لم يحمل أمر ترشح دونالد ترامب لأعلى منصب في أميركا محمل الجد إلا عدد قليل من الناس، فالرجل نجم في تلفزيون الواقع وملياردير، وقد اعتقد المراقبون أن الأمر لا يتعدى فكرة ذكية لتعزيز شهرة علامة ترامب التجارية، وتوقعوا انسحابه بعد أمد قصير.

لكن ترامب لم يبق فقط، بل حقق فوزا متعاقبا في العديد من الولايات الأميركية ليصبح المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة.

تسلط رسالة ترامب الضوء على تفاصيل محددة في السياسة العامة، ولكنها تستهدف هواجس الناس الاقتصادية، وتقدم لهم أكباش فداء.

يعد تراَمب ببناء جدار على طول الحدود مع المكسيك لمنعهم من التسلل، فاللعب على وتر الشعبوية العنصرية والخوف يشكل عنصرا أساسيا في استراتيجيته لحصد التأييد الشعبي. كما يدعو إلى منعٍ كامل وشامل للمسلمين من دخول الولايات المتحدة.

فقدان ثقة
يعرب وليام غالستون، وهو أستاذ باحث في معهد بروكينغز بواشنطن، عن اندهاشه من نجاح ترامب، ويقول "ما فتئ العديد منا يكتب عن فقدان الثقة في مؤسساتنا الحكومية، وعن بعض المشاكل الاقتصادية، لكن أعتقد أننا جميعا قللنا من حجم كل تلك العناصر التي ولدت استياء وقلقا، وغضبا واضحا".

ويضيف أن "جشع طبقة المليارديرات في عالم الشركات والأعمال الأميركي يدمر هذه البلاد، وسوف نضع لذلك حدا".

وحسب غالستون فإن السياسات الأوروبية وكذلك الأميركية تتسم بضعف الوسط، وأدى إضعاف الطبقة الوسطى في ألمانيا خلال عشرينيات القرن الماضي بسبب التضخم والركود إلى تمهيد الطريق للإتيان بحكومة مستبدة.

وفي أميركا، ثمة مؤشرات على أن الضوابط العريقة التي تحافظ على كل ما هو محل احترام في المجتمع بدأت تتهاوى، وهذا قد يؤدي إلى سياسة عامة خطرة، ما لم تكتب الغلبة للزعامات الأكثر تعقلا، وهذا ما لا يبدو مرجحا حتى الآن.

هذا الانجذاب نحو المرشحين غير الحزبيين من أمثال ترامب في انتخابات 2016 يؤشر إلى المشاكل الاقتصادية، والتهرؤ الذي دب في أوصال مؤسسات الدولة.

يقول مايكل ديموك، وهو رئيس مركز بيو للأبحاث، وهي المنظمة الاقتراعية غير الحزبية الأهم في الولايات المتحدة "نعيش حاليا حالة عميقة للغاية من انعدام الثقة بواشنطن، 19% فقط من الأميركيين يثقون في الحكومة الاتحادية. لقد خضعَ تجاوب المنتخبين لناخبيهم للمساومة تحت تأثير المال، واليوم يعتقد 75% من الشعب الأميركي أن المشكلة باتت أشد سوءا مما كانت عليه في السابق".

تمويل الحملات
قرار المحكمة العليا الأميركية عام 2010 في القضية المعروفة باسم "المواطنون المتحدون" ضخ سيلا هائلا من الأموال النقدية في العملية الانتخابية، حيث ألغى ذلك حظرا على الإنفاق الانتخابي من قبل الشركات والنقابات، وسمح لها بنفقات غير محدودة لمصلحة أي مرشح.

بعد ذلك ببضعة أشهر، صدر قرار آخر عن المحكمة يسمح للأثرياء أيضا بتقديم تبرعات غير محدودة للكيانات السياسية التي تدعم مرشحين، والمعروفة باسم لجان العمل السياسي المستقلة.

عن هذا يقول كين فوغل، وهو كبير الصحفيين الاستقصائيين في صحيفة بوليتيكو بواشنطن، إن "نجاح ترامب هو نتاج للنظام الجديد المتعلق باستخدام المال السياسي، وسبب ذلك أولا وجود حزب جمهوري ضعيف وغير قادر على القيام بما يلزم لجعل استمرار ترامب أكثر صعوبة".

أما عن الضرر الذي ألحقته القواعد الجديدة المتعلقة بتمويل الحملات الانتخابية في إضعاف الأحزاب السياسية فيقول فوغل إن قرار المحكمة العليا عجل نوعا ما في نزوح المال والسلطة بعيدا عن الأحزاب السياسية المنَظمة، إلى أصحاب المليارات والملايين والمجموعات غير الحزبية التي تمول تلك الأحزاب.

في المقابل، يعتبر المحامي جيمس بوب الذي يعمل مستشارا خاصا للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، أن القيود التي كانت مفروضة على تمويل الحملات الانتخابية تتعارض مع نص التعديل الأول في الدستور، وأنه لم يكن ينفق في الانتخابات ما يكفي من المال، ونتيجة لذلك كان الناس يجهلون حتى الحقائق الأساسية لنظامنا الانتخابي.