عرفت تايوان في السبعينيات تحولات لافتة مع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، وازدهار صناعة التكنولوجيا المتفوقة، فأصبحت أحد نمور آسيا الاقتصادية.

سارع الملايين من الشباب التايوانيين إلى احتضان التغيير، وتلقفوا فرص العمل لدى بعض من أكبر الأسماء التجارية في العالم.

غير أن ثمة جانبا مظلما للتحول الاقتصادي في تايوان، حيث يتهم رأس المال دائما بأنه وحشي، بل عنصري لا يرى في البشر بعيدا عن أوروبا وأميركا سوى أيد عاملة رخيصة مهمتها زيادة ربح الشركات.

في فيلم استقصائي بعنوان "تايوان.. السرطان الغامض" ضمن سلسلة "عالم الجزيرة" وعرض الأحد 24/1/2016، يتابع الصحفي ستيف تشاو معركة بين ضحايا الأمراض القاتلة وشركة صناعة التلفزيونات "آر سي أي" المتهمة بأنها المسبب لهذه المأساة.

الشركة العالمية
كان ينظر للشركة بوصفها عالمية رائدة في إنتاج أجهزة التلفزيون، وأنها صاحبة عمل نموذجية توفر مزايا ومنشآت ممتازة لعشرات الآلاف من العمال.

لكن عبر أكثر من عقدين كانت الملوثات المسببة للسرطان تُطرح في التربة والماء هنا. التجارب التي أجريت عام 1994 كشفت عن مستويات تفوق بـ144 مرة الحد المقبول، وحتى بعد إقفال المصنع لا تزال الأرض مسممة.

أكثر من 1500 من عاملات "آر سي أي" السابقات يعانين من أمراض خطيرة، ومنهن 316 على الأقل قضين بسبب مرض السرطان.

تقول التقارير إن مديري "آر سي أي" حفروا البئر وضخوا كل المذيبات العضوية في التربة والمياه الجوفية. لذلك لم تتبين الموظفات العاملات الضرر الحاصل ومدى خطره على صحتهن.

كانت العاملات يصبن بالأمراض بينما من يعمل في الوظائف الإدارية كان يشرب مياها معدنية، لا من البئر الملوثة.

تلوث شديد
وتظهر وثائق مسربة أن مالكتي "آر سي أي" السابقتين جنرال إلكتريك الأميركية وطومسون الفرنسية، طلبتا ما لا يقل عن ثلاث دراسات بيئية للموقع خلصت جميعها إلى أنه كان شديد التلوث.

الدراسة الأولى، المؤرخة في فبراير/شباط 1989، وقعها ممثلون عن جنرال إلكتريك وطومسون، لكن أحدا لم يخبر العاملات. واحتفظت الشركتان بالمعلومات، واستمر المصنع بالعمل لمدة ثلاث سنوات أخرى إلى أن أغلق نهائيا في عام 1992.

على الرغم من افتضاح الأمر، لم تواجه أي من الشركتين عقوبات قانونية بسبب التلويث، إذ في ذلك الوقت لم يكن لتايوان أي قوانين تغطي تلويث التربة والمياه الجوفية. غير أن الحكومة تمكنت من جعل جنرال إلكتريك وطومسون تبدآن بتنظيف موقع المصنع المهجور.

ولمعرفة آثار استهلاك المياه الجوفية الملوثة في مصنع "آر سي أي"، أعاد الباحثون في جامعة تايوان الوطنية إنتاج المحلول وأعطوه للفئران، فأصيبت بمشاكل صحية خطيرة.

ويذكر متابعو القضية أنها لم تكن تلك المرة الأولى التي تضبط فيها "آر سي أي" وهي تنتهك القانون، فبين عامي 1975 و1991 فشلت الشركة في اجتياز ثمان عمليات تفتيش للصحة والسلامة أجرتها وزارة العمل، لكن المصنع استمر في العمل.

معركة المتضررين
خاض المتضررون، يؤازرهم ناشطون حقوقيون، معركة ضد الشركة، ومنهم زوج إحدى العاملات توفيت في الأربعين من عمرها، ورغم تقدمه في العمر فإن تصميمه جعل أكثر من ألف من زميلات زوجته السابقات ينضممن إلى الحرب ضد "آر سي أي"، فجميعهن مقتنعات بأن الشركة تسببت في مرضهن.

كثيرات منهن ضعيفات ومريضات، ولكن بعد سنوات من الصراع يظهرن عازمات على الاستمرار.

أثمر التقاضي أمام المحكمة عن حكم بالتعويض بحوالي 18 مليون دولار أميركي، بينما كانت المطالبة بـ89 مليونا.

ويخبر الناشطون الحقوقيون أن هناك 80 ألفا من عاملات "آر سي أي" السابقات، وأنهم يتلقين اتصالات من العاملات ومن أفراد أسرهن كل يوم.

تختم إحدى العاملات بالقول "جاؤوا، جنوا أموالهم وذهبوا. جعلوا عاملات مثلنا يعانين من آثار التلوث. إذا خسرنا فهذا يعني أن أرضنا انتهت. انتهت تايوان. أطفالنا وأحفادنا انتهوا".

أما الشركتان المدعى عليهما "آر سي أي" وطومسون فتصران على أنهما ليستا السبب وراء اعتلال صحة أي من العاملات السابقات، وتقولان إن مصنعهما حاز على العديد من الجوائز للسلامة وهما ستستأنفان قرار المحكمة.

والمعركة لم تنته بعد.