لا تقل بولندا روعة في بهائها الثقافي عن أي بلد أوروبي آخر، ومنذ انفصام عرى الشيوعية، أصبح كثيرون يرون أنها تتميز عن غيرها من دول أوروبا الشرقية باعتبارها تمثل قصة نجاح.

أمّا وراء المعمار البديع، فقد تزايدت جرائم بغض الغرباء وكره الأجانب والتحيز ضدهم. ويخشى بعض الناس من أن يعيد التاريخ نفسه، ولا سيّما في بلد عانى أكثر من غيره على يد النازيين.

فعلى مدى قرون من الزمن، كان المجتمع البولندي أحد أكثر المجتمعات الأوروبية تنوعا من حيث الثقافة، ثم أضحى مجتمعا أحادي الشخصية بفعل الهولوكوست.

بداية التحول
فاز حزب القانون والعدالة -القومي المتعصب- في الانتخابات البرلمانية التي جرت في بولندا في أكتوبر/تشرين الأول 2015، ليستحوذ على أغلبية ضئيلة في البرلمان، ومنذئذ سعى لتعزيز انتصاره من خلال العبث بالدستور، فأوقع البلاد في أزمة لم يتوقعها أحد.

عقب أسبوعين فقط من تشكيل حزب القانون والعدالة للحكومة، تجمّع جمهور ضخم من القوميين المتعصبين وهو يردد عبارة "الله، الشرف، والوطن" أمام دار البلدية في مدينة فروتسواف في بولندا، ويلّوح بدمية ترمز إلى يهودي متدين، حيث درج اليمين المتطرف على اعتبار اليهودي رمزا للآخر ورمزا لشيء غريب وأجنبي ومعادٍ لبولندا.

قبل عام واحد فقط، كان من الطبيعي أن تُزدرَى هذه الغوغائية باعتبارها دعاية رجعية، أما في أعقاب أزمة اللاجئين في أوروبا، فقد طرأت على بولندا تغيّرات سريعة وجارفة.

حين راح الحزب يطبّق برنامجا خلافيا يثير الشك في حرية الصحافة والقضاء، خرج آلاف إلى الشوارع للاحتجاج، ولم تشهد البلاد انقساما كالانقسام الذي تشهده الآن. وقد تأزمت الأمور عندما بدلت الحكومة عشوائيا خمسة قضاة مستقلين في المحكمة الدستورية بقضاة عيّنوا لاعتبارات سياسية.

يقول رئيس بولندا السابق ليخ فاوينسا عن هذه الإجراءات "لم يخوّل لهم الشعب صلاحية تغيير الدستور أو التصرف على النحو الذي يتصرفون به. ويرى 56% من أبناء وطني أن ثمة شيئا خاطئا، وأن الشيطان قد بُعث من مرقده".

في الشهرين الأولين من تولي حزب القانون والعدالة مقاليد الحكم، أقرّ عدة قوانين مثيرة للجدل، وعادة في جلسات تعقد في وقت متأخر من الليل.

وسارع أيضا إلى تطهير الوكالات الحكومية والمؤسسات التي تديرها الدولة من معارضيه السياسيين، ووضعت محطات الإذاعة والتلفزيون التابعة للدولة في يد موالين للحزب، لتتحوّل البرامج الإخبارية إلى برامج دعائية تنقل وجهة النظر الحكومية.

ومما زاد الطين بلة، أن الحكومة منحت دائرة الاستخبارات صلاحيات رقابية واسعة تمكّنها من التلصص على الصحفيين.

كراهية وعنصرية
لكن تأثير تولي الحزب القومي المتعصب تعدى ذلك إلى بدء تفشي ظاهرة مناهضة اللاجئين وتصاعد الاعتداءات العنصرية وجرائم الكراهية.

يقول البروفيسور بانكوفسكي من رابطة "لا عودة إلى الماضي أبدا" عن ذلك، "كنا نسجّل في الماضي ما يتراوح بين خمس حالات وعشر حالات أسبوعيا في المتوسط. وخلال الأشهر الستة الماضية كنّا نسجّل خمس حالات أو عشر حالات يوميا، وهو ما يمثل زيادة كبيرة في عدد جرائم الكراهية التي وثقناها".