرهان العروبي.

اهتم الثعالبي أيضا بالقضية الفلسطينية، وجعل القدس قضية العالم الإسلامي كله، كما دعا إلى توحيد العرب والمسلمين، كان داعية إلى تنوير الفكر بالانفتاح على الفلسفة وعلى الحضارة الإنسانية.

عاد عام 1937 إلى تونس، واستقبله الحبيب بورقيبة (الرئيس التونسي الراحل) لأنه كان يؤمن بقيمته، رغم أنه كان يؤمن أيضا بضرورة الحدّ من هيمنته، ثم اندلعت لاحقا حرب معلنة بين الرجلين، بين شيخ يحمل رصيدا نضاليا كبيرا، قُطريا مغاربيا عربيا إسلاميا، وبين شاب "بورقيبة" كان يريد إزاحة كلّ من يعترضه.

وبعد أن ألمّت به أزمة نفسية نتيجة العزلة، مات الشيخ الثعالبي في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1944.